الإثنين 24 سبتمبر 2018 م - ١٤ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في النفـس (10)
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين، وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمين، وعـلى آلـه وأصـاحـبه أجـمعـين ، وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الـحـيث مـوصـولاً عـن الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في الـنـفـس: أو كالـذي يـقـول: حـينه يـنـظـر إلى المـرآة: إنني لا أجـد مـظهـرا لأحـد فـيه، ولا أبـصر فـيها إلا ذاتها وطـبيـعـتـها.
إن هـذا الـذي حـاله كـذلك يعـاني مـن أحـد شـئيـن: إما مـن عـين لا يـبـصـر بـها حـقـيـقة الإبـصار أو مـن كـبـر قـد وقـر في قـلـبه شـيء يخـالـف الحـقـيـقـة، فـزج به عـنـاده إلى ذلك، غـير مـفـكـر إلى مـا يـصـل ذلك آخـر الـمـطـاف، وإنـما اعـتقـد أن ذلك هـو الحـق الـذي لا مـرية فـيه.
ولـيـس في الـعـقـلاء مـن يسـمـع كـلاما ثـم لا يـؤمـن بـوجـود مـتـكـلم، أو يشـم عـبـقا يـفـوح ثـم لا يـؤمـن بـوجـود ورد أو زهــر، أو يـقـرأ خـطـا نقـش عـلى ورق ثـم لا يـؤمـن بــوجـود كاتـب كـتب تـلك الأوراق، فـهـذه مـن الـبـديـهـيات، الـمسـلم بـهـا بحـيث لا تحـتاج إلى نـقـاش لـتصـل بـصاحـبها إلى الـحـقـيـقة الـتى مـرية فـيها.
فإن قال لـك هـذا الـقـائـل، فـهـلّا بـصرتني بالله ذاته في هـذا الـذي تنـسـبه إلـيه مـن جـمـيـل صـنـعـته، أو بـصـرتني بـصـفـاته ذاتها مـن الـعـلـم أو الحـكـمة أو الـقـدرة، بـدلا مـن آثـارها التي تـزعـم أنها بـارزة في صـنـعـه فـقـل له: لـو ظـهـر لك في شيء مـن صـفـاته، لاضـمـحـلت مـنـك كـيـنـونـتـك الـضـعـيفـة هـذه ولـغـبت عـن وجـودك الـذي هـو أثــر مـن آثـار وجـوده سـبحانه وتعـالى.
أما تـفـصـيـل الـقـول في ذلك، فـهـو أن الله تعـالى قـد قـضى، أن يـكـون وجـوده خـفـيـاً وباطـناً عـن الأعــين مـن حـيث ذاته وصـفاته، وأن يـكـون ظـاهـرا جـلـيا مـن حـيث آثـاره الـدالـة عـلى وجـوده، وإن مـن أسـماء الله الحـسنى الـظاهــر والـباطــن.
وفي كـتاب الله تعالى تقــديـر لاسـمـيه الـظـاهـر والـباطـن، وفـيه بـيان مفـصـل لـمـعـنى الـظهـور ومـصـداق دلائـله في الكـون كله، كـما أن فـيه بـياناً مـفـصلاً لـمـعـنى كـونه باطـنـاً، ومـصـداق ذلك والحـكـمة مـنه في هـذه الحـياة الـدنـيا.
تـأمـل في الآيـات التي يحــدثـك الله فـيها عـن بــديـع صـنـعـه، في سـورة الـنحـل أو في ســورة الأنـعـام مـثـلاً، تجــد كـيـف ينـبهـك الله تعالى مـن خـلالـها إلى الآثـار الجـلـية، التي يتــبــدى فـيها باهـر صـفاته، مـن عـلـم وحـكـمة ورحـمة وقـدرة.
ألا تـرى إلى قـوله تعـالى:(فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللَّـهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الـروم ـ 50)، كـيـف نـبهـك إلى كل مـا أثـرى صـفـة الـرحـمة ، وأثـرى صـفـة الـقــدرة في ذاته الـعـلـية ؟.
ألا تـرى إلى قــوله تعالى:(اللَّـهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) (الـروم ـ 54)، كـيـف ينـبهـك إلى كل مـا أثـرى صـفـة الـعـلـم والـقـدرة في ذاته عـز وجـل.
ثـم ألـم تقـرأ بـتـدبـر الآيـات الكـثـيرة في سـورة الـنحـل، والتي تـبـدأ بقـوله تعالى:(وَاللَّـهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) (الـنحـل ـ 65)، كـيـف يــبرز الله لك مـن خـلالها آثـار صـفـاته الـكـثـيرة الـعـظـيـمة في الكـون، مـن الـعـلـم والـرحـمة والحـكـمة والتـدبـير والـقـدرة.
فـهـذه الآيـات وأمـثالها فـيها مصـداق اسـمه تعالى، وإنـما ظـهـوره فـيها مـن حـيث الآثـار التي تـتـبـدى لأصـحاب الـعـقـول أصـحاب ذوي الألـباب لـصفـاته التي هـي مضـمـون أسـمـائه الحسـنى.
وأما بـيان الـقـرآن الكـريـم لـمعـنى كــونه باطـناً، وللحـكـمة مـن ذلك فـتـقـرؤه في سـائـر الآيات ، التي يــدعـو الله تعالى فـيها عـبـاده إلى الإيـمان بالـغـيب، أي إلى أن يـؤمـنـوا بـوجـود ذاته العـلـية، وكل ما أخـبر به مما لـم يـولـد مـن غـيـبه بـعـد ، عـلى الـرغـم مـن أنه سـبحانه وتعالى غـائـب عـن أعـينـهـم وحـواسـهـم.
وتقـف عـلى بـيان الحـكـمة مـن ذلك، أي الحـكـمة مـن أن الله تعالى قـضى ألا يـرى بالأبـصار، وذلك طـبـقا لـقـرارة الـقائـل:(لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الأنعـام ـ 103)، في قـوله عـزوجـل حكاية عـن خـطابه لـلـنبي مـوسى (عـلـيه الـسلام)، وفي جـواب الله تعالى لـمـوسى لـما سـأله أن يـريه ذاته العـلـية.
فـقـد قال له:(لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ..) (الأعـراف ـ 143)، ثـم قال تعالى:(فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) (الأعـراف ـ 143).
عـلـماً بأن النـبي مـوسى (عـليه الـسـلام)، سـال الله تعالى ذلك اسـتـناداً إلى قـول قـومـه بـني إسـرائـيـل، قال تعالى:(وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّـهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) (الـبـقـرة 54 ـ 55).
فـما الـذي اتصح لـنا مـن خـلال هـذا الـبـيان الإلـهي الـذي يخـاطـبنا الله بـه حـكاية عـن الحـوار الـذي جـرى بـينه وبـين كـلـيمه سـيـدنا مـوسى (عـليه الـسلام)؟ واتضـح لـنا أن مصـداق اسـمه (الـظـاهـر) إنـما هـو بالـنـسبة للـعـقـول والألـباب وأن مصـداق اسـمه (الـباطـن) إنـما هـو للأبـصـار وســائـر الحـواس.
.. وللحـديث بـقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى