الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : القصف الأميركي على “داعش” .. مراجعة أم مخادعة؟

شراع : القصف الأميركي على “داعش” .. مراجعة أم مخادعة؟

خميس التوبي

حين كشف إدوارد سنودن الموظف السابق في وكالة الأمن القومي الأميركية لموقع “ذي إنترسيبت” عن تعاون أجهزة مخابرات بريطانيا وكيان الاحتلال الصهيوني والولايات المتحدة الأميركية لإيجاد تنظيم إرهابي قادر على استقطاب المتطرفين من جميع أنحاء العالم في مكان واحد يكون موجهًا للدول الإسلامية الرافضة لوجوده، لم يكن سنودن ينطق عن هوى نفسه أو نسج خياله وانما بحكم علمه ببواطن الأمور، والتوجيهات التي تلقاها وزملاؤه من العملاء وربما الأدوار التي قاموا بها في هذا الصدد.
وهذا ذاته ما عادت وأكدت عليه هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية السابقة بالفم المليء وبالثقة العمياء في كتابها “خيارات صعبة” ساردة فيه ـ وحسب ما نقلت جريدة الفرات العراقية فقرات منه ـ معطيات عن وقوف أميركَا ورَاء ما يسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام “دَاعش”، حيث قرنت فشل المخطط بقيام الحراك المصري الذي أسقط الرئيس السابق محمد مرسِي .. “شاركنا في ما جرى بالعراق وسوريا وليبيا، لكن ما قام بمصر أضاع كل شيء .. وقد فكرنا في استخدام القوة، لكن الجيش المصري فطن لتحركاتنا بمياه البحر الأبيض المتوسط قبالة الإسكندرية .. كما أن جودة عسكر مصر والالتفاف الشعبي حوله جعلنا ننسحب لمعاودة استراتيجياتنا” .. والوزيرة ذاتها تعترف في شريط فيديو لها أن الولايات المتحدة هي من صنع تنظيم القاعدة لمواجهة غزو الاتحاد السوفيتي في أفغانستان وتوسعه في آسيا، مؤكدة دعم أميركا لهذا التنظيم بالمال والسلاح، وأن أفراده جلبت من الخليج ودول عربية.
إذًا، التاريخ يعيد نفسه، أي أن المنطقة أمام مرحلة جديدة من الفوضى والحروب والإرهاب لا مكان فيها للجيوش، ولا للدول بمعناها الحقيقي، مرحلة تختلف عن تلك السابقة، مرحلة يمكن أن نسميها مرحلة “التدمير الذاتي” وهذا ما أكدت عليه بكل صراحة ووضوح ودون أدنى مواربة هيلاري كلينتون حين قالت “لن يكلفنا غزو العرب شيئًا بعد اليوم، إنهم سيقضون على أنفسهم بأيديهم”. فإذا كان حرث الأرض أنجزه المجندون العرب تحت كذبة “الجهاد” في أفغانستان، وفتح الطرق أمام الاستعمار الأميركي لآسيا، فإن المجندين العرب الجدد وتحت أكاذيب “الجهاد والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة والمساواة” و”التستر بالإسلام” هم ذاتهم اليوم من يحرث الأرض العربية أمام كيان الاحتلال الصهيوني والقوى الامبريالية الاستعمارية الغربية المتحالفة استراتيجيًّا مع الكيان الصهيوني، لتنفيذ المشروع الصهيو ـ غربي، لإعادة رسم خريطة المنطقة وتمزيقها إلى كيانات طائفية متناحرة، وتوزيع ثرواتها، وتتربع على عرشها المستعمرة الكبرى المسماة “إسرائيل” الممتدة من النيل إلى الفرات.
إن هذه المعطيات والحقائق التي غدت تاريخًا جديدًا يضاف إلى تواريخ النكبات والحروب والصراعات الدموية وحقب الاستعمار في المنطقة، تفسر اتساع دائرة سطوة ما يسمى تنظيم “داعش”، وارتكابه المجازر والمذابح بحق الأبرياء والمهادنين والمسالمين، وملاحقة المخالفين لفكرهم المتطرف، ونثر بذور الطائفية والمذهبية، وتهجير المسيحيين في الدول العربية التي يقطنونها.
