الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / بين داعش وإسرائيل

بين داعش وإسرائيل

د. فايز رشيد

” إمعانا في الغيّ وفي تنفيذ المخططات التقسيمية والتفتيتية للدول العربية, مدّ داعش نشاطاته التخريبية إلى الحدود السورية – اللبنانية, استولى مقاتلوه على بلدة عرسال اللبنانية, قتل من مدنييها ومن جيش لبنان, العديدين, وأسر منهم ومن الشرطة اللبنانية, الكثيرين. هذا بالطبع إلى جانب تشريد الآلاف من المدنيين الآمنين. داعش افترض في اللبنانيين العرب والمسلمين, أعداء ونسي المذابح والمجازر الصهيونية ضد الفلسطينيين العرب والمسلمين أيضا!.”
ـــــــــــــــ

منذ اللحظة الأولى لبدء العدوان الصهيوني على غزة, كان من المفترض في التنظيمات التي تطلق على أسمائها وصف ” الجهادية ” كداعش والنصرة وغيرهما, أن تترك معاركها التي تشنها ظلما وعدوانا على جبهات ودول عربية كثيرة, وتوجه كل أسلحتها إلى العدو الصهيوني, فوفقا للدين الإسلامي الحنيف: فإن الجهاد ضد إسرائيل هو الاهم والأولى, فهو الغاصب للأرض الإسلامية وهي القاتل للبشر والمدنيين والأطفال الفلسطينيين وهادم البيوت وهو العدو الرئيسي للإسلام!. ولكن فإن كافة هذه التنظيمات وبدلا من الجهاد الأكبر المفترض أن تخوضه ضد عدو الدنيا والدين, واصلت مخططاتها التخريبية في العراق وسوريا واليمن وليبيا وتونس وغيرها, فـ (تحرير) الموصل ونبنوى ودمشق وعرسال أولى من تحرير بيت المقدس والمسجد الاقصى المهدد بالانهيار والمتعرض في كل يوم لهجمات المستوطنين واعتداءاتهم.
إمعانا في الغيّ وفي تنفيذ المخططات التقسيمية والتفتيتية للدول العربية, مدّ داعش نشاطاته التخريبية إلى الحدود السورية – اللبنانية, استولى مقاتلوه على بلدة عرسال اللبنانية, قتل من مدنييها ومن جيش لبنان, العديدين, وأسر منهم ومن الشرطة اللبنانية, الكثيرين. هذا بالطبع إلى جانب تشريد الآلاف من المدنيين الآمنين. داعش افترض في اللبنانيين العرب والمسلمين, أعداءا ونسي المذابح والمجازر الصهيونية ضد الفلسطينيين العرب والمسلمين أيضا!.
داعش استمر في تخريبه للعراق وتدمير نسيجه الشعبي من خلال: إثارة الصراعات المذهبية والطائفية والإثنية فيه, في الوقت الذي عاش فيه المجتمع العراقي كما المجتمعات في باقي الدول العربية قرونا طويلة من الوئام الطائفي والسلام بين المذاهب والطوائف والاديان والإثنيات. لا فرق بين مسلم ومسيحي وبين سني وشيعي وبين عربي وآشوري, الكل سواسية في دولتهم, فالدين لله والوطن للجميع, فالاقرب والأكرم لله جل شانه” أتقاكم”. إن أحد أخطر المخططات التي تنفذها داعش وأخواتها من التنظيمات الأصولية المتطرفة هو, تدمير التعايش الإسلامي – المسيحي من خلال حرق الكنائس في العراق وغيرها, واللعب على الوتر الطائفي والطرد من البيوت وغيرها من الأساليب الإرهابية. هذا المخطط سعت وما تزال تسعى إليه: أميركا وحليفتها الصهيونية.
وللدلالة على صحة ما أقول, أورد وبالأرقام بعض الحقائق ( فالمجال لا يتسع في مقالة صحفية قصيرة, إيراد الكثير من الارقام) ففي إحصائية مهمة, كان عدد المسيحيين في العراق عند بدء الغزو الأميركي للعراق واحتلاله في عام 2003, حوالي مليون و200 ألف. بعد السنة الأولى من الإحتلال, أصبح عددهم 400 ألف فقط. معروف للجميع كيف قامت الولايات المتحدة بتسهيل هجرة المسيحيين من العراق ومن الدول العربية الأخرى, إليها وإلى الدول الاوروبية والغربية الأخرى من خلال التنسيق بينها وبين تلك الدول, وساعدت على اغتيال العلماء والكفاءات العراقية في مختلف التخصصات, وبخاصة العلمية من أجل إعادة العراق كما صرّح الرئيس بوش الإبن آنذاك: إلى العصر الحجري!.
هذا ما تمارسه داعش وزميلاتها في سوريا في المناطق التي تمكنت من السيطرة عليها, والكل يعرف هذا ويدركه, وداعش تؤكده في بياناتها الصادرة عنها وفي تصريحات قادتها على الفضائيات, فهم يجاهرون بذلك علنا وعلى رؤوس الاشهاد. على صعيد آخر: اتخذت القيادات الإسرائيلية قرارا منذ عدة أشهر, فحواه: العمل على استقطاب المسيحيين العرب إلى إسرائيل. فهم وفقا لوجهة النظر الإسرائيلية يعيشون اضطهادا, ومهددون. داعش وزميلاتها يمارسون نفس الدور ويكملّوه. وقد كتبنا عن هذا الأمر في حينه على صفحات “الوطن ” العزيزة.
المسيحيون العرب هم مكون رئيسي من مكونات أمتنا العربية الواحدة من المحيط إلى الخليج. لعبوا تاريخيا وما يزالوا يلعبوا دورا رئيسيا في كل حقبات التنوير والتطور والنهضة العربية في مختلف المجالات وعلى كافة الأصعدة. لعبوا وما يزالوا دورا في كل معارك التحرر الوطني العربية, وفي قيادة العديد من فصائل المقاومة العربية. المسيحيون العرب هم حاجة وطنية وقومية عربية. وهم جزء اساسي ومكون رئيسي من الشخصية العربية. وقفوا ولا يزالوا مثل كل باقي مكونات الشعوب العربية, في خنادق الامة العربية في الدفاع عن وجهها الحضاري, الوطني, التحرري, وشاركوا ويشاركوا في مواجهة كل مخططات التآمر والتمزيق والتفتيت التي استهدفتها على مدى التاريخ وما تزال تستهدفه: غربية كانت أو صهيونية, وبغض النظر عن وحدة الإنتماء الديني مع البعض من أصحاب هذه المخططات.
داعش والنصرة وزميلاتهما: يمثلون الوجه الآخر لإسرائيل وحلفائها الغربيين وكل الدوائر المتآمرة على وطننا العربي وبخاصة على القضية الفلسطينية. إن اية هزيمة لإسرائيل ولمخططات هذه الدوائر الإستعمارية, مشابهة تماما للهزيمة لداعش وأخواته, من حيث النتائج, ومن حيث إفشال كافة هذه المخططات, المتشابهة والمكملة بعضها للآخر, فهي في النهاية جميعا : أوجه متعددة لعملة واحدة.

إلى الأعلى