الأربعاء 15 أغسطس 2018 م - ٤ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة في ندوة:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي)

قراءة في ندوة:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي)

العدالة الدولية من منظور إسلامي (3 ـ 5)

مظاهر العدالة الدولية فى الاسلام كثيرة من أهمها نهي الإسلام عن إنكار العدالة

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(العدالة الدولية من منظور إسلامي).. للدكتـور أحمـد أبو الوفـا ـ أستاذ القانون الدولي العام كليـة الحقـوق بجامعـة القاهـرة.
ويستكمل الباحث بحثه بقوله: وخطب النبي (صلى الله عليه وسلم) يوم الفتح بمكة خطبته التي جاء فيها:(ألا إن كل مأثرة في الجاهلية تذكر وتدعى، من دم أو مال تحت قدمي، إلا ما كان من سقاية الحاج، وسدانة البيت)، ومن الأقوال المأثورة في الفقه الإباضي إنه:(لا يحل لأحد أن يحيي نفسه بظلم غيره)، كما أن من ينتهك الحقوق أو يمتنع عن أدائها يعتبر باغيًا، يقول النزوي:(الباغي جميع من امتنع عن الرجوع إلى شيء من الحق، من حقوق الله، أو حقوق العباد، مما يلزمه في دين الله) وينتقد الكندي الأئمة والحكام الذين:(لا يعرفون حقًا فيتبعونه ولا باطلاً فيجتنبونه).
وحول مظاهر العدالة الدولية فى الاسلام يقول: هذه المظاهر كثيرة، وأهمها:
1 ـ نهى الإسلام عن إنكار العدالة، أولاً ـ في القانون الدولي: في القانون الدولي المعاصر يعد إنكار العدالة من قبل محاكم دولة ما فعلا أو امتناعاً يستوجب المسئولية الدولية للدولة. وهو يكون كذلك إذا كان هناك ظلم واضح ظاهر يقع على رعايا دولة أجنبية، وثانياً ـ في الشريعة الإسلامية: نظراً لأن الإسلام هو دين العدل، إذ بالحق (أنزلناه وبالحق نزل)، فمن الطبيعي أن يحارب إنكار العدالة، فقد سبق الحديث عن رفض الظلم وتحبيذ العدل، ويبدو ذلك واضحاً مما قاله الإمام السيوطي إن العدالة ضرورية: لصون الأحكام، ولحفظ دماء الناس وأموالهم وأبضاعهم وأعراضهم عن الضياع.
وقد ذكر أئمة المسلمين ما يدل على معرفتهم للأسباب التي يترتب عليها إنكار العدالة. فقد قال الشافعي:(.. ولو ظهر أهل العدل على أهل البغي لم يرد من قضاء قاضي أهل البغي إلا ما يرد من قضاء القضاة غيره وذلك خلاف الكتاب أو السنة أو إجماع الناس أو ما هو في معنى هذا أو عمد الحيف برد شهادة أهل العدل في الحين الذي يردها فيه أو إجازة شهادة غير العدل في الحين الذي يجيزها فيه).
ومن ذلك أن عمر بن الخطاب كتب إلى معاوية كتاباً في القضاء قال فيه:(إذا تقدم إليك الخصمان فعليك بالبينة العادلة أو اليمين القاطعة وإدناء الضعيف حتى يشتد قلبه، وينبسط لسانه، وتعاهد القريب فإنك إن لم تتعاهده ترك حقه ورجع إلى أهله، وإنما ضيع حقه من لم يرفق به، وآس بين الناس في لحظك وطرفك، وعليك بالصلح بين الناس ما لم يتبين لك فصل القضاء).
2 ـ أداء الحق واجب ولو لغير المسلم: ميزان العدل في الإسلام واحد ومعياره وحيد، لذا يجب على من عليه حق (كأمانة أو دين) أن يؤديها، حتى ولو كان صاحبها من غير المسلمين.
وقد أخذ الفقه الإباضي أيضاً بذلك بل ان أداء الحق واجب ولو وقت الحرب ذلك أن حتمية الجهاد لا تمنع من إرجاع الحقوق إلى أصحابها، وردها إلى نصابها : فإذا حتم الجهاد أخذ أموال الناس وأسلحتهم، فيجب ردها إن كانت موجودة أو دفع ثمنها إن كانت قد تلفت.
وهكذا جاء في (بيان الشرع) مسألة: وللمسلمين إذا أرادوا الخروج إلى عدوهم أن يسخروا دواب الناس والسلاح وما تلف في أيديهم فإن كان لهم إمام كان ما تلف منه في بيت مال المسلمين وإن لم يكن لهم إمام كان ثمنه في صلب أموالهم.
