الجمعة 16 نوفمبر 2018 م - ٨ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / النقد الثقافي

النقد الثقافي

الطبول.. رقص الجسد والقصيدة

مدخل
تظهر في الفنون الطربية العمانية القديمة الإيقاعات، التي تتخذ من الطبول المتعددة الأشكال والأحجام وسيلة تناغمية بين الصوت وحركة الجسد، وبالتالي صناعة النشوة الطربية التي تتهادى بين المؤدين و(الحياب) الذي يشكل مساحة جماهيرية للتفاعل البصري والانسجام مع ما تقدمه تلك الفنون الطربية الشعبية من بهجة ومتعة.
في المتسع الزمني الذي تساوقت فيه الطقوس الفنونية الأدائية الغنائية، وصولا إلى مرحلتنا الزمنية الحالية، ظلت الصورة الوسطية أشبه بالمشهد الذي نراه من دون أن نفهمه، وأبقت صيغة الاستمتاع المشهد كما هو، يعبر السنوات من دون انحياز لفهم العلاقة بين الطبول والأجساد والنصوص، مما ترك المساحة البينية واسعة، خارج دائرة الفهم الثقافي، الذي نحتاجه لفهم تلك الصلات غير الواضحة عيانيا، ولكنها متجذرة ثقافيا.
ما بين (الكاسر) و(الرحماني) وغيرهما من أنواع الطبول، علاقة توافقية مع الجسد والنص، توافقية بالمعنى المنعكس على الأداء، والمتمايز بين فن وآخر، على الرغم من استخدام الطبلين ذاتيهما (الكاسر والرحماني)، ولكن بصيغات نغمية مختلفة، وهو ما ينقله أدائيا (ضاربا) الطبلين، والعلاقة بين استخدام اليد اليمنى وعصاها الصغيرة المتينة، واليد اليسرى وعصاها الصغيرة اللينة، لحفظ النغم الإيقاعي المنسجم، الذي يصنع انسجاما وتناغما مع التفاعلات الجسدية الحركية، وهذا ينطبق على قرع الطبلين بالأيادي المجردة في فنون نسوية أخرى، لحفظ الانسجام الإيقاعي ذاته، الذي يفتح عين الحضور على الطقس الأدائي.

بهجة الإيقاع

يصنع الإيقاع بهجة حقيقية، من واقع ما كنا نراه في الفنون الأدائية الشعبية الغنائية، وما تعكسه على المؤدين والمتابعين، ولكننا – في الوقت ذاته- نقوم بإغفال الصلة الإيقاعية بين الثلاثي المهم لهذه الفنون، وهي الطبل والجسد والنص.
الطبل مؤشر وسيط، يحضر بأشكال مختلفة، فهو تمهيدي قبل البدء في التعاطي مع النص والجسد، وهو (مدوزن) وحافظ الصيغة الصوتية لحركات الجسد، وانتقال النص من فريق إلى آخر بصيغة التناوب؛ أما النص في الصيغة الصوتية المرتجلة، التي يتم توجيه إيقاعها بحسب الفن الذي سيتم التعاطي معه، سواء كان مقصبا أو نشيدا، من خلال وزن (اللال)، الذي يحدد صدر وعجز البيت الشعري، وبالتالي تمهيد ما سيرد من ألفاظ ترحيبية أو حوارية تنافسية – في حال وجود شاعرين مباشرين يتواجهان في الفن الواحد- أو نقل المحفوظ سماعيا لشاعر آخر غير متواجد، مما يعني وجود تقطيعات وزنية في النصوص تنتمي إلى إيقاع الفن، الذي منه سيتم ضبط إيقاع الطبلين (الكاسر والرحماني)، لنقل المساحة الإيقاعية نحو العنصر الثالث وهو الجسد.
المتعايش مع الفنون الشعبية العمانية في فترات الستينات والسبعينات، وإن عن طريق المشاهدة التفاعلية، سيدرك السمات الحركية المنسجمة بشكل ملفت مع إيقاعات الطبول والنصوص، والتقطيعات الصوتية التي يحدث أنها تعطي زخما طقسيا يكاد ينسى المؤدون فيه مواقعهم المكانية، ويتفاعلون بأشكال لا يملك معها أصحاب المتابعة البصرية إلا تخزين ذلك الشعور فوتوغرافيا في ذاكراتهم الفردية، لتصبح – لاحقا – حديث المكان ونقل الشعور المتصل بالوصف كما شعروا به لحظتها، فبين تقديم رِجْل وتأخير أخرى، ومد اليد التي تحمل عصا الخيزران ثم إرجاعها للخلف، والانضباط الحركي المتناغم للأرجل والأيادي، بالتعاضد مع التقطيع الأدائي التنغيمي للنصوص المغناة، كل ذلك يصنع بهجة مصدرها الحس الدفين الذي يطفو على السطح في الأداء الجمعي، معطيا واجهة مُرضِية للطقس وجمال ما فيه من صدق عميق.

