الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / المسرح الوطني الفلسطيني في القدس يناقش رواية “جنين 2002″

المسرح الوطني الفلسطيني في القدس يناقش رواية “جنين 2002″

في ندوة اليوم السابع الثقافية
القدس- الوطن
ناقشت ندوة اليوم السابع الثقافية في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس رواية “جنين 2002″ للروائي أنور حامد الصادرة عام 2014 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، وعن مكتبة كل شيء في حيفا، وتقع في 211 صفحة من الحجم المتوسط.

طرح جريء
بدأ النقاش ابراهيم جوهر فقال: سيثير الروائي (أنور حامد) نقاشا قصده في ساحة المواجهة والاشتباك والمفاهيم المتداخلة في المناطق الرمادية بطرحه الجريء في روايته الأخيرة (جنين 2002).
اعتمد الكاتب في روايته أسلوب اليوميات حيلة فنية ذكية للتشويق الفني وتخطّي برودة السرد والتقرير الصحفي الجامد لمخيم شهد مجزرة حقيقية من جهة وبطولة صمود وتصد فردية وصلت حدّ الإعجاب والإبهار، من جهة ثانية.
يتناول الكاتب شخصية جندي إسرائيلي اشترك في حصار المخيم وقام بالمهمات العسكرية التي وجهها إليه مسؤولوه العسكريون لكن دفتر يوميات مكتوبة بلغة لا يعرف قراءتها وجثثا ومربى المشمش في مطبخ العائلة المنكوبة شكّل عنده حالة من التفكير والمراجعة والأسئلة التي تقوده إلى العودة صديقا برفقة (جوليانو خميس) إلى المخيم الذي يستقبله أهله بطيبة وكرم ليواصل قناعته بأن هؤلاء بشر عاديون مسالمون يعشقون الحياة ويدفنون شهداءهم ويواصلون حياتهم.
يصاب الرجل بصحوة ضمير تعذبه حتى ينتحر أخيرا لأن أفكاره لم تجد من يتقبلها في مجتمعه انطلاقا من منزل أبيه وأمه.
الرواية تقوم على إثارة الجانب الإنساني لدى الطرف القاتل وتشير إلى ضرورة مراجعة الذات بعيدا عن التعبئة التحريضية التي تشيطن الآخر و(تؤرهبه). وفي المقابل فإنها تطرح أسئلة لا تقل أهمية على الجانب الفلسطيني، وتنتقد مسلكيات اجتماعية وسياسية لدى التنظيمات الفلسطينية، وكأنها تشير إلى حالة عبثية من المواجهة ، وإلى غبش يغطي الرؤية والرؤيا للجانبين.
يقول الجندي التائب بعد عودته إلى المخيم: كانت تكتب يومياتها وأنا كنت أطلق الرصاص على كل شيء يتحرك. الأمر الذي يعذبه في مقارنة بين الفعلين؛ الكتابة والقتل.
الرواية هنا ليست العمل الأدبي الأول الذي يشير إلى الجانب الإنساني لدى الطرف الآخر لكنها الأكثر جرأة ربما.
إنها رواية البحث عن الذات؛ شخصياتها تبحث عن ذاتها الإنسانية بالحب والحياة والإنجاز، وتنتقد واقعها المحيط بطموحاتها.

الجانب الانساني في رواية جنين 2002
وقال جميل السلحوت: عنوان الرواية “جنين 2002″ قد يشكل لغزا للقارئ العربيّ، لكنّه يفتح جراحا للفلسطينيّ الذي يقيم على ترابه الوطنيّ، حيث تعيده الى ذلك العام 2002 الذي اجتاحت فيه القوّات الاسرائيليّة، مدن وبلدات الضّفّة الغربيّة، بما فيها المناطق الخاضعة للسّلطة الفلسطينيّة، والمصنّفة بمناطق “أ” حسب اتفاقات أوسلو، وما صاحب ذلك من تدمير مريع، وقتل وجرح آلاف المدنيّين الفلسطينيّين، خصوصا حصار وتدمير مخيّم جنين.

