السبت 20 أكتوبر 2018 م - ١١ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / التيَّار القَومي العَربي.. ظروف ومنطلقات وأهداف الحلقة الثانية (2)

التيَّار القَومي العَربي.. ظروف ومنطلقات وأهداف الحلقة الثانية (2)

علي عقلة عرسان

(لم يخْبُ الأمل، ولا التحرك القوميان.. واستعادا، في بداية الأربعينيات من القرن العشرين، حيوية وحركة ونشاطا، وأخذت الشعارات القومية وهجها النسبي، وبدأ الحديث عن الإحياء، والنهضة، والبعث، في ظلال وعي قومي ـ ثقافي ـ تاريخي، وما شاع من صورة زاهية لثورة 1916، وما أضيف إلى أفكارها ومشروعها وزهوها من عمق ووعي، في إطار نضال تحرري ضد الاستعمار، والمشروع الصهيوني في فلسطين، وما انتشر من توجه قومي شامل تقريبا، ساهم في إنضاجه ما واجه ذلك الحلم من تحديات)

وقد دفع العرب، من أجل التحرر تضحيات كثيرة، ولكنهم وقعوا في شراك الغدر، والخداع، والتآمر، تلك التي نصبها الاستعمار الأوروبي الذي أراد منذ البداية، أن يوظف ثورتهم للمساهمة في إضعاف “الإمبراطورية” العثمانية وتدميرها من جهة، ولتمزيق الرابطة الإسلامية، والخلافة العثمانية، وتمزيق الوطن العربي واحتلاله، وإطلاق وعد بلفور، تنفيذا لاتفاق سايكس ـ بيكو، والبدء بتنفيذ مشروع الحركة الصهيونية لاحتلال فلسطين وتهويدها من جهة أخرى. وقد واجه أعضاء المؤتمر العربي الأول، ثم المؤتمر السوري، واجهوا هذه الأوضاع، بمسؤولية، وحماسة، ومشاعر صادقة.. لكنهم كانوا يطفون على حقل من الألغام الفرنسية ـ البريطانية الخفية.. فقد وُضع تحركهم في إطار تجزئة قومية، تبعتها تجزئة قطرية. وتم التأسيس للتحرك بهدف توظيفه لخدمة الأهداف الاستعمارية ذاتها. وقد قام أشخاصٌ من الداخل، يحملون جنسيتين، الثانية فرنسية، بعمل في الاتجاه المطلوب فرنسيا في المؤتمر العربي الأول .. منهم السكرتير العام للمؤتمر شكري غانم الذي كان على علاقة وطيدة مع فرنسا آنذاك ريمون بوانكاريه، وقد ألقى غانم كلمته في المؤتمر العربي الأول باللغة الفرنسية يوم ختام المؤتمر ٢٣ /٦/١٩١٣.. وقد جاءت النصوص ملبية في الظاهر لتطلعات “السورية – الشامية”، وتعبر عنها بقوة، وترضي العواطف، وتتساوق مع الانفعالات، بينما هي في العمق تخدم الفرنسيين خاصة والأوروبيين عامة، وتعطي ظهرها للبعد القومي، والتطلع القومي، حيث تركز على سوريا الطبيعية “الشام”، ولا تنظر فيما قد يكون خفايا، لا سيما والأطماع، بل الحضور الفرنسي ـ البريطاني الذي كان موجودا في بلاد الشام، حيث كانت قد جرت قبل ذلك أحداث عامي 1840 و1860 في لبنان الشامي” إن صح التعبير، وكانت السلطة العثمانية شبه عاجزة عن التدخل.. فلم نر في المؤتمر العربي الأول ١٨ – ٢٣ حزيران/يونيو ١٩١٣، “مؤتمر باريس”، الذي عقد قبل الحرب العالمية الثانية .
