الأربعاء 26 سبتمبر 2018 م - ١٦ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : ترانيم وطن

في العمق : ترانيم وطن

د. رجب بن علي العويسي

وطني عُمان وأنت تحتفي بإنجازات الثالث والعشرين المجيدة، نقلب نحن أبناؤك صفحات هذا العهد الزاهر الميمون، فإذا في كل صفحة ذاكرة أمجاد خالدة وحكاية إنجاز مثيرة تتكامل خيوطها وتتناغم أجندتها لتشكل في إشراقتها وجلالها وعظمتها أبلغ إنجازات الإنسان، وتسرد في وصفها حكمة القيادة وقوة الإرادة وروح المسؤولية وعمق الفراسة بالأحداث والمعرفة بالتأريخ، وما يحمله من دلالات وتحولات ومواقف ما استطاع أن يؤسس خلاله لعمان التي فاق الوصف ذكرها وذكر من رعى شأنها، وأقام نهضتها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه، أنموذج راقٍ في بناء الدولة العصرية، فكانت عُمان أبلغ كلمة، وأفضل لحن، وأسمى هدف، وأعذب ترنيمة، يلامس الوجدان اسمه، ويسمو بالضمير نبضه، عندما يذكر الوطن تتفتح أسارير الحياة، وتتسابق الألسن للشدو به والحديث عنه، ليبقى وطننا حياتنا، بصائرنا، عقولنا، قلوبنا، نهضتنا، وهي طريقنا للحياة السعيدة، في كنف الوطن وعفوه وشموخه وكبريائه نعيش السعادة، ونرتوي من معين المجد والعزة، فما نعرفه عن قوة وطننا ونجاحاته ونهضته واحترامه للإنسان وتحقيقه لنهضة راقية، طريقنا للفخر والتفاخر ونقل هذا التفرد للعالمين لما تحمله كل محطات التأريخ العماني من إجابات شافية على كل التساؤلات التي تطرح حول وطني، في نهضته وتقدمه ونجاحاته ورفعته ورقية وتسامحه وسلامه وحسن جواره وحضوره الدولي، وسعيه نحو بناء عالم تسوده المحبة، ويعيش أفراده حياة المجد والعزة، شاهدة على أمة تركت لها في تأريخ الإنسان بصمة وفي استقراره حضورا وفي نهضته العلمية والتعليمية والفكرية والثقافية موقعا لن ينساه تأريخ البشرية المؤمنة بأمجاد الإنسان. فمالك ابن فهم والمهلب بن أبي صفرة وابن دريد والخليل بن أحمد الفراهيدي وأحمد بن ماجد وأحمد بن النعمان وأحمد بن سعيد وسعيد بن سلطان وغيرهم، شواهد على نهضة عمان الماجدة وسيرتها العطرة، لنضيف إليها نحن أبناء نهضة الثالث والعشرين من يوليو واقعا جديدا وموقعا متقدما وسجلا جديرا بالوقوف على محطاته في مواقفنا وأخلاقنا وسيرتنا ومواطنتنا وإيماننا بالسلام والعمل ليكون شاهدا لنا لن ينفد تأثيره أو يخفت بريقه أو يبهت ضوئه، في إيجابية وتوازن واعتدال، حروف ممتدة، وجسور صدق تتناغم في حسها ورونقها مع سمو الأنفس الرضية الباحثة عن الحقيقة، تلك التي لا يفقهها سوى المخلصين لأوطانهم، المتفاعلين مع منجزاتهم، الطامحين لتفوق نهضتهم، العاملين بحدود أوطانهم ومبادئها والعارفين بها والسائرين في طريقها رغبة وصدقا، ترسم خطى الإنسان وتنهض بثوابته وأخلاقه، تحفظ له حق الحياة والعيش، فهو سموق للمجد، وسمو للمعالي، وشموخ نحو الثريا، طريق الاستقرار.