الإهداء
يهدي الكاتب روايته هذه ” الى ذكرى جوليانو مير خميس، ومخيّم جنين الذي أحبّه حتى الموت” وجوليانو هذا هو ابن المناضلة الشّيوعيّة آرنا مير، المناصرة لحقوق الشّعب الفلسطينيّ، وابن المناضل الفلسطينيّ صليبا خميس، أحد قياديّي الحزب الشّيوعيّ الاسرائيلي “راكح”، وأحد أبرز منظّمي يوم الأرض الفلسطيني في 30 مارس 1976.
جوليانو خميس فنّان مثّل في عدد من الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية، وشارك مع والدته وآخرين في تأسيس مسرح “الحرّيّة” في مخيّم جنين لتوفير الفرص للأطفال والشباب في مخيم جنين للاجئين لتطوير مهاراتهم، ومعرفة الذات والثقة واستخدام العملية الإبداعية بوصفها نموذجا للتغيير الاجتماعي، وفي 4 ابريل 2011 اغتاله مقنّعون أمام “مسرح الحرّيّة” في مخيم جنين، ولقي اغتياله استنكارا واسعا في صفوف الشّعب الفلسطينيّ وفي مقدّمتهم السلطة الوطنية الفلسطينية.
ويبدو أنّ الكاتب أراد بشخصيّة جوليانو خميس التي كانت إحدى شخصيّات الرّواية الثانويّة، أن يقول بأنّ الصّراع الفلسطينيّ الاسرائيليّ يحصد ضحاياه دون تمييز بين العدوّ والصّديق، علما أنّ الرّواية انتهت وجوليانو لا يزال على قيد الحياة، ولم ترد عمليّة اغتياله من قريب أو بعيد فيها، ويبدو أنّ ذلك كان مقصودا من الكاتب؛ دلالة على استمرار الصّراع، وما يتبعه من استمرار سقوط ضحايا أبرياء.

البناء الرّوائي
اعتمد الكاتب في بنائه الرّوائي على المذكّرات، ليترك كلّ شخصيّة تتحدّث عن نفسها بنفسها، تروي يوميّاتها، وانفعالاتها، ومواقفها بلسانها، وهو أسلوب ناجح بالتّأكيد.

الحياديّة
لقارئ للرّواية سيجد نفسه أمام أديب محايد في تقديم شخوص روايته، ويبدو أنّ حياة الكاتب في أوروبا قد تركت بصماتها الثقافية عليه، فمع أنّه فلسطينيّ مولود في عنبتا ومتأثّر بالصّراع بشكل وآخر، إلّا أنّه كان محايدا في طرح القضيّة، وفي رسم شخوص روايته، فديفيد اشكنازي أحد شخوص الرّواية اسرائيليّ، خدم في الجيش الاسرائيليّ، وشارك في حصار مخيّم جنين واقتحامه، وقاتل فيه، مع أنّه كان لديه تساؤلات عن عدالة هذه الحروب، وغير مقتنع بسياسة حكومته، ومتعاطف مع ضحايا الاحتلال الفلسطينيّين، لكنه وجد نفسه متورّطا في هذه الحرب، وعاش تناقضات مع قناعاته، ومع ما تربّى عليه في بيئته ومدرسته وعلاقاته الاجتماعية في الوسط الذي يعيش فيه، لذا فإنّه أراد التّكفير عن مشاركته في اقتحام مخيّم جنين، فشارك مع صديقه جوليانو خميس في العودة الى المخيّم، لبناء مسرح الحرّيّة، ولمّا عاد الى بيته رفضه والده، فخرج من البيت، واتصل بصديقته التي رفضته هي الأخرى، ولم يجد ملاذا غير البحر، حيث وُجِد جثّة هامدة على الشّاطئ.
وفي الجانب الآخر كانت أريج الشّايب ابنة السبعة عشر عاما التي تعيش في مخيّم جنين، والتي سافر والداها وإخوتها إلى عمّان قبل اقتحام المخيّم، وبقيت مع جدّتها، وأثناء الاقتحام قتلت الجدّة، وعاشت أريج عذاباتها ووحدتها القاتلة وسط الرّعب وأصوات الرّصاص والقذائف، وكانت شاهدة على ذلك، بما فيه مقتل شقيقها وحبيبها ابن الجيران، وعدد من شباب المخيّم.
وتأكيدا من الكاتب على أنّ الصّراع يفرض نفسه على طرفيه المتصارعين فقد جاءت شخصيّة عارف وحيد والدته، وجار أريج الذي أحبّته، فلم يستطع العيش محايدا، فقد استدعته مخابرات الاحتلال وعذّبته بتهمة الاشتراك في المقاومة، وتعاملت التنظيمات الفلسطينيّة معه كعميل للاحتلال وأهانوه واعتدوا عليه، وعند اجتياح المخيّم وجد نفسه منخرطا في المقاومة ليسقط هو الآخر شهيدا.

فكرة
يقول عبدالله دعيس: للأماكن والأزمان ذاكرة لا تنسى في وجدان الشعب الفلسطيني، فكل بقعة من فلسطين، شهدت مجزرة، وكل ركن منها وقف شاهدا على تضحية وبطولة وفداء، وكل عام مضى منذ حط غراب الاحتلال على أيك بلادنا، نقش في ذاكرة التاريخ أحداث مجزرة لهذا العدو الذي بنى كيانا وتاريخا على دماء وأشلاء ضحاياه، كيف لا! وهذا هو ديدن يهود وعقيدتهم التي يتعبدون بها. وإن كان أنور حامد قد اختار جنين، واختار عام 2002، فقد أشار إلى إحدى هذه المذابح التي حفرت في ذاكرة ووجدان الشعب الفلسطيني.
وفي كل مجزرة يبرز الألم والمعاناة، وكذلك البطولة والتضحية. فمن رحم المعاناة تخرج البطولة شامخة رافعة رأسها تناضل هذا العدو الغاشم. فعندما نسطر معاناة الأهل، نبرز أيضا تضحياتهم وبطولاتهم. فهذا العدو الذي ما فتئ يستجدي عطف العالم على ضحايا محرقة ربما حدثت هناك بعيدا جدا عن فلسطين، يصر على أن يصنع في كل يوم مذبحة جديدة تغذي سوداويته وحقده ونفسية أبنائه المريضة. فإذا كان البشر يشتركون في معاني الإنسانية ويجمعهم شعور مشترك، فإن الصهاينة فقدوا كل هذه المعاني وتجردوا منها.
شاء الله أن أقرأ رواية جنين 2002 خلال العدوان على غزة في عام 2014، فرأيت أن العدو يزداد في كل عام ضراوة وغطرسة، أما المجاهد الفلسطيني فيزداد عزما وإصرارا على تحرير أرضه. نظرت إلى الثكالى والشهداء والجرحى في غزة، فلم استطع أبدا أن اتقمّص شخصية ديفد الجندي الصهيوني، الذي هو بطل الرواية، وأعيش معاناته.
أمعنت النظر في شهداء غزة 2014 فوجدت أريج، تلك الفتاة التي هي محور رواية أنور حامد – جنين 2002. وجدتها في كل بيت وكل زقاق وكل حارة وكل مخيم في غزة. رأيت أريج التي استشهدت في اجتياح مخيم جنين عام 2002، يستنسخ عنها كثير من الفتيات والفتيان والأطفال والنساء الذين عانوا ما عانته أريج في أيام حصارها في مخيم جنين، ودفعوا نفس الثمن الذي دفعته.