برئاسة الشيخ عبد الحميد الزهراوي (1855 – ت. 1916) – وكان لا يعرف الفرنسية – ولا في المؤتمر السوري الذي عُقد في دمشق بتاريخ 2 تموز 1919 بعد تلك الحرب، لم نر شيئا من الأفق القومي، الذي عبَّر عنه مبعوث حماة إلى مجلس المبعوثان، خالد البرازي، باسم العرب، والقومية العربية، بتاريخ 21/7/1912 في ذلك المجلس بشأن طرابلس الغرب.
وقد جاء في قرارات المؤتمر السوري الأول، الذي ناصر الملك فيصل الأول، ملك سوريا، ما نصه:
“قرر المؤتمر السوري الذي عقد في دمشق بتاريخ 2 تموز 1919
1 ـ إننا نطلب الاستقلال السياسي التام الناجز للبلاد السورية التي تحدّها من الشمال جبال طوروس، وجنوبا رفح فالخط المار من جنوب الجوف إلى جنوب العقبة الشامية والعقبة الحجازية، وشرقا نهر الفرات فالخابور والخط الممتد شرق أبي كمال إلى شرق الجوف، وغربا البحر المتوسط، بدون حماية ولا وصاية.
7 ـ إننا نرفض مطالب الصهيونيين، بجعل القسم الجنوبي من البلاد السورية، أي فلسطين، وطنا قوميا للإسرائيليين، ونرفض هجرتهم إلى قسم من بلادنا، لأنه ليس لهم منها أدنى حق، ولأنهم خطر شديد جدا على شعبنا، من حيث الاقتصاد، والقومية، والكيان السياسي. أما سكان البلاد الأصليون من إخواننا الموسويين، فلهم ما لنا وعليهم ما علينا”. وجاء في المؤتمر نص قوي، ضد تجزئة سوريا، وتأكيد على الاستقلال: ” إن المؤتمر السوري العام، الذي يمثل الأمة السورية العربية بمناطقها الثلاث الداخلية والساحلية والجنوبية “فلسطين”، تمثيلا تاما، يضع في جلسته العامة المنعقدة نهار الأحد الواقع 16 جمادى الثانية سنة 1338هـ وليلة الاثنين التالي له الموافق لتاريخ 7 آذار 1919 القرار التاريخي الآتي: “إن الأمة العربية ذات المجد القديم، والمدنية الزاهرة، لم تقم جمعياتها وأحزابها السياسية في زمن الترك لمواصلة الجهاد السياسي، ولم تُرِق دم شهدائها الأحرار، وتثُر على حكومة الأتراك.. إلا طلبا للاستقلال التام، والحياة الحرة.. بصفتها أمة ذات وجود مستقل، وقومية خاصة. لها الحق في أن تحكم نفسها بنفسها، أسوة بالشعوب الأخرى التي لا تزيد عنها مدنية ورقيا.”
وقد أدت الأوضاع والظروف المتداخلة، إلى ضياع الثورة العربية، بصرف النظر عما حاق بالشريف حسين من غدر، وما شاب مسيرته من شوائب، وما فيه من غفلة، وتفسيره للأمور وكشفه للخطط المعادية من قصور، كما أدت إلى احتلال مباشر وغير مباشر، للأراضي العربية التي كانت في إطار الخلافة العثمانية. ولم يُمِتْ ذلك فكرة الثورة العربية ولا أهدافها، ولم يقتل الوعي القومي وأهدافه، بل أخذ يصهر ذلك كله في أتون المقاومة، وحروب التحرير، والتصدي للاحتلال، ولمخططات الاستعمار والصهيونية، والتنبه لمسلسلات التآمر البعيدة المدى، ومقاومتها، كحلف بغداد، ولحالات الاستلاب، وفرض التبعية، والاستغلال، والتسلل إلى التكوين الثقافي العربي، بهدف التخريب بأشكال مختلفة.
وأصبحت شعارات: العروبة، والوحدة، والحرية، والتحرير.. زادَ السالكين في طريق الوعي والمعرفة والسياسة والفكر والعمل، على الصعيد القومي، ولدى طالبي التحرر من الاستعمار في وطن العرب.