وطني عمان حياة متجددة، يحمل الإيجابية ويكتنز السعادة، ويحوي القوة ويبني المسؤولية ويؤسس للحياة جمالياتها وجلالها وعذوبة ألحانها، يستنشق عبير الأمل ويرسم حلم المستقبل، ويفتح أسارير النفس لعالم الجمال بترانيمه السرمدية، وحياته البهية التي تنسج في النفس ملامح العطاء والحب والسكينة والاستقرار، وتستشعر في النفس معاني الإباء والقوة والفخر، فهو موطن للتسابق من أجله والتفاخر في خدمته والاستئناس بذكره، فحري بكل من أوتي قلبا فأوعى، ونبضا فأوفى، وحكمة فأصدق، وحسا فأتقن أن يتعهده بالرعاية والاهتمام، وأن يوليه عنايته وأولوياته، يحترم مسؤولياته ويفقه واجباته ويعلي راياته ويحمل أخلاقه ويسمو بهويته ويقدس ترابه ويحفظ حقوقه ويلتزم حدوده وقواعده، ويسعى نحو تنميته وتطويره، ويشحذ الهمم من أجله، ولننظر إلى ما حولنا من أحداث مشاهدة، كيف أصبحت أحوال أولئك الذين ضاعت منهم أوطانهم فأصبحوا مشردين بلا مأوى تتقاذفهم الأمواج وترمي بهم في شطآنها بلا حياة، وطن يشدو بأفعال أبنائه ونجاحاتهم، ويعمل على احتضان أفكارهم وإبداعاتهم وابتكاراتهم، ويفتح أبوابه للبحث في مكنوناته واكتشاف موارده وثرواته، فيضعهم أمام مسؤولية الوقوف عند حقوقه، والعمل معا من أجل تقدمه وتطوره، فهو ينظر لسلوك أبنائه ـ رغم قساوتهم ـ في ظل تسامح وعفو وتسامٍ ورقي وتوادٍّ وقوة، ويجد فيهم طريقه للقوة وبناء سلوك الوعي، يتقدم بهم، ويسمو من خلالهم، وأيّما أمة قدّرت أوطانها حق قدرها واحترمت مبادئها، وتخلقّت بأخلاقها والتزمت مسارات الاعتدال في منهجها، والعدالة والمساواة بين أبنائها في ميادين العطاء والإخلاص والإنجاز والمبادرة والمنافسة والتجديد، فكانت عونا لهم على تحقيق الإنجاز وبناء الطموحات، والوقوف بحكمة ومهنية في وجه كل من أراد النيل من الوطن بكلمة تجانب الصواب، وسلوك يسيء لحكمة سياسته الرشيدة فلا شقاق ولا فتن ولا مذهبية ولا حزبية ولا ولاء إلا للوطن الذي يسع الجميع ويحتضن الكبير والصغير.
وطني عُمان ملاذ الحياة الآمنة السعيدة، وطريق الاستقرار ومسار التنمية، لذلك بنى مسار نهضته على تحقيق مفهوم أعمق للسعادة القائم على قراءة المنجز الإنساني الوطني، والذاكرة العمانية المتفرّدة التي تختزن فيها الكثير من القيم والمفردات والمعاني؛ لإضافة عنوان جديد للسعادة التي تتعطش إليها الإنسانية، في امتداد خيوط الأمل وعلو أجنحة السلام التي ترفرف على شعوبها بردا وسلاما واطمئنانا، فكانت معايير السعادة في وطني، تعبير عن العيش في ظل حياة الوطن ومبادئه وأخلاقياته، وسلوك الدولة، في رقي تعامل، وحكمة قائد، ومنهج عمل، وفي توجيهات القيادة الحكيمة التي جاءت من أجل الإنسان، وأكدت على أنه الأولوية، فكان خطاب يوم النهضة، نقطة تحوّل غيرّت مجرى الحياة في عمان، “حياة كريمة، وأمن وأمان واستقرار، وإنسان قادر على أن يعيد تاريخ أمجاده الوطنية في تواصله مع حضارات العالم وشعوبه”، لقد أدركت نهضة عمان هذا السر الذي يبدو أن العالم تجاهله في فترة انشغاله بإدارة حروبه ونشر فتنه وتغييبه من واقع حياة الشعوب، في حين رسمت نهضة عمان لمنحى السعادة أُطرها، وقيمها ومبادئها، وأخلاقياتها وسلوكها، وطريقها وسبيلها للتميّز، لتصبح السعادة تعبيرا عمليا عن التعايش في ظل القانون والمشترك الإنساني، أخوة متحابين متعاونين كالبنيان المرصوص، تأخذ بالإنسان وتعمل في ظله وتبني أمجادها من خلاله، في شمولية التعاطي مع قضاياه واهتماماته، واعتدالية واتزان وسلوك منحى التسامح في النظر إلى طبيعة الآخر المشترك، والأخذ بمنهج التيسير في قراءة منظومة التطور والتقدم البشري، فكانت البساطة والعصرنة بإضافة التجديد على التراث دعوة للسعادة القائمة على العفوية وعدم التكلف والتدرج مع الابتكارية الواعية، لقد جاءت النهضة بتأطير