الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م - ٩ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / قمة هلسنكي .. بين حتمية النظام العالمي وخيارات القوى الفاعلة

قمة هلسنكي .. بين حتمية النظام العالمي وخيارات القوى الفاعلة

محمد بن سعيد الفطيسي

قمة هلسنكي ليست سوى بداية لأحداث كبرى قادمة ستؤكد ذلك الاتجاه. أي اتجاه الأحداث المصنوعة في “مراكز الاضطراب” والتي أصبحت القوى العالمية الراهنة، سواء الولايات المتحدة الأميركية أو روسيا تعمل بناء عليها ووفق منظور وتوجهات النظام العالمي والقوة الدافعة التي تشكل هياكله البنائية…

أفرزت القمة التي جمعت كلا من الرئيس الأميركي ترامب والرئيس الروسي بوتين يوم الاثنين الموافق 16/يوليو/2018م العديد من الصور الذهنية والنتائج السياسية والأمنية التي يبدو أن أغلبها لم يكن في صالح الولايات المتحدة الأميركية وضد الرئيس الأقوى على مستوى العالم. فهل كانت تلك النتائج أحداثا مخططا لها وتسير وفق مجريات ومتغيرات طبيعية للنظام الدولي الراهن؟ أم أن هناك محفزات أخرى كان لها الدور المؤثر في صناعتها بعيدا عن الحسابات الأميركية وخيارات القوى الدولية الفاعلة؟
هل فعلا كان أداء الرئيس بوتين “قويا” وأداء الرئيس ترامب “ضعيفا” وفق المعيار الشخصي، كما يؤكد العديد من المحللين والمراقبين السياسيين, والرأي العام الأميركي؟ أم أن خلف تلك القوة وذلك الضعف محفزات “قدرية وحتمية” كما سبق وأشرنا كان لها الدور الأكبر والدافع الأقوى نحو تسيير هذه القمة إلى ما آلت إليه؟
هل يسير النظام العالمي الراهن وفق محددات وتوجهات القوى العالمية الفاعلة أم العكس؟ أي أن عقال النظام الدولي قد فلت من يد صانعه ومهندسه “الأميركي” ليسير باتجاه المزيد من الانفلات وبعيدا عن المركزية, وليقوم هو بتسيير ودفع تلك القوى والوحدات السياسية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية وليس العكس. بالتالي يمكن التأكيد أن هناك نظاما جديدا قائما على التشكل وهو من يحرك “قطع الشطرنج” ومجريات الأحداث الدولية للوصول إلى غاية محددة, وهي تشظي وتفتت النظام المركزي الراهن باتجاه نظام حكم الكثرة أو التعددية القطبية خلال العقود المتبقية من القرن الـ21.
على ضوء ذلك فإن قمة هلسنكي ليست سوى بداية لأحداث كبرى قادمة ستؤكد ذلك الاتجاه. أي اتجاه الأحداث المصنوعة في “مراكز الاضطراب” والتي أصبحت القوى العالمية الراهنة، سواء الولايات المتحدة الأميركية أو روسيا تعمل بناء عليها ووفق منظور وتوجهات النظام العالمي والقوة الدافعة التي تشكل هياكله البنائية, بالتالي يمكن القول وباختصار: إن القوى الكبرى القائمة أصبحت تساير توجهات نظام حكم الكثرة أو نظام التعددية القطبية الفضفاضة على أقل تقدير, وتقوم ببناء استراتيجياتها وتوجهاتها بناء على معطياته وتوجهاته.
إذًا، هل يعني ذلك من ناحية ثانية, أن العالم اليوم يسير وفق اتجاه قدري/ حتمي لا تملك فيه القوى الفاعلة في خضم هذا التيار القوى من تلاطم الأحداث المتلاحقة “السريعة والكثيفة” إلا العمل على مجاراته والسعي لكسب ما يمكن كسبه من مصادر القوة والنفوذ والسلطة من جهة، واحتواء ما يمكن تداركه من خسائر حتمية مؤكدة على طموحاتها وسلطتها وقتها التي طالما حلمت بتحقيقها على رقعة الشطرنج العالمية؟ وبتشبيه بسيط, فإن قوة الجذب المركزية قد تحولت إلى قوة طرد بعيدا عن المركز, وكأن العالم يحاول إعادة بناء مراكز السلطة والقرار من جديد.
من وجهة نظري الشخصية, أتصور أن الجواب على ذلك السؤال هو “نعم”, وأن ما يحدث اليوم, وما سيحدث في مقبل الأيام والسنوات من أحداث ومتغيرات سياسية وجيوسياسية عابرة للحدود الوطنية, وكذلك ما تقوم به أو ستقوم به القوى الكبرى وبقية الوحدات السياسية في المنظومة الدولية من تصرفات وسلوكيات, ستكون محصلة لقوة الدفع الحتمية والقصرية الحاصلة في النظام العالمي القائم على التشكل, أقصد نظام التعددية القطبية الفضفاضة أو نظام حكم الكثرة, وأن توجهات العديد من الدول, خصوصا الكبرى منها أو تلك الطامحة للهيمنة والنفوذ وإن تم التخطيط لها من قبلها بناء على معطيات الحاضر القائم والمستقبل القادم, فإنها لن تزيد عن كونها مسارات حتمية تدفعها محفزات ذلك النظام الذي بات من الضرورة أن تفهمه الأنظمة السياسية القائمة وتتعامل معه وفق ما هو عليه حتى تتمكن من فهمه بشكل صحيح، وبالتالي العمل على بناء منظومتها الخاصة من الاستراتيجيات والمرئيات القادرة على مواكبته والتعامل معه.

إلى الأعلى