الجمعة 19 أكتوبر 2018 م - ١٠ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : التحويلات المالية للأيدي العاملة الوافدة وأبعادها على حياة المواطن

في العمق : التحويلات المالية للأيدي العاملة الوافدة وأبعادها على حياة المواطن

د. رجب بن علي العويسي

أشارت إحصائيات مؤخرا صادرة عن البنك المركزي العماني معلنة في تلفزيون سلطنة عمان إلى أن حجم التحويلات المالية للأيدي العاملة الوافدة خارج السلطنة بلغت 7.5 مليار ريال عماني في العامين 2016 و2017، بزيادة عما كانت عليه في الأعوام السابقة لها 2015 (4.226 مليار ريال عمانيا)، وعام 2014 (3.961 مليار ريال عماني)، وفي عام 2013 بلغت (3.501 مليار ريال عماني)، وفي عام 2012(3.109 مليار ريال عماني)، وهي مؤشرات تبرز حجم القلق الذي يمكن أن تسببه التحويلات المالية على الاقتصاد الوطني والحياة المعيشية للمواطن في ظل الظروف الاقتصادية التي تعيشها السلطنة نتيجة انخفاض أسعار النفط، وإن كان يعزى هذا الارتفاع إلى الزيادة المستمرة في أعداد الأيدي العاملة الوافدة، حيث تشير منشورات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى أن إجمالي عدد الوافدين بنهاية مايو من عام 2018م بلغ (2.002.378 مليون وافد) تشكل ما نسبته (46.07%) من عدد السكان، بزيادة عن الفترة نفسها لشهر مايو من عام 2017، حيث يشكّل عدد الوافدين فيها ما نسبته 45.8% من مجموع السكان، في حين شهد عام 2016 أعلى زيادة لها، حيث بلغت (2.081.000)، وقد شهدت أعداد الأيدي العاملة الوافدة تزايدا مستمرا لها في الأعوام السابقة، حيث بلغت في عام 2014(1.732.000) مليون وافد، وفي عام 2015(1.814.000) مليون وافد، وهم يشكلون ما نسبته (87%- 89%) من العاملين في القطاع الخاص، مقابل (13%- 11%) عماني.
وبالتالي تطرح هذه المؤشرات وما تسببه من استنزاف سلبي واستهلاك مباشر لإمكانيات الدولة ومواردها في ظل هذه الظروف التي هي بحاجة فيها إلى توطين هذه الموارد وتدويرها، والاستفادة القصوى منها في الداخل الوطني والحد من خروجها خارج الدولة؛ تساؤلات على الحكومة كمتخذة قرار وطني بإيجاد آليات استراتيجية في التعامل مع هذا الملف عبر جملة من الموجهات، فالزيادة المستمرة في أعداد الأيدي العاملة الوافدة لم يصبح لها ما يبررها في ظل تأثر بعض القطاعات التجارية والاقتصادية، كما أن الأعداد المتزايدة التي باتت تظهرها إحصائيات شرطة عمان السلطانية والتي لم يعد وجودها مبررا لممارسة أنشطة معينة؛ كونها تتجه إلى ممارسات غير مشروعة في ظل عدم قانونية وجودها في أراضي السلطنة، وأصبحت تشكل خطرا على الأمن الاجتماعي الوطني والسلوك العام، خصوصا في ظل ما أشرنا إليه في مقال سابق حول الجرائم ودور الأيدي العاملة الوافدة فيها وما شكلته من نسبة كبيرة في الجرائم وظهور أنماط من الجريمة غير مألوفة في الواقع الاجتماعي الوطني، وهو ما نتج عنه زيادة في نسبة الجرائم، حيث تشير الإحصائيات لعام 2016م إلى أن نسبة الجناة من الوافدين بلغت 52%، يقابله 48% من المواطنين، على أن الأيدي العاملة الوافدة باتت تمارس جرائم معقدة ومقلقة، خصوصا تلك المتعلقة بالسرقة وترويج المخدرات والقتل العمل والخطف وتزوير العملات، وشكلت ما نسبته 51%، كما أن تعدد الأعمال التي تقوم بها هذه الفئة في آن واحد وعدم وجود التخصصية فيها يثير هاجس وجود هذه العمالة الوافدة المستترة والمتسيبة التي باتت تسيء لسمعة السوق المحلي، وتضر بمصالح المواطنين، ولها أبعادها الحاضرة والمستقبلية على حياة المواطن، وباتت المسوغات التي تربط بين زيادة هذه العمالة وحجم التحويلات غير مبررة، وتستدعي عملا وطنيا فاعلا واستراتيجية أداء مقننة ومنظمة وفق أدوات تقرأ السوق المحلي وتشخص الواقع المعيشي للمواطن والملفات التي باتت تلقي بظلالها على التنمية والاقتصاد كالباحثين عن عمل والمخرجات الجامعية المتخصصة، ومسائل الضمان الاجتماعي ورفع الدعم الحكومي عن بعض المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية كالوقود وغيرها، بالشكل الذي يضمن اتخاذ خطوات جادة وقرارات حاسمة لمنع الزيادة غير المبررة لليد العاملة الوافدة.
