الأربعاء 14 نوفمبر 2018 م - ٦ ربيع الثاني ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مقامات السالكين إلى رضوان رب العالمين (34)

مقامات السالكين إلى رضوان رب العالمين (34)

لابد لكلِّ مسلم موحّد يؤمن بالله واليوم الآخر من درجة من الرضا
إذا انتقلنا إلى سنّة النبي (صلى الله عليه وسلم) نجد طائفة من الأحاديث عن الرضا: أخبر أن الله يرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها، أخبر أن الله رضي لنا أن نعبده لا نشرك به شيئاً وأن نعتصم بحبله وألا نتفرق، وكره لنا قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال، وأخبر أن رضا الرب في رضا الوالد، وأخبر أن السواك مطهرة للفم ومرضاة للرب، وأخبر أن من التمس رضا الله بسخط الله رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، وأخبر أن ملائكته تلعن المتمردة على زوجها الناشزة عن فراشه حتى يرضى عنها، وأخبر أنه عندما مات ولده لا يقول إلا ما يُرضي الرب، فلما مات إبراهيم جعلت عيناه تذرفان، ثم أتبع الدمعة بدمعةٍ أخرى، وقال:(إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون)، وعلّمنا في السجود في الدعاء (نستعيذ برضا الله من سخطه).
هذا الرضا شأنه عظيم وأمره كبير ومنزلته في الدين عالية .. هذا الرضا عليه مدار أمورٍ كثيرةٍ من الأمور الصالحات، هذا الرضا الذي هو من منازل السائرين والسالكين، ما حكمه؟ هل هو واجبٌ أم مستحبٌ؟! قيل: وأما الرضا فقد تنازع العلماء والمشايخ وغيرهم في الرضا بالقضاء، هل هو واجبٌ أو مستحبٌ على قولين: فعلى الأول يكون من أعمال المقتصدين، وعلى الثاني يكون من أعمال المقرَّبين، والخلاصة: أن أصل الرضا واجب ومنازله العليا مستحبّة.
والرضا له أصلٌ ومراتبٌ أعلى من الأصل، فيجب الرضا من جهة الأصل:(فالذي ليس عنده رضا عن الله والدين والشرع والأحكام فهذا ليس بمسلمٍ).
فلابد لكلِّ مسلمٍ موحّدٍ يؤمن بالله واليوم الآخر من درجةٍ من الرضا، أصل الرضا لابد أن يكون متوفّراً لأنه واجبٌ، فقد قال (صلى الله عليه وسلم):(ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً)، قال تعالى:(فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحَكِّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيتَ ويُسَلِّموا تسليماً)، وهذا هو الرضا (ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ..)، (ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله و كرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم) .. حتى المنهيّات لابد أن نفهم ما معنى الرضا بالمنهيّات؟!.
ولا يُشْرَع الرضا بالمنهيّات طبعاً .. كما لا تُشْرَع محبتها لأن الله لا يرضاها ولا يحبها ..
والله لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر .. وهؤلاء المنافقون يُبَيّتون ما لا يرضى من القول، بل اتبعوا ما أسخط الله و كرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم.
فالرضا الثابت بالنص هو أن يرضى بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ (صلى الله عليه وسلم) نبياً، يرضى بما شرعه الله لعباده من تحريم حرامٍ أو إيجاب واجبٍ أو إباحة مباحٍ، يرضى عن الله سبحانه وتعالى ويرضى عن قضائه وقدره ويحمده على كل حالٍ ويعلم أن ذلك لحكمةٍ، وإن حصل التألم بوقوع المقدور.
فإن قال قائل: لماذا يحمد العبدُ ربَّه على الضراء .. إذا مسّه الضراء؟ .. فالجواب من وجهين:
1 ـ أن تعلم أن الله أحسنَ كل شيءٍ خلَقه وأتقنَه، فأنت راضٍ عما يقع في أفعاله لأن هذا من خلقه الذي خلقه، فالله حكيم لم يفعله إلا لحكمةٍ.
2 ـ أن الله أعلم بما يصلحك وما يصلح لك من نفسك، واختياره لك خيرٌ من اختيارك لنفسك.
قال (صلى الله عليه وسلم):(والذي نفسي بيده لا يقضي الله لمؤمنٍ قضاءً إلا كان خيراً له)، وليس ذلك إلا للمؤمن (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً).
فهذا حديثٌ عظيمٌ، فالمسلم في أذكار الصباح والمساء، وفي أذكار الأذان بعد أشهد أن محمداً رسول الله الثانية يقول:(رضيتُ بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً).
