السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / نهاية الحكومة التقليدية .. رؤية إلى الشكل النهائي لحكومات المستقبل

نهاية الحكومة التقليدية .. رؤية إلى الشكل النهائي لحكومات المستقبل

محمد بن سعيد الفطيسي

”.. تجمع اغلب المعاجم على تعاريف متقاربة حول مفهوم الحكومة, فتعرف بأنها الهيئة التي تمتلك القوة الشرعية لفرض الترتيبات والأحكام والقوانين اللازمة للحفاظ على الأمن والاستقرار في المجتمع وتنظيم حياة الأفراد المشتركة, ويعرفها البعض بأنها: شكل من أشكال ممارسة السلطة في المجتمعات,”
ـــــــــــ
عند محاولة البحث عن تعريف دارج لمفهوم الحكومة لدى اغلب الناس فانه يتبادر لأذهاننا من أول وهلة عدد كبير من المؤسسات الحكومية والموظفين العاملين تحت مظلتها بداية من الحاكم والوزراء حتى اصغر عامل فيها, وعدد اكبر من القوانين والقرارات والتوجيهات التي تقوم بتسيير العمل الرسمي في تلك الحكومة بغض النظر عن أنواعها وأشكالها وتوجهاتها او تسمياتها ومسمياتها التي تحدد تكوينها وبناءها, كالتكوين الفلسفي مثالا على ذلك حكومة ليبرالية متحررة او حكومة اشتراكية او جماعية او إسلامية, او بناء على بنائها الدستوري كحكومة ملكية او جمهورية او التصنيفات الجديدة كالحكومة الفردية : الملكية المطلقة – الجمهورية الديكتاتورية, او حكومة القلة: الملكية – الجمهورية او حكومة الأغلبية أو الحكومة الشعبية الديموقراطية ذات النظام البرلماني – النظام الرئاسي, لذلك يختلف تعريفها اصطلاحا باختلاف تكوينها وشكلها النهائي.
وتجمع اغلب المعاجم على تعاريف متقاربة حول مفهوم الحكومة, فتعرف بأنها الهيئة التي تمتلك القوة الشرعية لفرض الترتيبات والأحكام والقوانين اللازمة للحفاظ على الأمن والاستقرار في المجتمع وتنظيم حياة الأفراد المشتركة, ويعرفها البعض بأنها: شكل من أشكال ممارسة السلطة في المجتمعات, ويعرفها آخرون بأنها تلك الأجهزة التي تمارس الدولة عن طريقها سلطتها السياسية من حيث كيفية إسناد السلطة وكيفية ممارستها, وباختصار يمكننا القول بأنها: مجموعة المؤسسات الرسمية والأفراد الذين يعملون تحت مظلتها, ويمارسون السلطة باسمها وبقوة القوانين والتوجهات التي تعمل بناء عليها.
ونحن عندما نتحدث عن نهاية الحكومة التقليدية بتسمياتها ومسمياتها سالفة الذكر او الشكل النهائي للحكومات فإننا لا نقصد فشل بعض تلك الحكومات السابقة بشكل نهائي بمقوماتها ومعاييرها التي تعمل عليها ومن خلالها اليوم , بقدر ما نؤكد على إمكانية صلاحيتها من عدمه للبقاء والاستمرار في الألفية الثالثة بكل رسوخ وثبات وقوة بناء على العديد من المعطيات والتحولات القائمة والقادمة في تكوين بناء وهياكل حكومات المستقبل من جهة , وبناء على معايير وقواعد ومقاييس ومقومات نجاح الحكومة قي الألفية الثالثة والتي نرى من وجهة نظرنا أنها وحدها ستؤكد بقاء واستمرار تلك الحكومات او انقراضها وتلاشيها في العقود المتبقية من القرن 21 من جهة أخرى.
وتتركز ابرز تلك التحديات والعقبات القائمة والقادمة والتي تواجه وستواجه الحكومات بكل أشكالها وتوجهاتها, ومنها ومن خلالها يمكن استنتاج ابرز الأوراق الرابحة والتي ستشكل مواضع القوة والرسوخ والثبات للحكومات القائمة, وبناء عليها يمكن تسميتها حكومة مستقبلية سيكتب لها الاستمرار والنجاح والتفوق في الألفية الثالثة, وتلك التحديات والعقبات والعوائق هي:
(1) تراجع او انعدام منسوب ثقة المواطن بحكومته, والتي نعتقد من وجهة نظرنا أنها ابرز العقبات التي تعاني منها معظم الحكومات الراهنة بمختلف مسمياتها وتوجهاتها, ومنها تبرز معظم التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية وغير ذلك, والتي تتسبب اليوم بالصراعات والانقسامات والثورات الداخلية والمشاققات السياسية والثقافية بين الشعوب وحكوماتها, وهي بكل تأكيد نتاج واضح لعدم وجود الشخصيات القيادية والاختصاصية المناسبة.