على أن تأثير هذه الزيادة سواء في الأيدي العاملة الوافدة وما يتبعها من ارتفاع حجم التحويلات المالية على الواقع الاجتماعي والسلوك المعيشي للمواطن يفرض على المواطن نفسه تحولات في سلوكه وقراءته لهذا الملف ودورا أكثر وعي في تقنين الإنفاق والاعتماد على الذات والتركيز على الأولويات، بحيث يعي نتائج عدم التزامه بالمسار الذي وجهت إليه الحكومة في هذا الملف، ويدرك التأثير السلبي الناتج عن الاستقدام غير المبرر للأيدي العاملة الوافدة في غايات أصبحت تكلف المواطن الكثير من الموارد وتستهلك إمكاناته المالية بشكل يومي، حتى أصبحنا نشاهد بعض المواطنين والموظفين في حالة إفلاس تام مع نهاية الربع الأول من الشهر لعدم توفر السيولة المالية لدى الكثيرين منهم، فمع ما يتعلق بالدين البنكي والفواتير الشهرية لشركات الكهرباء والمياه والاتصالات فهناك مصروفات أخرى تتجه للأيدي العاملة الوافدة نظرا لتقديم بعض الأشغال أو الخدمات المنزلية، وعلى الرغم من أن البعض ينظر إلى هذا السلوك في إطاره الاعتيادي إلا أنه بات ينعكس سلبا على حياة المواطن نفسه، فاليد العاملة الوافدة تأخذ مبالغ الأجرة بصورة فورية قبل وبعد انتهاء تنفيذ العمل، في حين يبقى المواطن يعاني من توفر هذه السيولة فيتجه للاستدانة أو غيرها.
ومع ذلك فإن قراءة المواطن لحجم الأرقام الناتجة من التحويلات المالية لهذه الفئات لبلدانها، سوف يشكل مدخلا أمام الحكومة في استثمار ذلك في عمليات التوعية والتثقيف وترسيخ المسؤولية الوطنية المشتركة في العمل معا نحو إعادة آليات التعامل مع هذا الملف، وضمان التقليل من حالة الاستنزاف للموارد والسيولة النقدية، والحد من استقدام الأيدي العاملة الوافدة، ومشاركة المواطن في الحد من الأيدي العاملة المستترة والمتسيبة التي تمارس أشغالا أخرى خارج الاختصاص وإعطائها مبرر التعاطي مع هذه المهن المربحة – فمثلا يلحظ تزايد عدد المشتغلين من اليد العاملة الوافدة غير المصرح لها في مجال التمديدات الكهربائية والمياه للمنازل أو الإنشاءات والمباني، والتي تعمل على الدخول في هذه المهنة عبر التجربة وبدون ترخيص من المؤسسات المختصة، واستحسان الكثير من المواطنين لذلك نظرا لفارق الأسعار، وبالتالي إعادة قراءة الموضوع بشكل أكثر عمقا واتساعا وزيادة الحوار الوطني في توفير بدائل مساندة يمكن أن تلجأ إليها الحكومة في التعاطي مع الموضوع، وتحديد موقع المواطن نفسه كشريك مساهم في رسم خريطة العمل القادمة فيه.