وعلى الرغم من ولادة تنظيمات وأحزاب اتخذت من الدعوة “الوطنية” في ظل الاستعمار، وبمواجهته، أهدافا لها، إلا أن ذلك لم يمنع بقاء الفكر القومي مُهيمنا، ونموه في أوساط اجتماعية واسعة قويا. ولم تلبث تلك التنظيمات أن تنبهت إلى ضرورة العمل على مشروعها العربي القديم- الجديد، بعد أن سلخ الاستعمار الفرنسي لواء اسكندرون عن سوريا عام 1939 و”منحه” لتركيا، وكان قد “منحها” في العشرينيات، من القرن العشرين: ديار بكر وكيليكيا ومناطق شاسعة أخرى، تمتد من الحدود الحالية لسوريا السياسية حتى جبال طوروس، متجاوزا القوانين الدولية، واعتراضات السوريين والعرب.. ليرضي تركيا ويكسب ودَّها من جهة، وليشغل سوريا بمطلب وطني- قومي، في الوقت الذي كان ينفذ فيه مع شركائه الاستعماريين، في ظل عصبة الأمم، وبتكليف منها ـ كلفت عصبة الأمم بريطانيا بتنفيذ وعد بلفور ـ مشروع إقامة دولة “إسرائيل”، تنفيذا للوعد المشؤوم الذي صدر عام 1917 إثر اتفاقية “سايكس ـ بيكو” 1916 وفي نطاقها.
وبعد معركة ميسلون 1920، ودخول الفرنسيين إلى دمشق بقيادة الجنرال غورو، وانتقال الملك فيصل الأول إلى العراق، وتأسيسه مملكة هاشمية هناك في 18 ذي الحجة 1340هـ، 23 أغسطس 1921م إثر ثورة العشرين في العراق، التي دامت ستة أشهر.. بعد القضاء على حكومته في سوريا، وعلى حلم بعض السوريين ـ “الشوام كما يقول عنهم العرب الآخرون” ـ بإقامة دولة واحدة في بلاد الشام والعراق، وهي الدعوة التي تشربوها بتأثيرات داخلية وخارجية كثيرة.. بدا العرب متراجعين عن الرؤية القومية الأوسع التي نمت في ظل ثورة 1916. وخضعت بلاد الشام، والعراق، وأقطار عربية أخرى.. لاستعمار مباشر. وبدأت مرحلة النضال من أجل تحرير الأوطان، “الأقطار”، التي حددتها جغرافية سياسية، يتطلع أهل كل قطر من الأقطار المعنية، إلى مجاوزتها والتخلص من تلك الخرائط التي رسّخها الاستعمار، ومن ورثوه، وحرصوا على ما أقامه من كيانات. فقامت ثورة العشرين في العراق، وتلتها ثورات على الاستعمار، وصراعات لم تهدأ، بين تيارات قومية وأخرى “ليبرالية” موالية له، فقامت الثورة السورية الكبرى في سوريا عام 1925، وثورات وإضرابات في فلسطين أهمها ثورة عز الدين القسام، وإضراب ١٩٣٦، وبدأت بالظهور أفكارٌ، وتنظيمات قطرية وقومية، على مستوى سوريا السياسية، وسوريا الطبيعية، وأخرى عربية أشمل. وبقيت الرؤى القومية تراود كثيرين، وتضمهم في أطر تنظيمية هشة.. وكان لتكتلات الضباط والمفكرين والسياسيين القوميين، الذين بدأ نضالهم القومي في العهد العثماني، تأثير وتواصل، وحملوا التوجهات المناهضة للاستعمار، والداعية للوحدة العربية، عندما انتقلوا إلى العمل ضمن الجغرافيا السياسية التي نتجت عن تمزق الدولة العثمانية، وعن تنفيذ معاهدة سايكس ـ بيكو، الجغرافيا التي رسمتها الدول الاستعمارية بالدرجة الأولى، تلك الدول التي بدأت تقرر مصير الكثير من البلدان العربية، بعد انتصارها في الحرب العالمية الأولى.
