الأربعاء 15 أغسطس 2018 م - ٤ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الخروج الآمن من الأزمات

الخروج الآمن من الأزمات

فوزي رمضان
صحفي مصري

تؤكد كل دراسات الإدارة الحديثة على أهمية وجود إدارة للأزمات في كافة الهيئات والشركات، مع الاعتراف بأن عالم اليوم هو عالم الأزمات لأسباب تتعلق بالتغيرات الكثيرة، التي حدثت في مجالات الحياة المتنوعة والتي أثرت على الجميع، وجعلت الأزمة هي العامل المشترك في كافة مناحي الحياة بدءا من الأفراد وحتى على مستوى الدول.

في العام 1914 أبحر الرحالة شيكلتون بسفينته متوجها نحو القارة القطبية الجنوبية يحدوه الأمل في عبور القارة سيرا على الأقدام .. لكن حدثت الكارثة، حين علقت سفينته بالثلج وبقي هو وطاقمه على هذا الحال لعدة شهور، وتزداد المصيبة حين غرقت السفينة تاركة شيكلتون وطاقمه المكون من27 فردا، على جليد طافٍ يكسو سطح الماء وليس معهم سوى القدر القليل جدا من الإمدادات، على بعد 1200 ميل من اليابسة، وحلت الأزمة بكل قسوتها وجبروتها على شيكلتون ورفاقه، ومع ذلك لم يتسرب اليأس لمخيلته، ولم يتخلص من أفراد طاقم السفينة ولم يتهرب من المسؤولية، فقط تحول إلى قائد فذ وعبقري ملهم لكل فرد من أفراد طاقمه، فماذا فعل…؟ أولا جعلهم جميعا أطرافا في عملية اتخاذ القرار، وظل هو معنيا بشكل شخصي بكافة معطيات الأزمة وكافة تفاصيلها، فقد كانت لديه قناعة أنهم يستطيعون إنجاز مهمة الخروج من المصيبة.
المدهش والمثير للإعجاب أنه تمكن بالفعل من إنقاذ طاقمه، واللجوء بهم إلى جزيرة باليابسة باستخدام قوارب النجاة، وعلى تلك الجزيرة قرر شيكلتون تقسيم الطاقم، حيث ترك عددا منهم على هذه الجزيرة، تاركا لهم القدر المحدود من المؤن، وتوجه بباقي أفراد الطاقم على أحد قوارب النجاة للبحث عن العون والمساعدة حول أطراف الجزيرة، وبعد استكشافات مضنية عثر أخيرا على محطة لصيد الحيتان على بعد 800 ميل، وعن طريقها استطاع إنقاذ كل طاقمه ولم يفقد أيا من أفراده، على الرغم من كافة الصعاب التي واجهته والتي مثلت تحديا رئيسيا لاحتمالات نجاته هو ذاته.
إن إدارة الأزمات بقدر ما هي سلوك فطري للقادة العباقرة والرؤساء الموهوبين، فإنها تعتبر أحد أسس مجال الإدارة التي تتضمن العديد من الأنشطة، يأتي على رأسها التنبؤ بالأزمات المحتملة والتخطيط للتعامل معها، والخروج منها بأقل الخسائر المحتملة، كما حدث عندما تسببت أزمة الصواريخ السوفيتية على الأراضى الكوبية في القرن الماضي في تفاقم العلاقات بين موسكو وواشنطن، إلى حد تهديد الرئيس الأميركي جون كنيدي بحرب عالمية ثالثة تحصد الأخضر واليابس، لكن الأزمة انتهت بموافقة الزعيم الروسي خروتشوف على تفكيك الصواريخ مقابل تعهد أميركي بعدم غزو كوبا، وكانت تلك بداية انطلاق عصر إدارة الأزمات على المستوى الدولي.
كما أن المثال على عدم الكفاءة في إدارة الأزمات والتمسك بالنظرة الضيقة، وعدم التطوير والتحديث ومواكبة تكنولوجيا العصر أدى بشركة نوكيا العملاقة إلى هذا المصير بعد أن كانت تستحوذ على حصة 40% من مبيعات الهواتف النقالة حول العالم، وكانت سلسلة القرارات التي اتخذها ستيفن إيلوب في منصبه كرئيس تنفيذي للشركة، أن جعل القيمة السوقية لنوكيا تنخفض بنحو23 مليون دولار، وكان الخطأ الأكبر الذي ارتكبه إيلوب اختيار نظام تشغيل ويندوز مايكروسوفت باعتباره المنصة الوحيدة لهواتف نوكيا الذكية، ومع صعود نجم آيفون وبرنامج التشغيل اندرويد انطلقت ثورة الهواتف الذكية بحاسة اللمس، وجذبت إليها الملايين من المتسوقين في الوقت الذي توقفت فيه نوكيا عن التطوير.
لذلك تؤكد كل دراسات الإدارة الحديثة على أهمية وجود إدارة للأزمات في كافة الهيئات والشركات، مع الاعتراف بأن عالم اليوم هو عالم الأزمات لأسباب تتعلق بالتغيرات الكثيرة، التي حدثت في مجالات الحياة المتنوعة والتي أثرت على الجميع، وجعلت الأزمة هي العامل المشترك في كافة مناحي الحياة بدءا من الأفراد وحتى على مستوى الدول.
لذلك ينصح ستيف البريخت في كتابه (فن الدفاع عن النفس للشركات) بضرورة وجود الإدارة العلمية القادرة على اتخاذ القرار السليم في الوقت المناسب، وفق معلومات دقيقة وحديثة وواقعية، وبذلك تكون الدرع الواقي للمؤسسة وحمايتها من الوقوع في الأزمات أو التقليل من أخطارها، كما ينصح المسؤول الأول عن إدارة الأزمة بالتفاؤل وعدم التشاؤم والنظر إلى الأزمة باعتبارها شرا، فالنظرة السلبية تعوق التفكير السليم الذي يسهل الوصول للحل المناسب، مع وضع احتمالات للمستقبل والتنبؤ بالأزمات المتوقعة والتخطيط للتعامل معها، والخروج منها بأقل الخسائر الممكنة، ومع تطور الخبرات تتحول الإدارة من الإدارة بالأزمات إلى إدارة الأزمات نفسها على نحو فعال وآمن.

إلى الأعلى