وعليه فإن البحث في معالجات مستدامة لموضوع التحويلات المالية يستدعي مراجعات شاملة لهذا الملف ويفرض على الحكومة نفسها اتخاذ مواقف وقرارات صارمة لا مجال للاستثناء فيها في الحد من استقدام اليد العاملة الوافدة والذي من شأنه أن يقلل من حجم التحويلات المالية الكبيرة، فمع الإجراءات الواسعة التي اتخذتها الحكومة منذ عام 2014 بشأن تشديد القوانين المتعلقة باستقدام اليد العاملة الوافدة، وقرار وزير القوى العاملة بمنع استقدام الأيدي العاملة الوافدة بصفة مؤقتة لمدة ستة أشهر في المنشآت العاملة في قطاعي الإنشاءات والنظافة، ورفع قيمة رسوم الإصدار والتجديد في المأذونيات والتأشيرات والسجلات التجارية وغيرها بهدف خفض أعداد هذه العمالة، وفتح المجال لتوفير فرص عمل للعمانيين في بعض الأنشطة التجارية والقطاعات الإنتاجية، إلا أن الحديث عن هذه الجهود اليوم في ظل استمرار عمليات الارتفاع في الأيدي العاملة الوافدة لتشكل ما نسبته 46% تعكس مساحات القصور والتباينات الحاصلة في عمليات التشخيص والضبطية لهذا الملف وضعف مستوى الاستجابة المتحققة منه من قبل الشركات ومؤسسات القطاع الخاص وانعكاسات ذلك على تعاطي المواطن نفسه معه، ما يعني الحاجة إلى إجراءات أكثر استدامة وواقعية تأخذ كل الظروف والمتغيرات المؤثرة، وتستجيب لكل المعطيات الحاصلة في الواقع المالي والاقتصادي والتجاري، وأن توضع هذه الإحصائيات أمام نقاشات وطنية مستفيضة وحوارات معمقة ترصد موضع الخلل وسبب المشكلة في ظل قراءة المتغيرات والمسببات وتشخيص دقيق لحالة السوق الوطنية ونوع الخدمات التي تقدمها هذه اليد العاملة، وتضع الحكومة والمواطن على حد سواء أمام مسؤولية الالتزام بالضوابط والشروط الوطنية، وتفعيل الإجراءات الرقابية والقانونية والمحاسبية في التعاطي مع أي تجاوزات باتت تفتح ثغرات هذا الملف وتأثيره على منظومة العمل الوطني، وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية في استقدام هذه العمالة وزيادة حملات الرقابة والتفتيش المستمر لهذه الفئات والمهن التي تمارسها وزيادة المسؤولية على الكفيل في حالة استقدم أيدٍ عاملة وافدة لمجرد تسريحها لتقدم له عائدا شهريا.
إننا نعتقد بأن على الحكومة نفسها أن تستغل هذه المؤشرات في إثبات مبرراتها حول منع استقدام الأيدي العاملة الوافدة، وتحميل مؤسسات وشركات ومستثمرين ومواطنين مسؤولية أي انحراف في هذا الشأن، وأن يتجه العمل القادم في الجهات التشريعية والبرلمانية للدولة (مجلس عمان) في تبني مشروعات قوانين تقرأ ملف استقدام الأيدي العاملة الوافدة بصورة معمقة، واتخاذ فترة أمان تمنع فيها الحومة من استقدام الأيدي العاملة لمدة تصل إلى ثلاث سنوات كأقل تقدير لمعالجة الوضع القائم، وإعادة هندسة الممارسة الحاصلة في التعامل مع هذا الملف وتقييم القوى العاملة الوافدة الموجودة حاليا في أرض السلطنة، وأن يمارس الإعلام الوطني دوره في حملات التثقيف والتوعية الوطنية في ظل إحصائيات المالية والجرائم وحالات الغش التي تقوم بها هذه الفئة على الأمن العام ومظاهر الحياة المعيشية والاجتماعية للمواطن، ليحمل المواطن على عاتقه تصحيح أوضاعه وإعادة النظر في ممارساته وضبط سلوك الادخار لديه، فهل سيؤدي الإعلان الرسمي حول التحويلات المالية عن تحولات في سلوك الكثير من المؤسسات والشركات والمواطنين، وتبني خيارات جديدة يقوم بها البنك المركزي في العمل على تداول هذه الأموال والاستفادة منها وطنيا لمواجهة العجز المالي الحكومة والواقع المعيشي للمواطن؟

إلى الأعلى