(2) افتقاد المجتمع لدستورعادل وقوانين شاملة يتم تطبيقها على الجميع دون استثناء او تمييز من جهة, ومرنة وقابلة لمواكبة تغيرات وتطورات المراحل الزمنية ومتطلبات العصر من جهة أخرى, وكذلك افتقادها لمؤسسات مجتمع مدني قوية وفاعلة , ويقصد بمؤسسات المجتمع المدني إجرائيا : مجموعة المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمهنية التي تعمل في ميادينها المختلفة في استقلال عن سلطة الدولة لتحقيقها أغراض متعددة سواء كانت نقابية او ثقافية او اجتماعية, فالقوانين هي من يحقق العدل والذي هو أساس الملك والاستقرار والطمأنينة من جهة, أما مؤسسات المجتمع المدني فهي ما يحقق التوازن في عملية بناء الدولة بمختلف جوانبها وتقوم على تعزيز مفاهيم الحكم الرشيد فيها من جهة أخرى.
(3) سيطرة المركزية الحكومية على الحياة العامة والبعد الاستراتيجي والاستشرافي للتخطيط, وتفشي بيروقراطية المكاتب في عصر التقدم التكنولوجي والحواسيب العملاقة, حيث ولدت البيروقراطية مع نشوء الدولة الحديثة المعززة بجيش ضخم من الموظفين, ويعرفها مبتكرها العالم الألماني ماكس ويبر بأنها: ( تنظيم المكاتب الذي يتبع مبدأ الهيكلية المكاتبية، أي أن مكتبا صغيرا في السلطة والصلاحية يتبع مكتبا أعلى منه، والمكتب الأعلى منه يتبع مكتبا أعلى آخر , والبيروقراطية هي المكاتب التي تستخدمها مؤسسات الدولة لتسيير الشئون العامة) انظر في أسباب فشل البيروقراطية في دراسة لنا تحت عنوان: قراءة استشرافية: مستقبل البيروقراطية الإدارية ومركزية السلطة الحكومية في الألفية الثالثة.
(4) وجود أفراد وشخصيات غير مناسبين في مناصب يفترض أنها مناصب قيادية واختصاصية لابد ان يتوفر في شخوص من يتقلدها المعايير القيادية او الاختصاصية السليمة والمناسبة لإدارة المرحلة الزمنية الراهنة بكل تحدياتها الداخلية او الخارجية والتي تنعكس سلبا او إيجابا على المجتمع والدولة , لان وجود القيادات المناسبة يترتب عليه وجود قوانين عادلة وشاملة وقرارات سليمة ومناسبة ومرئيات وخطط ذات بعد ورؤية مستقبلية قادرة على تحقيق مفهوم الرسوخ والثبات والاستمرار لحكومة المستقبل من جهة , وبناء عليها يتحقق الأمن والاستقرار والطمأنية والكرامة والديمقراطية في ذلك الكيان الوطني.
إذا ومن خلال النقاط سالفة الذكر يمكننا التعرف على أهم وابرز الأوراق الرابحة والتي ستشكل مواضع القوة والرسوخ والثبات للحكومات القائمة في الألفية الثالثة والتي نجملها في النقاط التالية:
(1) الشفافية الحكومية والعمل على توطيد ثقة المواطن بكل الوسائل والسبل في المؤسسات الرسمية والموظفين العاملين بها والقوانين والقرارات والخطط والمرئيات الحكومية, فبدون الثقة في كل ذلك سيرتفع منسوب الشك والريبة والخوف من كل تحركاتها وتوجهاتها وقوانينها وموظفيها, بداية من الحاكم وحتى اصغر عامل بها, ما سيؤدي في نهاية المطاف الى تفتت النظام وانقسام الدولة.