لكني نظرت أيضا بين الجنود الغزاة، وتفحصت وجوههم، لعلي أجد ديفد – ذلك الجندي الذي عانى من صحوة ضمير وقاسى مما شاهد من فظائع الحرب في جنين، فلم أجده. كررت البحث ولم أجده، وتذكرت عندها أن أنور حامد نوه في مقدمة روايته أن شخصياته خيالية، وأظن أنه كان مغرقا في خياله عندما تصور وجود جندي صهيوني به مسحة من إنسانية مثل ديفد. فمن رضع لبن الحقد وربّي على أرض مسروقة، وشرب ماء منهوبا، وتنفس هواء فلسطين بغير حق، يكون قد جبل على حقد لا يمكن لوخزات ضمير أن تمحوه.
نسج أنور حامد روايته على فكرة رائدة، فقد عمد إلى إظهار معاناة مخيم جنين وصموده أثناء حصاره عام 2002 عن طريق مذكرات لفتاة، كتبتها أثناء حصارها وحيدة مع جسد جدتها التي استشهدت في بداية العدوان، قبل أن تنال هي نفسها الشهادة، وتنهي كلمات مذكراتها بالدم الذي تناثر على دفترها، وذلك الجندي الصهيوني الذي يلتقط دفترها ويقرر قراءته، فتهتز مشاعره، ويدرك للمرة الأولى أن الفلسطيني إنسان له كيان ومشاعر وأحلام ولحظات قوة ولحظات ضعف، له عائلة وأصدقاء ويحلم ويبدع وليس مجرد إرهابي متعطش لسفك الدماء. ثم يكتشف أنه عاش طوال عمره في بيت فلسطيني أجبر أصحابه على الفرار ليعيشوا في مخيم يفتقر إلى أساسيات الحياة.
كان يمكن لهذه الفكرة الرائعة أن تتيح لأنور حامد الفرصة ليصف كل الأهوال التي تواجه الفلسطيني المحاصر، وكل المشاعر التي تتأجج في نفسه، ونظرته للعدو ونظرته لمقاومة العدو، والتضحيات التي يقدمها الفلسطيني، والوحشية التي يتعامل بها المحتل معه. فالقارئ يجد نفسه مضطرا للتوقف قبل أن يبدأ بقراءة المذكرات التي تركتها أريج، ويأخذ نفسا عميقا ويشحذ مشاعره، ليتحمل معاناة العيش مع فتاة في السابعة عشر من عمرها تركت، لتصارع الموت وحيدة مع جسد جدتها الميتة. لكنه يصاب بالخيبة عندما يرى مذكرات جامدة، أقصى ما فيها هي محاولة إثبات أن الفلسطيني بشر مثله مثل اليهود الذين يحتلون أرضه. وكأني بالكاتب يخاطب المجتمع الصهيوني، ويحاول أن يقنعهم أننا بشر يحبون ويعشقون ويلعبون ويلهون ولهم آمالهم وأحلامهم وقد يقعون في الخطأ والرذيلة. إن هذه المحاولة اليائسة غير مجدية، فإنسانيتنا ليست موضع شك ولا قضية نقاش، ولسنا بحاجة لبذل الجهد لكي نقنع الآخرين بها. وينتاب القارئ الشعور أن الكاتب قد جرد الفلسطيني من إنسانيته ثم يحاول إثباتها لقارئ صهيوني هو بالأصل ليس المخاطب في هذه الرواية.
ووجدت أن الكاتب قد صرف همه لمناقشة قضايا الإيمان والعقيدة ووجهة نظره السياسية خلال مذكرات كانت يجب أن تتدفق بالمشاعر الفياضة وتمجيد التضحية والبطولة. فالكاتب يحاول جاهدا إثبات إنسانيتنا بدل من أن يظهر حجم الألم والظلم الذي عاناه الإنسان المحاصر داخل المخيم.
