الثلاثاء 20 أغسطس 2019 م - ١٨ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / القنص الاستهلاكي والجزية السياحية

القنص الاستهلاكي والجزية السياحية

عادل سعد

إن استفحال ظاهرة الاستهلاك والوقوع تحت طائلة نزعة التملك هي ظاهرة عالمية الآن, ولكن وعلى وفق معايير ميدانية دقيقة أن (الزبون) العربي هو الأقرب في كل الأحوال للوقوع في المتوالية الشرائية، مع ملاحظة أن الابتعاد عن مفهوم الاكتفاء يظل جزءا أساسيا من منظومة المعايير التي تحكم الأشخاص حديثي النعمة، وهكذا يتواصل مشهد القنص الاستهلاكي (نموذجا) عربيا بامتياز.

مع ارتفاع معدلات الغزو السياحي العربي صيفا, لدي ما يسعفني في الدفاع عن وجهة نظري أن كل الذين يقعون تحت ضغط الحس الاستهلاكي يتحولون مع مرور الوقت إلى (بضاعة) ليس إلا, استنساخا لحال الانشغال المتواصل بهذا التوجه، إذ بذلك يكونون تدريجيا جزءا من المشهد، ولكنه جزء متحرك حسب الأسواق التي يقصدونها.
أستطيع أن أدافع عن رأيي بقوة أن وضع هؤلاء المتبضعين يأخذ طابعا أكثر استجلابا للإدمان تماما، كما يقع الشخص تحت وطأة إدمان التدخين أو تصفح مواقع الإنترنت أو إدمان المخدرات, ولكن في كل الأحوال، إن إدمان التسوق هو في الواقع ابتعاد عن القناعة بما نملك والأخطر عندما يبحث الإنسان عن علاج لتعاسته بالشراء، وهذا ما أكد عليه العديد من الدراسات النفسية التي أشارت أيضا إلى أن أغلب المصابين بالبدانة نتيجة الإفراط في الأكل يقبلون على التهام الطعام بكميات كبيرة عند وقوعهم في حالات إحباط وإهمال النظر إلى أنفسهم.
وأعتقد جازما أن فكرة التسوق من خلال إقامة البازارات بأسماء أيام الأسبوع والشهور والسنوات والبازارات الدورية هو في حقيقة الأمر جزء لا يتجزأ من العملية الاستهلاكية المحبوكة أصلا, وفق آليات على درجة من الضبط الموقعي في دائرة محكمة من الإغراءات التجارية.
إن استفحال ظاهرة الاستهلاك والوقوع تحت طائلة نزعة التملك هي ظاهرة عالمية الآن, ولكن وعلى وفق معايير ميدانية دقيقة أن (الزبون) العربي هو الأقرب في كل الأحوال للوقوع في المتوالية الشرائية، مع ملاحظة أن الابتعاد عن مفهوم الاكتفاء يظل جزءا أساسيا من منظومة المعايير التي تحكم الأشخاص حديثي النعمة، وهكذا يتواصل مشهد القنص الاستهلاكي (نموذجا) عربيا بامتياز. وتشخيصه لا يحتاج إلى دراسات أو بحوث؛ لأن ما تراه واضحا للأنظار في تدقيق بسيط لعناوين استجلاب الشراة للأسواق ومن أكثرها شيوعا ((اشتري قطعتين ولك قطعة ثالثة مجانا)), ودائما تكون القطعة المجانية من البضائع الراكدة التي لا تثير الانتباه, ويجد الباعة صعوبات في تصريفها. وحسب معلومات موثقة أن هذا النوع من العروض يستقطب السائح العربي على أمل أن تكون القطعة الثالثة هدية إلى أحد الأقارب أو الأصدقاء.
كما تستخدم قطع الحلوى (عربونا) لإدخال الشراة إلى المحل وغالبا ما تقع خصومات وشجار بين المتبضعين في العائلة الواحدة عندما يعود الجميع إلى المأوى الذي يضمهم، وتبدأ عمليات تقييم ما تم شراؤه، ثم يتطور الوضع إلى كوابيس، خصوصا إذا شعر البعض أنه لم يحسن اختيار ما اشتراه، وتتكرر دوامة الاستهلاك في يوم آخر ضمن متوالية نفسية، وصفها الفيلسوف الألماني اريك فروم بالمحاولات اليائسة للحصول على أفراح وقتية.
لقد تناقصت الألفة والحوارات والود بين الناس بتحول نزعة الامتلاك إلى قاسم مشترك للجميع، حيث تتكدس الأشياء في الخزانات ضمن دورة موسعة من الاقتناء والإعجاب بهذه البضاعة أو تلك, ويتحول الإنسان وخصوصا النساء إلى طارد حقيقي للاستقرار والقناعة. ويأخذ هذا التوجه مجاله الرحب في شراء مواد التجميل والإكسسوارت، مع يقيني أن أصحاب دكاكين الزينة والتجميل وصالونات الحلاقة النسائية اختصاص في معرفة ضعف المرأة أمام أية معلومات تجعلها أكثر (جمالا) في مسابقة غير مجدية مع سنوات العمر، وما تترك من حالات اندثار في الملامح.
والسؤال هنا: هل هناك فرصة ما لمعالجة الحس الاستهلاكي المنفلت؟ لا تبدو الوسيلة سهلة في ذلك, ولكن لا بأس من التدرب على القناعة, إنها مهمة شاقة نفسيا واجتماعيا، وعندها يكون الإنسان قد التقط أنفاسه من خلال الترشيد بوصفه حلا عقلانيا يستحق المكوث عنده.

إلى الأعلى