لم يخْبُ الأمل، ولا التحرك القوميان.. واستعادا، في بداية الأربعينيات من القرن العشرين، حيوية وحركة ونشاطا، وأخذت الشعارات القومية وهجها النسبي، وبدأ الحديث عن الإحياء، والنهضة، والبعث، في ظلال وعي قومي ـ ثقافي ـ تاريخي، وما شاع من صورة زاهية لثورة 1916، وما أضيف إلى أفكارها ومشروعها وزهوها من عمق ووعي، في إطار نضال تحرري ضد الاستعمار، والمشروع الصهيوني في فلسطين، وما انتشر من توجه قومي شامل تقريبا، ساهم في إنضاجه ما واجه ذلك الحلم من تحديات، وما لحق به من دمار، وما حل بالوطن العربي من كوارث، وما تكشّف ضده من تآمر وتواطؤ، يستهدف الأمة العربية وثقافتها وهويتها وعقيدتها وأرضها، بل ووجودها ذاته.. من خلال المشروع الصهيوني على الخصوص، ومن يقف وراءه من الدول الاستعمارية. وكان لحركات ثورية عديدة في مناطق من الوطن العربي، تأثير عربي عام باتجاه ترسيخ الفكر القومي، وحضور التوجه الوحدوي، ومناهضة الاستعمار والمشروع الصهيوني، ومثّل ذلك بدرجة ملحوظة ثورة عز الدين القسام في فلسطين، ورشيد عالي الكيلاني “شباط/فبرايرـ 2 مايو/ أيار 1941″ التي غيرت الكثير في مسار تاريخ العراق، وأشاعت الروح الوطنية، والروح الوحدوية مع الدول العربية، ورسخت مفهوم التخلص من معاهدة 1930 التي تمثل نفوذا بريطانيا وتبعية للتاج البريطاني. كما كان لثورة عزيز المصري “القاهرْلي”، ومقاومة حلف بغداد وإسقاطه، بعد قيام ثورة 23 يولو/ تموز 1952 في مصر بقيادة جمال عبدالناصر، دور مؤثر في التوهج القومي، لا سيما بعد حرب السويس، وقيام الوحدة بين سوريا مصر.
بين عامي 1939ـ 1943 كانت تراود بعض الطلائع العربية أحلام قومية- تحررية – وحدوية، تدفعها إلى تلمس طريق ما، إلى تنظيم ما، لتحقيق: الخلاص من الاستعمار، وتحقيق ما تتطلع إليه من تحرر، وعدالة اجتماعية، وتقدم، وامتلاك قوة تدفع بها العدوان والتآمر المستمرّين عليها.
وأخذت الأحداث تُنضج ذلك الفكر، وتدفعه إلى الوجود الفاعل، في أطر وصيغ تنظيمية، تكفل لـه التطور والاستقطاب الجماهيري. ولم يكن ذلك الذي قالت به طلائع مناضلة على طريق الوحدة والحرية، من أهداف وأفكار، مجلوبا إلى أرض العرب، ولا تنظيرا أُقحِم على حياتهم “فاستهوى” مناضليهم، ولا نزوات عابرة لثُلَّة من الناس، عاشت حالة من حالات الوهم، أو الحلم، أو التأثر الشديد، بما كان في أوروبا من أفكار وتيارات ومد قومي؛ وإنما كان استلهاما فعليا لما يعتلِج في النفوس، وتلهج به ألسنة الناس، ويعتمل في الوجدان العربي، ويستدعيه الواقع والظروف، وتتطلبه حاجات النهضة والتحرر والبقاء، والتوق إلى العدالة والتقدم، والتخلص من الظلم والقهر.

إلى الأعلى