الثلاثاء 18 ديسمبر 2018 م - ١٠ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / تخفيض سقف التوقعات

تخفيض سقف التوقعات

علي بدوان

كان متوقعا عودة المبعوثين الأميركيين إلى واشنطن ولسان حالهما يردد حالة التشاؤم، فحتى في ظل الضغوط الأميركية التي مورست، وقد تمارس على مختلف الأطراف العربية، وخاصة الفلسطينيين المكتوين بنار الاحتلال يوميا، فإن لا حياة لتلك الصفقة اللعينة المعنونة بــ”صفقة القرن”، ما دامت بعيدة عن روحية ومضمون قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة..

وفقًا لمصادر أميركية، فإن الخطة الأميركية المعنونة بــ”صفقة القرن” التي تتحدث عنها الإدارة الأميركية هي في المراحل الأخيرة من صياغتها. وتقول المصادر إن هذه الخطة ليست مُتحيّزة لصالح “إسرائيل”، وإنها منطقية وعادلة، وقد تأخر نشرها بسبب التطورات الأخيرة في المناطق وفي الشرق الأوسط. فيما نصحت بعض الجهات الإقليمية بتأجيل إعلان الصفقة، حين قالت “من الأفضل للرئيس الأميركي تأجيل عرض صفقة القرن في غضون بضعة أشهر حتى تصبح حدود غزة هادئة، والسلطة الفلسطينية في السلطة”. وأشارت تلك المصادر إلى أنَّ “الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو رجل أعمال يؤمن بتعزيز الدبلوماسية من خلال الصفقات”.
ولكن، وفي واقع الحال، زار الفريق الأميركي بقيادة جاريد كوشنير وجيسون جرينبلات في الشرق الأوسط في جولة عمل أخيرة. للترويج لأفكار “اتفاق المائة عام” أو “صفقة القرن”، ولم يلتقِ الفريق الأميركي بأي مسؤول في الجانب الفلسطيني بعد المقاطعة السياسية التي أعلنها الرئيس محمود عباس لمبعوثي الإدارة الأميركية.
وكما كان متوقعا، عاد المبعوثان الأميركيان إلى واشنطن بعد جولتهما الأخيرة في المنطقة أوائل تموز/يوليو 2018 ولسان حالهما يُردد حالة التشاؤم، مُخفِّضا سقف التوقعات، فحتى في ظل الضغوط الأميركية التي مورست، وقد تمارس على مختلف الأطراف العربية، وخاصة الفلسطينيين المكتوين بنار الاحتلال يوميا، فإن لا حياة لتلك الصفقة اللعينة المعنونة بــ”صفقة القرن”، ما دامت بعيدة عن روحية ومضمون قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
وباعتراف صريح منهما، فشلت جولة المبعوثين الأميركيين جاريد كوشنير وجيبسون جرينبلات الأخيرة إلى عدد من دول المنطقة، وعادا إلى واشنطن خاليي الوفاض، بل وقال جاريد كوشنير في تصريحات مقتضبة وسريعة بأنَّ “فرص تمرير ونجاح حلول ما بات يُعرَف بــ(صفقة القرن) ضئيلة للغاية، وأصابها التراجع”.
الواضح أنَّ العقبات التي واجهت المبعوثين الأميركيين، ودفعتهما للتشاؤم ليست بسبب الموقف الفلسطيني الرسمي والشعبي فقط على أهميته ودوره الحاسم في هذا الشأن، بل بسبب من الموقف العربي لعدة عواصم إقليمية أيضا، مُتحفظة على تلك الصفقة، ومنها مصر التي ترى بأنها مستهدفة من وراء تلك الصفقة حين يتم الحديث عن اقتطاع مساحات من أراضي سيناء المصرية لصالح الحل الأميركي الداعي لتوسيع مساحات قطاع غزة باتجاه الأرض المصرية، وإقامة منشآت فوقها تخص قطاع غزة كالمطار ومحطات الطاقة الكهربائية وتحلية مياه البحر، وإسكان نسبة معينة من سكن القطاع. كذلك إنَّ الصفقة إياها تدعو الدول العربية الخليجية لفتح التطبيع مع دولة الاحتلال من أوسع أبوابها، فضلا عن تمويل كل مراحل تلك العملية التسووية المطروحة أميركيا، من ألفها إلى يائها.
