الثلاثاء 23 أكتوبر 2018 م - ١٤ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / منصات التواصل تتحول إلى منبر لمناقشة القضايا الوطنية وتوليد الأفكار 3/3

منصات التواصل تتحول إلى منبر لمناقشة القضايا الوطنية وتوليد الأفكار 3/3

سعود بن علي الحارثي

“.. فالمجتمع يشعر بعد التعافي التدريجي لأسعار النفط ـ وفقا لما يطرح في منصات التواصل ـ بشيء من التخوف من أن تتناسى الجهات المختصة درس النفط القاسي وتعود إلى ما كانت عليه من التلكؤ والتكاسل في الإجراءات والبطؤ في التعامل مع ملفات التنويع، خصوصا عندما تجد نفسها أن المشكلة الاقتصادية قد حلت نفسها بنفسها مع ارتفاع أسعار النفط وارتفاع عوائده المالية من جديد.”

من محاسن تراجعات أسعار النفط التي تواصلت لأكثر من سنتين أنها فرضت على صناع القرار التفكير جديا في البحث عن بدائل تمويلية لسد عجز الموازنة، والعمل على تحقيق عوائد جديدة، وإقرار سياسات لتنويع مصادر الدخل على المديين القريب والبعيد، وولدت شعورا عميقا لدى كبار المسؤولين والمخططين بخطأ الاعتماد على مورد وحيد لتمويل الموازنات السنوية، وما أحدثه ذلك من نتائج خطيرة على النمو الاقتصادي والوضع الاجتماعي، وخلقت وعيا مجتمعيا بأهمية الإسهام في مساندة الحكومة على ترشيد الإنفاق، فتقبل الكثير من القرارات الصعبة التي تم اتخاذها مثل رفع الدعم عن الوقود في السوق المحلي وزيادة رسوم الخدمات ووقف الترقيات، ومراجعة سياسات الإنفاق ووقف بعض المشاريع الخدمية وتراجع نسب التوظيف، وفي المقابل فقد شكل ذلك الوعي ضغطا مارسه المجتمع عبر وسائل التواصل على الحكومة لتعزيز صلاحيات المؤسسات التشريعية والرقابة والمساءلة وضبط المال العام، وإشراك المجتمع بشكل أكبر في صناعة القرارات التي تهم مصالح أفراده، والمضي قدما في تطوير القطاعات الحيوية لضمان زيادة مساهماتها في الدخل القومي، والتحرر من الاعتماد شبه الكلي على النفط وفق آليات عمل واضحة وبرنامج زمني دقيق، وجاءت انطلاقة البرنامج الوطني لتعزيز التنويع الاقتصادي (تنفيذ) كمبادرة (وطنية تنفذ في إطار الخطة الخمسية التاسعة (2016 – 2020) بالتعاون مع وحدة الأداء والتنفيذ التابعة لحكومة ماليزيا)، مع التركيز على قطاعات الصناعات التحويلية والسياحة والخدمات اللوجستية، لرفع نسبة مساهمة تلك القطاعات في الناتج المحلي الإجمالي للسلطنة وزيادة الاستثمارات في القطاعات الواعدة وتوفير فرص العمل، وتم توقيع عشرات الاتفاقيات مع شركات قطرية وكويتية وإماراتية وصينية وسنغافورية… مثالا على ذلك توقيع ميناء صحار اتفاقية مع شركة تريسكورب السنغافورية لإنشاء محطة جديدة لتخزين النفط تبلغ مساحتها 45 هكتارا وباستثمار يقدر بـ600 مليون دولار ـ المدينة الصناعية الصينية العمانية التي ستقام في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم باستثمارات تقدر بعشرة مليارات دولار ـ الإعلان عن شراكة استراتيجية بين شركات قطرية ومجموعة “أسياد” العمانية لتطوير ميناء صلالة وميناء الدقم والإعلان عن شراكة مرافئ صحار، وأخيرا الشراكة التي تم التوقيع عليها بين “شركة عُمران” و”ماجد الفطيم” في أكبر مشروع تطوير حضري في السلطنة، المتمثل في تطوير الجزء الغربي من مدينة العرفان بقيمة استثمار تقدر بـ5 مليارات ريال عماني ـ إنشاء مشاريع ومؤسسات ومناطق صناعية وتجارية متعددة، وتعزيز البنى التحتية بتنفيذ وافتتاح مطار مسقط الدولي ومطار صلالة والعديد من الموانئ والطرق السريعة، وصياغة رؤية ٢٠٤٠ التي تستهدف ضمن ما تستهدفه إنجاح سياسات التنويع، استلهاما لدروس الأزمة من جانب ولتواكب التطلعات المجتمعية من جانب آخر، ولكن ومع ذلك فالمجتمع يشعر بعد التعافي التدريجي لأسعار النفط ـ وفقا لما يطرح في منصات التواصل ـ بشيء من التخوف من أن تتناسى الجهات المختصة درس النفط القاسي وتعود إلى ما كانت عليه من التلكؤ والتكاسل في الإجراءات والبطؤ في التعامل مع ملفات التنويع، خصوصا عندما تجد نفسها أن المشكلة الاقتصادية قد حلت نفسها بنفسها مع ارتفاع أسعار النفط وارتفاع عوائده المالية من جديد. فهل هو تخوف حقيقي ويعبر عن واقع؟ وهل ستتناسى الحكومة دروس الأزمة وتتجاهل تطلعات المجتمع وظروف المرحلة ومتطلبات اقتصادنا الذي لم يعد يحتمل تجربة انكماش أخرى جديدة مع دورة قادمة يشهد فيها العالم انهيار أسعار النفط، إلا إذا كان على استعداد لمواجهتها بمساهمات مرتفعة من قطاعات اقتصادية أخرى نجحت السياسات في تحويلها إلى رافد قوي للاقتصاد الوطني؟ لقد قطعت حكومة السلطنة ممثلة بالجهات المختصة وفي مقدمتها المجلس الأعلى للتخطيط شوطا مهما في تنفيذ العديد من برامج وسياسات التنويع، ونتمنى أن تتواصل الجهود بشكل حثيث، وأن يبنى اقتصادنا الوطني على التنويع وتعدد الموارد. من جانب آخر فقد رأى المجتمع في سياسات التقشف وزيادة الرسوم ورفع الضرائب أو دراسة فرض أخرى تحديا آخر أمام نمو القطاعات الاقتصادية، وتشجيع وجذب المزيد من الاستثمارات، وإنجاح سياسات التنويع وتعزيز الموارد وتحفيز السوق، وهذا ما حدث فعلا، فقد تراجعت أرباح العديد من الشركات وفقا لإعلانات وقرار توزيع الأرباح وفي مقدمتها شركات الاتصال والصناعة والإنشاءات، وتراجع أداء سوق مسقط للأوراق المالية بشكل كبير وما زالت معاناته متواصلة وتراجعت قيمة العقار، وعانت الشركات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة من ضائقة مالية بسبب ضعف السوق وتوقف أو تراجع المشاريع الحكومية وتأخر دفع المستحقات وزيادة الضرائب والرسوم وارتفاع أسعار الوقود بكافة مشتقاته… وارتفعت نسبة الشيكات المرتجعة وتأخر المستحقات وجاءت المبادرات المجتمعية (فك كربة) كمبادرة تهدف إلى (جمع التبرعات المالية بهدف فك أسر المعسرين القابعين في السجون بسبب مطالبات مترتبة عليهم في قضايا (مدنية – تجارية – شرعية – عمالية)، وما نتمناه أن تخضع كل أشكال فرض وزيادة الرسوم والضرائب إلى دراسات معمقة تأخذ في الاعتبار تأثيراتها على الأطراف جميعها مع الحرص على إشراك مختلف المؤسسات المتخصصة في اتخاذ القرارات والسياسات ذات العلاقة بهذا الملف الحساس.

إلى الأعلى