وما نشاهده اليوم من إعدامات ومجازر ومذابح ممنهجة، وتدمير ممنهج للحضارة العربية والإسلامية وجميع الحضارات التي قامت في المنطقة، لا يمكن أن يكون من وحي هذه التنظيمات الإرهابية، وإنما بإيعاز وتوجيه من صانعيها ومشغِّليها، ومثل هذه الجرائم لا يقف وراءها إلا من له باع طويل في القتل والإرهاب والتدمير والإبادة والعنصرية والكراهية والحقد والإقصاء، وهو ما يؤكد تسريب إدوارد سنودن أن ما يسمى تنظيم “داعش” جاءت ولادته نتيجة زنى وسفاح بين المخابرات البريطانية والصهيونية والأميركية، وهذا ليس بغريب.
إن الفكر الذي بُني وفقه ما يسمى تنظيم “داعش” هو الفكر ذاته الذي بُني عليه تنظيم القاعدة، من حيث التطرف والغلو والتكفير والتدمير والترويع والقتل والإرهاب، وإعدام كل من يخالف هذا الفكر المتطرف، وقد نجح هذا التنظيم في السيطرة على المناطق الرخوة وجذب المتطرفين وكل من لديه انحراف أو استعداد للانحراف والتطرف، وتخيير الرافض لفكره بين التبني أو القتل، ولهذا نجد أن ما يسمى “داعش” ضم في صفوفه كل الإرهابيين والمتطرفين من ما يسمى “جبهة النصرة، والجبهة الإسلامية والجيش الحر”، ولا عجب في ذلك، فصانعها ومشغِّلها واحد.
على أنه وأمام تلك الحقائق، قد يجادل البعض بأن تلك العصابات والتنظيمات الإرهابية لو كانت صناعة أميركية ـ صهيونية ـ بريطانية، فلماذا يعطي الرئيس الأميركي باراك أوباما أوامره للبنتاجون للتدخل العسكري الجوي وشن ضربات على ما يسمى تنظيم “داعش” في العراق؟
بداية، لا بد من الإشارة إلى أن الولايات المتحدة رفضت التدخل لمساندة العراق، ورفضت طلب رئيس الوزراء نوري المالكي لمساندة القوات العراقية في مواجهة التنظيم الإرهابي، وذرًّا للرماد في العيون أرسلت خبراء ومستشارين عسكريين وعناصر لما قالت إنه لتأمين الحماية على العاصمة بغداد، وتوفير الحماية للسفارة الأميركية وأعضائها. وما يجدر ملاحظته هنا هو أن الضربات الجوية الأميركية جاءت بعد نداءات استغاثة من قبل الأكراد لمساعدة قوات البشمرجة في مواجهة “داعش”، وإبعاد الخطر عن المناطق التابعة لإقليم كردستان وعاصمته أربيل، كما أن الضربات الجوية الأميركية حتى الآن مركزة على ما يعتبره الأكراد حدودًا لإقليمهم، ومن يتتبع مسار الضربات يلحظ ذلك، وتجنب استهداف التنظيم الإرهابي في مواقع تمركزه في محافظات غرب العراق، وهذا في تقديري يحمل أحد احتمالين: الأول: ربما تمرد ما يسمى تنظيم “داعش” على أسياده ومشغِّليه، وتخطِّيه الخطوط الحمراء باجتياح مناطق كردية وتهديد مناطق الإقليم بأكملها. والثاني: من المحتمل إيعاز الصنَّاع والمشغِّلين لتنظيمهم الإرهابي بتهديد مناطق إقليم كردستان ما سيجبر الأكراد على طلب النجدة من الأميركيين، الأمر الذي سيسمح لهم بإخضاع الأجواء العراقية تحت السيطرة الأميركية وهو ما كان نوري المالكي يرفضه جملةً وتفصيلًا، وبالتالي يتحقق للأميركيين ما أرادوا من منع ما يزعمونه من إمدادات إيرانية من السلاح لسوريا وحزب الله، مع العلم أن الولايات المتحدة فور مباشرتها الغارات الجوية فرضت حظرًا على الطيران المدني في الأجواء العراقية. فهل يا ترى هذا التدخل الأميركي الجوي هو جراء مراجعة لخطأ كارثي ارتكبوه على غرار ما ارتكبوه بإيجاد تنظيم القاعدة، ويريد الأميركيون الحد من خطورة تنظيم “داعش” في الحاضر أو المستقبل؟ أم أن الأمر ينطوي على مخادعة باستغلال الدعاية حول “داعش” للعودة إلى إخضاع العراق والسيطرة عليه، ولو جويًّا، ومراقبة الامتداد الجغرافي من إيران، ثم العراق حتى سوريا ولبنان، لا سيما وأن السيناتور الجمهوري المتطرف جون ماكين يشن حاليًّا حملة شعواء ضد الرئيس باراك أوباما لحمله على مد الضربات الجوية حتى سوريا، بحجة دعم ما يسمى “الجيش الحر”؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة.

إلى الأعلى