وعليه، كان متوقعا عودة المبعوثين الأميركيين إلى واشنطن ولسان حالهما يردد حالة التشاؤم، فحتى في ظل الضغوط الأميركية التي مورست، وقد تمارس على مختلف الأطراف العربية، وخاصة الفلسطينيين المكتوين بنار الاحتلال يوميا، فإن لا حياة لتلك الصفقة اللعينة المعنونة بــ”صفقة القرن”، ما دامت بعيدة عن روحية ومضمون قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، التي قبل بها الفلسطينيون بالرغم من الإجحاف الكبير الذي تُلحقه بحقوقهم التاريخية الكاملة والناجزة على أرض وطنهم فلسطين الكاملة. فالصفقة تنسف عمليا العناوين الرئيسية للحقوق الوطنية الفلسطينية وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير وحل الدولتين …. الخ.
في هذا السياق، إنَّ لغة التصعيد “الإسرائيلية” لم تتوقف باستهداف الفلسطينيين، وخاصة في قطاع غزة، حيث وفّرت الإدارة الأميركية، وما زالت توفّر، الغطاء لسياسات الاحتلال والعدوان على القطاع، ففي ليلة واحدة خلال شهر حزيران/يونيو 2018 الماضي، سقطت واشنطن مرتين في مجلس الأمن الدولي: واحدة ضد الفلسطينيين عندما استخدمت حق النقض (الفيتو) لمنع تمرير قرار دولي تقدمت به دولة الكويت لتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني تحت الاحتلال. والثانية مع الاحتلال “الإسرائيلي”، عندما فشلت في تمرير مشروع قرار بديل، يُدين ما أسمته واشنطن في مشروع قرارها “إطلاق النار من قطاع غزة على إسرائيل”، وفي كلتا الحالتين صوّتت واشنطن مُنفردة في مجلس الأمن، بمعزل عن بقية الأعضاء والمجتمع الدولي.
لقد كانت المندوبة الأميركية في مجلس الأمن (نيكي هايلي) في تلك الجلسة من جلسات مجلس الأمن، في غاية الفجاجة، وفي قمة تزوير الحقائق واتباع لغة الديماغوجيا السياسية، ففي حين استشهد أكثر من 120 مواطنا مدنيا فلسطينيا في مسيرات العودة السلمية على حدود القطاع مع فلسطين المحتلة عام 1948، وأصيب الآلاف بنيران جيش الاحتلال، دون وقوع إصابات في صفوف “الإسرائيليين”، فقد ادَّعت مندوبة الولايات المتحدة “أنَّ مشروع القرار الكويتي ليس دقيقا في توصيف الأحداث”. وحظي مشروع القرار الكويتي وقتها بتأييد عشر دول بينها الصين وفرنسا وروسيا، بينما امتنعت بريطانيا وأثيوبيا وهولندا وبولندا عن التصويت. ونشير بأن أي مشروع قرار في مجلس الأمن يحتاج لموافقة تسعة من أعضائه وعدم استخدام أي من الدول الخمس الدائمة العضوية (بريطانيا، وفرنسا، والولايات المتحدة، وروسيا، والصين) لحق النقض.
السقوط الأخلاقي والعمى السياسي الأميركي الذي يتحدث عنه البعض ليس جديدا، ولا هو وليد الصدفة، وليس حالة طارئة، ولم يبدأ مع مشروع الرئيس دونالد ترامب المطروح في المنطقة تحت عنوان “صفقة القرن”، بل هو من وجهة نظر مغايرة، امتداد طبيعي لحماية مشروع تعهدته الولايات المتحدة منذ عشرات السنين، بل ومنذ تصريح بلفور الذي صدر عام 1917 وكانت الإدارة الأميركية والرئيس ولسون في حينها تحديدا، من ساهم بصياغته من خلف الكواليس كما تُشير مُعظم المصادر التاريخية الموثّقة والمؤكدة، وهو مشروع الدولة الصهيونية حين قامت على أنقاض الكيان الوطني والقومي للشعب العربي الفلسطيني، ولا تزال تقدم الدعم والحماية لها بلا حدود.
لقد فشلت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في جهودها المبذولة حتى الآن لإقناع الفلسطينيين بقبول “الصفقة التي تبلغ مائة عام”، وسيتعين عليهم إعادة تقييم الخطة، إذا كانت تحترم نفسها.
مبعوثا الولايات المتحدة جارد كوشنير وجيبسون جرينبلات أحبطتهما زيارتهما الأخيرة إلى الشرق الأوسط، ويبدو أن فرص تنفيذ “اتفاق القرن” في صيغته الحالية، ضئيلة، بل غير موجودة على الإطلاق، ما دام الشعب العربي الفلسطيني صامدا فوق أرضه، وما دام الكفاح مستمرا بمواجهة الاحتلال بكل الأساليب والأنماط الممكنة.

إلى الأعلى