إن المستغرق في قراءة الرواية يلمح تشكيك الكاتب بعدالة القضية الفلسطينية، فهو يساوي بين المقاومة الفلسطينية التي تناجز الاحتلال والعدوان الذي يشنه الصهاينة على الشعب الفلسطيني، ويظهر العمليات الاستشهادية، التي كانت تستهدف المستوطنين الصهاينة، بصورة استهداف الأبرياء الغافلين، ثم ما يتبعها من عدوان همجي على جموع الفلسطينيين كردة فعل وطريقة للتخلص من هذه العمليات. فقد انشغل بمناهضة العمليات الاستشهادية عن اظهار فظائع العدوان، فهو يسمي المقاومة الفلسطينية إرهابا والبطش الصهيوني عنفا! ويرسّخ الكاتب في روايته صورة الفلسطيني الخارج عن قوانين مجتمعه الرافض للعنف في مقاومة الاحتلال من خلال شخصية عارف.
وشعرت بأن الكاتب يريد أن يكسر الحاجز النفسي بين الفلسطيني والعدو، ويوهمه أن هذا الجندي ربما يكون مثل ديفد الطيب، فالرواية موجهة أصلا إلى القارئ العربي وليس للقارئ الصهيوني. ويحاول الكاتب أن يجعل الجندي الصهيوني بطل القصة ومحورها فيرويها بلسانه، فيضطر القارئ أن يعيش داخل هذا الجندي ويتألم لنهايته المؤلمة غريقا في بحر يافا. يافا التي اغتصب هو وآباؤه أرضها وماءها وهواءها وبحرها.
أعجبتني المقارنة التي أجراها الكاتب بين القيود التي تكبل الجندي الصهيوني ديفد وتلك التي كانت تكبل أريج وحريتها على الرغم منها.
“أنا حر وأعيش في بلد حر، لكني عبد للأوامر العسكرية ولغسيل الدماغ الذي أخضعت له طوال حياتي. وأريج تعيش في بلد محتل، تقيد فيه حركتها، وحتى أنفاسها، لكنها تحلم، وفي حلمها توسع حدود فضائها.” ص 172
الحوار باللغة الدارجة، في الرواية، لا ضروة له ومبالغ فيه في كثير من الأحيان ، وكان يمكن أن يكتب بطريقة أخرى تراعى الإملاء واللفظ العربي بشكل أفضل: فأبناء جنين لا يخاطبون الأنثى بقولهم (عليكي) كان من الممكن كتابتها بشكلها الصحيح (عليكِ) وتكون أقرب للفظ العامي، ومثل ذلك كثير. والكتاب لا يخلو من الأخطاء المطبعية.
وأخيرا فإني أعتقد أن الكاتب أنور حامد قد أبدع الفكرة، لكنه لم يحسن استخدامها، فقد كان جل همه أن يخلق (آنا فرانك) فلسطينية ونسي أن كل أم فلسطينية، وكل طفل قتل ظلما، كان يحمل في نفسه ذكريات، وفي عينيه نظرات، وفي أنفاسه زفرات، كفيلة بأن تُبقي مذكرات آنا فرانك هناك في صقيع أوروبا، بعيدا عن نبضات التضحية والبطولة التي تتدفق في عروق كل فلسطيني، وتزيد اشتعالا مع كل شهيد يرتقي أو أم ثكلى تنظر إلى أجساد أطفالها الممزقة.

أمنية
وقال عماد الزغل: تمنيت لو أنني لم أقرأ قصة أنور حامد “جنين 2002″ وأنا أشاهد الدمار والقتل البشع الذي مارسه جنود وحدات الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، فيما سمي بعملية “الجرف الصامد” كما سمتها وزارة الحرب الصهيونية. فكيف لي مهما تجردت من ذاتي ومن فلسطينيتي أن أفترض إنسانية الجندي الإسرائيلي الذي يريد حامد أن يقنعني بها من خلال هذه القصة، وأنا أرى بأمّ عيني جنديا إسرائيليا في غزة يفتخر بقنصه ثلاثة عشر طفلا فلسطينيا.