مسألة: ومن سيرة محمد بن محبوب رحمه الله وأجازوا أيضاً أخذ السلاح والخيل والكراع ما دامت الحرب قائمة فإذا وضعت الحرب أوزارها ردوه إلى أهله فما تلف منه غرموه وإذا سلم ردوه إلى أهله من غير الكتاب».
3 ـ احترام الحقوق المالية لغير المسلمين:
مظاهر ذلك كثيرة، يكفى أن نذكرمنها: عدم المساس بأموال غير المسلمين بدون وجه حق: فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(من ظلم معاهداً أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفسه فأنا حجيجه يوم القيامة)، وعن أبي ثعلبة الخشني ـ رضي الله عنه ـ أن ناساً من اليهود يوم خيبر جاءوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعد تمام العهود فقالوا: إن حظائر لنا وقع فيها أصحابك فأخذوا منها بقلاً أو ثوماً، فأمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه فنادي في الناس: إن رسول الله يقول: لا أحل لكم شيئاً من أموال المعاهدين إلا بحق، ويقول الإمام النزوي:(وجميع مال أهل الشرك وغيرهم، إذا لم يكون حربا، لم يحل من أموالهم شيء ولا سبي ذراريهم)، ويقول أطفيش: إنه لا يجوز أخذ أموالهم (بغير حق، ولو خفية)، كذلك فقد وصل احترام السنة النبوية المشرفة لأموال غير المسلمين حد أن قال (صلى الله عليه وسلم) إنه لا تحل اللقطة من مال معاهد إلا أن يستغنى عنها.
4 ـ العدالة تجاه غير المسلمين تحتم تطبيق قاعدة:(لا عقاب على الأفعال المباحة في دينهم): يعتبر ذلك تطبيقاً لقاعدة (أمرنا أن نتركهم وما يدينون)، وقاعدة (لكم دينكم ولي دين)، يقول النزوي: وإذا أصاب أهل الذمة حدوداً، أقامها عليهم بظاهر الأدلة، قال أصحابنا: يحكم الإمام عليهم فيها، بما عنده، من حكم الله، مما هم يحرمونه في دينـهم، وجاء في منهج الطالبين:(وإذا زنا المجوسي ورفع ذلك إلى حكام المسلمين حكموا عليه بما أنزل الله)، وإنما يهدر عنه حكم ما ركبوه على الدينونة منهم بركوبه، مثل تزويجهم الأمهات والبنات والأخوات على الدينونة منهم به، وهكذا فإن الأفعال المحرمة في دينهم، كالسرقة والقتل والزنا، يعاقبون على ارتكابها. أما تلك التي يعتقدون حلها: كشرب الخمر، أو أكل لحم الخنزير فلا عقاب عليها لأنهم يعتقدون أنها حلال لهم.
وقد راسل الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز الحسن البصري يسأله: ما بال الخلفاء الراشدين تركوا أهل الذمة وما هم عليه من نكاح المحارم، واقتناء الخمور والخنازير فكتب إليه: إنما يذلوا الجزية ليتركوا وما يعتقدون، وإنما أنت متبع ولست بمبتدع والسلام.
والعلة في عدم معاقبة غير المسلم على ما ارتكبه مما هو يستحله في دينه تكمن في: أننا أمرنا (أن نتركهم وما يدينون)، وأن ذلك ـ ما دام حلالًا في دينهم ـ يعني انهيار الركن المعنوي للجريمة لعدم توافر قصد ارتكاب الجرم، بل ـ بالعكس ـ الاعتقاد في إباحته وفقاً لمعتقداتهم.
في هذا المعنى يقول الكندي بخصوص المجوس: وإنما يهدم عنهم حكم ما ركبوه على الدينونة منهم بركوبه، مثل تزويجهم للأمهات والبنات والأخوات على الدينونة منهم به. وكذلك لو علم أن الزنا حلال في أصل ما دانوا به لو وضع عنهم الحكم فيه لأنهم إنما أخذت جزيتهم، وحقنت دماؤهم على أن يتركوا وما دانوا به، كذلك قيل: ولا يقام على مشركي العرب حد الزنا لأنهم لا يدينون بتحريمه.
5 ـ مراعاة العدالة حتى فى حالة نقض العهد من جانب الطرف الآخر: اذا ارتبطت الدولة الاسلامية بمعاهدة دولية، وارتكب الطرف الآخر ما يشكل نقضا لها، فان ذلك لا يعنى اطلاق العنان لها فى رد الفعل، اذ عليها أن تضع دائما نصب أعينها العدالة فى رد الفعل.
.. وللحديث بقية الاسبوع القادم.

إلى الأعلى