(2) ضرورة وجود دستور عادل وشامل تنبثق منه جميع القوانين ويحتكم إليه في كل اختلاف, فالدستور والقوانين هي الحاكم الحقيقي لأي دولة مدنية تسعى لتحقيق الشكل النهائي لإنسانية الإنسان , وكذلك ضرورة العمل على تقوية مؤسسات المجتمع المدني سواء كانت تلك المؤسسات برلمانية او ثقافية او اجتماعية, فالدولة (من اجل تهيئة شروط صيرورتها كدولة وطنية حقا, ومن اجل مواجهة عوائق تلك الصيرورة, فإنها تحتاج الى إطلاق صيرورة ونمو مؤسسات المجتمع المدني من اجل توسعة جغرافيته, ومعها توسعة مساحة المجال السياسي فيه ) و(تخطئ نخبة الدولة والسلطة ان هي اعتقدت ان قيام مجتمع مدني حديث يهدد كيانها,بل ان استقرار من حيث هي دولة ومعه استقرار المجتمع المدني برمته , رهن برسوخ مؤسسات هذا المجتمع , وثقافة هذا المجتمع الحديثة في الحياة الوطنية)
(3) تقليص المركزية الحكومية والعمل على مبدأ فصل السلطات الثلاث, السلطة القضائية والتنفيذية والتشريعية, فمبدأ الفصل بين السلطات التشريعيه والتنفيذية والقضائية يخدم فكرة التخصص ويرسي سيادة القانون وهو من أهم الشروط لبناء مجتمع ديمقراطيّ، حيث يحول الفصل دون جمعها وتركيزها في يد فئه أو مجموعه من الأفراد,
( كما يعد هذا المبدأ خير ضمانة لحماية حقوق وحريات الأفراد، ومنع الحكام من الاستبداد وإساءة استعمال السلطة، فجمع السلطات بيد شخص واحد أو هيئة واحدة يتيح الفرصة لإساءة استعمال السلطة وانتهاك حقوق وحريات الأفراد من دون وجود رقيب، ومن دون إعطاء فرصة للأفراد للدفاع عن حقوقهم وحرياتهم أمام جهة أخرى…
أما توزيع السلطات بين عدة هيأت عديدة مع الفصل بينها، فانه يفسح المجال لكل هيئة في مراقبة أعمال الهيئتين الاخريين. بما يؤدي إلى منعها من التجاوز أو الإساءة وانتهاك حقوق وحريات الأفراد وقد عبر عن هذه الميزة المفكر الفرنسي مونتسكي قائلا : إن مبدأ الفصل بين السلطات قد وجد لكي توقف كل سلطة من السلطات الأخرى عند حدها وانه إذا اجتمعت سلطتان أو أكثر في يد واحدة انعدمت الحرية ولو كانت يد الشعب ذاته كذلك فان مبدأ الفصل بين السلطات يؤدي إلى ضمان تحقيق مبدأ المشروعية وسيادة القانون).
(4) تولي المناصب الحكومية وخصوصا القيادية منها ومن ثم التخصصية بناء على شرعية الانجاز والسيرة الذاتية والشهادات العلمية وليس شرعية التقليد, فلا يمكن بحال من الأحوال ان تتقدم امة وطنية يديرها شخوص ولولا ذلك إكراما لأجدادهم وآبائهم او لانتماءاتهم القبلية او المذهبية او الحزبية او غير ذلك من الشرعيات المدمرة, وهم لا يملكون أي شيء يقدمونه لوطنهم, ففاقد الشيء لا يعطيه, بل على العكس من ذلك فأنهم سيصبحون العائق الأكبر أمام تقدم الوطن وتنميته ونهضته, وسيكونون المعطل الأبرز للتحديث والتطوير وسبب رئيسي لانخفاض او تراجع وانعدام منسوب الثقة سالف الذكر, كذلك ومما يجب التنبه إليه في هذه الناحية وهو المدة الزمنية لتولي المناصب القيادية والتخصصية, بحيث يتوجب ان لا تزيد من وجهة نظري عن دورتين برلمانيتين كأقصى تقدير.
عليه فان الحكومات التقليدية اليوم ستتوجه نحو التآكل وستسير نحو الانهيار مع الوقت نظرا لعدم قدرتها على مواكبة التغيرات المعاصرة في قضايا الحكم وإدارة الدولة الحديثة كما سبق واشرنا, ولعدم قدرة الأكثر منها على مواكبة المتغيرات التكنولوجية السريعة في الألفية الثالثة, وهو أمر لابد من إدراكه والتنبيه إليه والسعي الى تقليص اكبر قدر ممكن من تبعاته واحتواء ما يمكن احتواؤه من انعكاساته السلبية على كيان الدولة ومستقبل الحكومة التي تقوم بتسيير الحياة اليومية بكل أشكالها فيها, وفي النهاية لابد من التطوير المؤسساتي وتطويع تلك الحكومات لمواكبة تلك المتغيرات المعاصرة في عصر العولمة العابرة للقارات.

إلى الأعلى