ربما أفلح حامد في رسم ملامح حقيقية للجندي ديفيد اليهودي، عندما كنا نتحدث عن اليسار الصهيوني الذي لبس قناع الإنسانية في السبعينات من القرن الماضي؛ ليقنع السذج من العرب أن هناك وجها إنسانيا للاحتلال، بينما كانت تبني المستوطنات الصهيونية في مختلف أراضي الضفة الغربية ولاسيما في غور الأردن. حيث عاش الفلسطينيون شهر عسل مع الاحتلال امتد لعشرين سنة بعد السنوات العجاف التي قضاها هذا الشعب تحت سلطة الحكم الأردني.
أما أن يقوم هذا الجندي باقتحام مخيم جنين وقتل من فيه والحرص على قنص أي شيء متحرك فيه، ثم تتحرك فيه النزعة الإنسانية ليأخذ دفتر مذكرات “أريج الشايب” ويأخذه بدافع الفضول، ويقع فيه على ذلك الكنز الثمين الذي هو مذكراتها التي تشبه إلى حد كبير مذكرات آنا فرانك، فأعتقد أن هذه الحبكة الفنية لم تكن كافية لإقناع القارئ بسر هذا التحول في شخصية ديفيد.
على الرغم من عدم اقتناعي بفكرة انسانية الجندي الإسرائيلي وشخصيته الشبقة للقتل، إلا أنني كنت مشدودا منذ الخيط الأول للقصة وحتى نهايتها، فقد أبدع الكاتب في رسم الشخصيات بلغة سردية عذبة، ولا سيما شخصية “أريج” التي غاص في أعماقها وجسدها بكل معاني الفتاة الفلسطينية في هذه المرحلة العمرية، حيث اعتمد على المونولوج (الحوار الداخلي) في رسم ملامحها ناحيا بذلك أسلوب كتابة المذكرات، وهي الحيلة الفنية الرائعة التي ابتدعها لتصوير ملامح أريج التي هي بطلة القصة بكل معاني الكلمة، فالبطل في القصة هي أريج وليس ديفيد كما أراد أن يصور الكاتب
لقد عكس الكاتب حياة المخيم بشكل لافت، ولكنه كان باستطاعته تطوير شخصيات أهالي المخيم بشكل أكبر، ورسم أبعاد درامية أوسع لشخصيات الناس في المخيم، وأحسن إذ جعل من حياة الفلسطيني في المخيم طائر الفينيق الذي يحضر محرقته ويعود للحياة من جديد، وهذا ما حدث في مخيم جنين وسيحدث في مخيمات قطاع غزة التي دمرها الاحتلال.
أما جوليانو خميس، فهو شخصية مساندة للدور الذي أراد الكاتب لديفيد أن يقوم به في المخيم ليعلم أن هذا المخيم فيه بشر يمارسون حياتهم بكل إنسانية ونشاط وطيبة، وإذا كان الكاتب قد كتب هذه القصة للجمهور الفلسطيني والعربي، فهل نحن بحاجة إلى إقناع أننا بشر نستحق الحياة، ولو كانت القصة موجهة للجمهور الإسرائيلي لقلنا أنه قد أفلح بإقناع الجمهور الإسرائيلي أن الفلسطينيين أخيرا هم بشر مثلهم.
أما نهاية القصة فلم تكن واضحة الأسباب، فهل مات ديفيد منتحرا أم ثملا؟ وربما ألمح الكاتب باختيار الموت لديفيد لانتصار الدم على السيف، والمخيم على الجندي، فالمخيم عاد ليبني حياته من جديد، بينما القاتل يموت في نهاية القصة، ولكن ليته قضى على يد فلسطيني انتصر لدماء المخيم.
الجدير بالذكر أن الكاتب الذي اختار شخصية جوليانو خميس وهي شخصية حقيقية كان بإمكانه أن ينهي حياته نهاية حقيقية برسم معالم القاتل، وجعل جوليانو يموت برصاص أعداء الحرية والحياة في المخيم. وشارك في النقاش رشا السرميطي، ورائدة أبو صوي.

إلى الأعلى