دقيق لهذا المعني في حكمة المبادئ التي أقرتها، والنُهُج التي اعتمدتها، والاستراتيجيات التي وجهت إليها، بتأكيد السلام كمنطلق لبناء حياة الإنسان، والحوار كطريق لمعالجة المشكلات، والوئام الإنساني أولوية، لذلك كان حقه من التقدير أبلغ من أي شعور، وأعمق من أي تفاصيل، رابطته أقوى الروابط وأنضجها في مواجهة الاختلاف وتعميق أواصر الوحدة وتمازجها وتناغمها في ظل كينونة الوطن، طريق النجاح وعنوان العطاء وسبيل التقدم، ومنهج النهضة، والحقيقة التي يجب البحث عنها في ظل استقرار، فيصبح تحقيق أمنه واجبا، والتصدي للأخطار المحدقة به فرضا، والتعاطي مع كل ما يؤدي بالوطن إلى تحقيق نجاحاته مأمور به، وعلى هذا فلا تعني الحرية أن أضع الوطن مصيدة التهم، أو طريق رمي النفايات من الأفكار، أو زرع الضغينة أو نشر الإفساد، أو إدخاله في التفسيرات الجانبية، أو فرض سلطة الوصي عليه، أو الحديث عنه في غير قوة، أو النظر إليه في غير عزة، فهو مقدس ترابه، مصانةٌ حقوقه، محفوظه أخلاقه ومبادئه، إن الحرية المطلوبة هي التي تنطلق بالوطن نحو معالي الأمور، فيجعل إنسان هذا الوطن ـ وهو المأمور حقا بنهضته والمحافظة عليه ـ من نفسه سبيل التميز وتحقيق الابتكار، فيُظهر مواهبه، ويخدم عمان بقلبه وعقله، بإخلاصه وسمو خصاله، بالتزامه وحرصه على أن يكون الوطن غايته ومصيره، فيعمل جاهدا على تكبير صورة الوطن الكبير في شأنه العظيم في قدره الشامخ في عليائه المتسامح مع مواطنيه، فيكبر في قلبه، ويعلو في شأنه، ويسمو في عقله، ويبرز في أهدافه وغاياته، فما يقدمه من أجل عمان، إنما هو رد جميل لوطن يعمل من أجله، فحب عمان نافذ على الدوام لا تغيّره الشكليات، ولا تنتقص منه الممارسات والمسميات التي يجد فيها البعض طريقه للنيل من وطنه والإساءة إليه، فلن تجد الأوطان نجاحاتها أو تحقق تقدمها في ظل عدم التناصح عندما يراد بوطنه السوء، أو يرضى في وطنه العيب.
إن أبناء عُمان وبناتها الأوفياء ليجدون في أمجاد الثالث والعشرين من يوليو وما صنعته أيادي العطاء الكريمة لمولانا وسيدنا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ فرصتهم للعمل بشكل أفضل وأقوى من أجل وطنهم، يغرسون في أبناء المستقبل حبه، واحترام مقدّراته، قدوة وأنموذج تتلقاه الأجيال، وتتسامر معه في حديثها عن نهضة عمان وتجلياتها في حياة إنسانها، وجسر تواصل مع محطاته وتجاربه العظيمة، وتراثه العريق وتأريخه الماجد ورموزه الأكابر العظماء الأجلاء المخلصين العاملين المواطنين، فعمان أمّنا وأبونا، أمانة بأيدينا نحفظها بقلوبنا وعقولنا وأيدينا، لأنها حياتنا ومجدنا وعزنا، وتقدمنا وتطورنا، وتسامحنا وأخلاقنا، ووحدتنا وقوتنا، ونهضتنا وحضارتنا، لنغرس فيها غراس الأمل، ونزرع فيها بذور العمل، ونجتهد من أجلها، لنجني ثمار ودها، ونشق طريق تقدمها بإنجازاتنا وعطاؤنا، فكرمها يزداد ـ وهي كريمة في كل وقت وحين بحديث الصادق المصدوق وهو يمتدح عُمان ويثني على أهلها في أكثر من موضع ـ، حاضنة لأمجادنا، لنتسامر بالحديث عن مجدها، نغنّي من أجلها، ونشدو بحبها، فإن شدَونا بحبه لحظة نجاحنا، فهي يشدو بحبها لنا منذ أن ولدنا وترعرعنا على أرضها، فحب عُمان ممتد وكرمها معطاء، فهنيئا لأمة كانت لأوطانها خير حافظ لحدوده وواع بحقوقه حتى نالت بسببها استحقاقات الفوز والنجاح، واستطاعت أن تبني للعالمين مجدا، وللحياة منهجا، وللتنمية مسارا، وللأجيال طريقا يجنبهم المساوئ، ويقيهم أخطار التمزق والتشرد. لتبقى قيم ومبادئ وسلوكيات أبناء عُمان ذاكرة حضارية منتجة وهي تجدد انتماءها لعُمان وولاءها لباني نهضتها مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم، شاهد إثبات لسيرتهم العطرة ومسيرتهم الخيّرة في عالم الإنسان والتنمية والحضارة والسلام.

إلى الأعلى