القصيدة والجسد

لعل النسق النغمي الإيقاعي المتبادل بين القصيدة من ناحية، والجسد من ناحية ثانية، لا يتأتى من خلال الطبل فحسب، فالطبل مهم لاستظهار الطاقة الطربية وطقس الانضباط الحركي الجسدي، لكن ثمة صلة بين القصيدة والجسد، هذه الصلة لها وسيلتان تتقاسمان صنع تلك البهجة التي تنتقل عبر الطبل؛ الوسيلة الأولى هي اللفظ اللهجوي، الذي من خلاله يدفق الشاعر – عبر القصيدة- سمات شعورية محددة، تعزف على وتر اللحظة، وتستقصي طبيعة الحدث، وتنثال منه عبره، فمثلا عندما تكون المناسبة زواجا، تختلف عن كونها عيدا، والاثنتان تختلفان عن كونهما ابتهاجا بالختان، والثلاث تختلف عن كونها رمسة مستقلة لا علاقة لها بأي حدث عام، فهذه السمة تعكسها طبيعة الفكرة واللفظ والشعور المتصل بالشاعر، وابتكار الصورة التي تفتح باب التلقي لدى المؤدين من ناحية، والحضور من ناحية أخرى؛ أما السمة الثانية، فهي الموضوع ذاته، موضوع القصيدة، فكلما لامس الموضوع شغاف القلوب، عبر صنع ألفاظ وتراكيب ومعان ذات هاجس شعوري، يحمل ظاهره غير ما يبطن، ويتوسل باللفظ الظاهر لإيصال معنى خفي، وكلاهما يتكاملان صورة ولفظا، كلما تجلى المغنى بحماسة الأداء، واستجاب الطبلان وضارباهما لتلك المعاني، متحولة إلى (مغنى) أي طرب مكتمل الأركان، قادرا على ترك أثر ملفت تتناقله الأفواه من بيت إلى بيت، ومن (دار إلى دار).
هنا يمكن أن نفهم أنه ليس كل شاعر لديه القدرة على نسج هذا المضمون، لإشعال البهجات عبر الطقسية الفنونية الشعبية كما يبحث عنها الناس، ولذلك كان لا بد من وجود ذكاء وقاد، وبديهة حاضرة، وقدرة على صنع لفظ جديد من بنية لفظ المكان، حتى يتحقق للنص سحره، وللشاعر اختلافه، وإلا لتمكن الكل من نسج نصوص الفنون الشعبية العمانية في كل وقت وحين، ولكنها لا تحصل بتلك الرؤية الضيقة، بل هي حفر للمعنى والمغنى في الذاكرة، حتى يظل البحث عن المستكن وراء اللفظ هو حافظ بناء اللفظ، وحارس وجهة الإيقاعين، الغنائي والإلقائي كليهما.
من هذه الزاوية، انبنت العلاقة بين القصيدة والجسد، كلاهما يصنعان السحر في الآخر، وإن كان النص له سحره المختلف عند تناوله من بنيته الأدبية، والتوغل وراء جرس المخيلة والمعنى واللفظ.
لكننا هنا نفهم تلك الصلة التحاورية، التي يصنع فيها النص حسا شعوريا عاليا مع المؤدين، لينتج عن ذلك حماسا حركيا جسديا، سيتطلب من (الكاسر والرحماني) أن يبنيا خيارهما الإيقاعي بما يزيد من رتم تلك النشوة البينية التفاعلية.

اليومي والطربي

هنا يمكن أن نطرح سؤالين، أحدهما :
هل يحضر اليومي في الطربي على مستوى الإيقاع؟
ثانيهما :
هل يحضر الطربي في اليومي على مستوى الحياة؟
نجيب عن السؤال الأول بالقول : هذا يعتمد على مستوى الموضوع الذي يتناوله الشاعر، فهناك عدة وجوه لطرح اليومي في الطربي نصا، منها المدح والعتب والغزل والوصف، وهي موضوعات ذاتية النزعة، وفي المقابل هناك الاجتماعي، الذي يصف حدثا أو حكاية أو موقفا ما، وهنا نزعة عامة للموضوع، وما الشاعر إلا ناقلا لما حصل، ما لم يكن ثمة توجيه لذلك، وبما يقتضيه الموقف، فبعض النصوص يتم صياغتها لحظيا خلال الحدث، وبعضها تتم كتابته بمعزل عن ذلك، ولكن يحصل أن يتم تردادها طربيا في مواقع زمانية ومكانية مختلفة.
بالنظر إلى هذا، سنجد غلبة اليومي، الشعوري والحدثي، من خلال حضوره في الطربي، وتحقيقه الإيقاع – الذي يحمله- للتأكيد أو النفي، وبما ينسجم مع طبيعة الحدث، لتصبح مسيرة النص في هذا الشق على النحو التالي :يومي – طربي – يومي.
أما السؤال الثاني فنجيب عنه بالقول : يحضر الطربي في اليومي، في الحياة، من خلال سرد الحكايات شفاهيا في المجالس والسمرات الليلية، ولدى كبار السن في ظلال الضحى أو عند سواقي الأفلاج في الضحى أو الظهر، حيث تحصل الاسترجاعات، ويتداول المفترشون الأرض ما أبقت الذاكرة في جنباتها من نصوص ذات معنى عميق، فضلا عن سرد ما رافقها من أحداث المغنى، وهذا ما أبرزته مرئيات الذاكرة، أو تسجيلات صوتية لا يزال الكثيرون يحتفظون بها أو يتداولونها.

خاتمة
يمكن القول إن الإيقاع الذي نسج الصلة بين الطبول والأجساد ونصوص الفنون الشعبية، هو أكبر مما افترضناه في ظاهر حضوره، ولسنا نحاول سوى البحث في مستوى هذا التبادل التأثيري التفاعلي، وعلاقته بالبيئة العمانية القديمة

عبدالله الشعيبي

إلى الأعلى