رضا بربوبيته سبحانه ورضا برسوله (صلى الله عليه وسلم) والانقياد والتسليم ولذلك من حصلت له هذه الأمور الأربعة: الرضا بربوبيته وألوهيته سبحانه والرضا برسوله والانقياد له والرضا بدينه والتسليم له فهو الصدِّيق حقاً، وهي سهلةٌ بالدعوى، ولكن ما أصعبها عند الامتحان!.
أما الرضا بالله: فيتضمّن الرضا بمحبته وحده والرضا بعبادته وحده أن تخافه وحده ترجوه وتتبتّل إليه وتتذلل إليه عز وجل وتؤمن بتدبيره وتحب ذلك وتفرده بالتوكل عليه والاستعانة به وتكون راضياً عما يفعل عز وجل فهذا رضا بالله.
ترضى بما قدّر وحكم .. حَكَم أن الزنا حرامٌ ، وأن الربا حرامٌ، وأن بر الوالدين واجبٌ، وأن الزكاة فرضٌ، فيجب أن ترضى بحكمه، وقدّر عليك أشياء من فقرٍ، وضيق حالٍ، فيجب أن ترضى.
الرضا بمحمدٍ (صلى الله عليه وسلم) نبياً: أن تؤمن به وتنقاد له وتستسلم لأمره ويكون أولى بك من نفسك، وأنه لو كان موجوداً (صلى الله عليه وسلم) ووجِّهَ إليه سهمٌ وجب عليك أن تتلقاه عنه وأن تفتديه بنفسك، وأن تموت فداءً له، وترضى بسنّته فلا تتحاكم إلا إليها .. ترضى بسنّته فلا ترجع إلا إليها ولا تُحَكِّم إلا هي.
الرضا بالإسلام ديناً: فما في الإسلام من حكمٍ أو أمرٍ أو نهيٍ فإنك ترضى عنه تماماً وليس في نفسك أيّ حرجٍ وتُسَلِّم تسليماً كاملاً لذلك ولو خالف هواك ولو كان أكثر الناس على خلافه ولو كنتَ في غربةٍ ولو كانت عليك الأعداء مجتمعون فيجب أن ترضى بأحكام الدين وتسعى لتنفيذها وإن خالفتَ العالم.
سؤال: الرضا هل هو شيءٌ موهبيٌّ أم كسبيٌّ؟ أي: هل يُوهَبُ من الله أم يمكن للعبد تحصيله؟ هل هو فطريٌّ أم العبد يُحَصِّل هذا بالمجاهدة ورياضة النفس إذا روَّض نفسه؟!.
الرضا كسبيٌّ باعتبار سببه، وموهبيٌّ باعتبار حقيقته .. فإذا تمكن العبد في أسباب الرضا وغرس شجرة الرضا في قلبه جنى الثمرة .. لأن الرضا آخر التوكل .. بعدما يعجز التوكل يأتي الرضا .. والذي ترسخ قدمه في طريق التوكل ينال الرضا .. لأن بعد التوكل والتسليم والتفويض يحصُل الرضا، وبدونها لا يحصل الرضا، ولذلك لو قال أحدهم: نريد تحصيل الرضا، نقول له: يجب أن يكون لديك توكلٌ صحيحٌ وتسليمٌ وتفويضٌ ثم ينتج الرضا بعد ذلك .. ولذلك لم يُوجِب الله على عباده المنازل العالية من الرضا لأن ذلك شيءٌ صعبٌ جداً، وأكثر النفوس ربما لا يحصُل لها ذلك، فالله ندب إليه ولم يوجبه (ليس أساس الرضا وإنما ما فوق ذلك).
فإذا حصل للعبد شيءٌ فإنه لابد أن يكون محفوفاً بنوعيه من الرضا: رضا قبله، ورضا بعده .. وكذلك الرضا من الله عز وجل عن العبد إنما هو ثمرة رضا العبد عن الرب سبحانه، فإذا رضيتَ عن الله رضي الله عنك.
والرضا باب الله الأعظم وجَنة الدنيا ومُسْتَراح العارفين وحياة المحبين ونعيم العابدين وهو من أعظم أعمال القلوب .. قال يحيى بن معاذ لما سئل: متى يبلغ العبد إلى مقام الرضا؟ قال: إذا أقام نفسه على أربعةِ أصولٍ يُعامِل بها ربه .. يقول: إن أعطيتني قبلتُ، وإن منعتني رضيتُ، وإن تركتني عبدتُ، وإن دعوتني أجبتُ.
والرضا إذا باشر القلب فإنه يدل على صحة العلم وليس الرضا والمحبة كالرجاء والخوف، فمن الفروق أن أهل الجنة مثلاً لا يخافون في الجنة ولا يرجون مثل رجاء الدنيا .. لكن لا يفارقهم الرضا أبداً .. فإن دخلوا الجنة فارقهم الخوف (لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون) .. في الدنيا هناك خوف .. إذا دخلوا الجنة زال الخوف .. أما الرضا فلا يزول .. خارج الجنة وداخلها .. الرضا موجودٌ.
الخوف والرجاء في الدنيا ليس موجوداً عند أهل الجنة يفارقون العبد في أحوال .. أما الرضا فلا يفارق العبد لا في الدنيا ولا في البرزخ ولا في الآخرة ولا في الجنة، ينقطع عنهم الخوف ؛ لأن الشيء الذي كانوا يخافونه أمِنوه بدخولهم الجنة، وأما الشيء الذي كانوا يرجونه فقد حصل لهم، أما الرضا فإنه لا يزال معهم وإن دخلوا الجنة : معيشتهم راضيةٌ وهم راضون، ورضوا عن الله، وراضون بثوابه وما آتاهم في دار السلام.

أحمد محمد خشبة

إلى الأعلى