الأربعاء 21 نوفمبر 2018 م - ١٣ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / خطبة الجمعة: أَصْحَابُ الْكَهْفِ .. إِيمَانٌ وَهُدًى
خطبة الجمعة: أَصْحَابُ الْكَهْفِ .. إِيمَانٌ وَهُدًى

خطبة الجمعة: أَصْحَابُ الْكَهْفِ .. إِيمَانٌ وَهُدًى

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ، هُدًى وَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيـكَ لَهُ، بِيَدِهِ الأَجْرُ والثَّوَابُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، عَالِي الْقَدْرِ وَرَفِيعُ الْجَنَابِ، صلى الله عليه وسلم وَعَلَى آلِهِ وَالأَصْحَابِ، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الْحَشْرِ وَالْمَآبِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: اتَّقوا اللهَ تَعَالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ كَانَ يَتَنَزَّلُ بِحَسَبِ الْوَقَائِعِ وَالأَحْدَاثِ مُثَبِّتًا لِقَلْبِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، وَمُؤَازِرًا لِدَعْوْتِهِ، وَمُوَجِّهًا لِمَوَاقِفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، وَكَمْ قَصَّ عَلَيْهِ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ َأَحْدَاثٍ، تَعَامَلُوا مَعَهَا تَعَامُلاً يَبْهَرُ النَّاظِرَ، وَيَسُرُّ الْخَاطِرَ، وَيُثْلِجُ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ، مِمَّا حَوَى بَالِغَ الْعِبْرَةِ وَالْعِظَةِ، وَشَمِلَ نَاصِعَ التَّوْجِيهِ وَالإِرْشَادِ، يَقُولُ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111) سورة يوسف، وَمِنْ بَيْنِ تِلْكَ الْقِصَصِ – أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ – قِصَّةٌ عَظِيمَةٌ تَحْوِي الْعِبَرَ الْبالِغَةَ، وَالْعِظَاتِ الْمُؤَثِّرَةَ؛ إِنَّهَا قِصَّةُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى ( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) سورة الكهف )، نَعَمْ .. كَانُوا فِتْيَةً فِي مُقْتَبَلِ أَعْمَارِهِمْ، جَمَعَهُمْ إِيمَانُهُمْ بِاللهِ وَالْخَوْفُ مِنْهُ عَلَى مُفَارَقَةِ ضَلالِ قَومِهِمْ، وَالالْتِجَاءِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، طَالِبينَ مِنْهُ أَنْ يَرْحَمَهُمْ وَيَفْتَحَ لَهُمْ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْفَرَجِ، وَأَنْ يُرْشِدَهَمْ إِلَى أَفْضَلِ السُّبُلِ فِي مُقَاوَمَةِ الْمُجْتَمَعِ الْمَوْبُوءِ بِالشِّرْكِ وَالضَّلالِ، فَكَانَ دُعَاؤُهُمْ ” إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا” (10) سورة الكهف . وَفِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ – يا عِبَادَ اللهِ ـ وَهُمْ فِتْيَةٌ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُهْمِلُوا شَبَابَهُمْ فِي الْعَمَلِ الْفَارِغِ وَاللَّهْوِ الْبَاطِلِ، وَآزَرَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ أَخَاهُ فِي الصَّبْرِ وَالْمُصَابَرَةِ، وَالْمَرْءُ قَلِيلٌ بِنَفْسِهِ كَثِيرٌ بِإِخْوَانِهِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
مَا الَّذِي جَمَعَ أُولَئِكَ الْفِتْيَةَ عَلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ؟ كَيْفَ اسْتَطَاعُوا أَنْ يَصِلُوا إِلَى الْحَقِيقَةِ النَّاصِعَةِ وَسْطَ الْمُحِيطِ الْمُتَلاطِمِ بِأَمْوَاجِ الْكُفْرِ وَالإِلْحَادِ وَالإِشْرَاكِ بِاللهِ الْوَاحِدِ الأَحَدِ؟ لَقَدْ تَدَاوَلُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ – كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي قِصَّتِهِم- الْمُعْتَقَدَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ قَوْمُهُمْ بِالنَّقْدِ وَالتَّحْلِيلِ، وَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُ لا يَسْتَنِدُ إِلَى حُجَّةٍ وَلا يَعْضُدُهُ دَلِيلٌ، رَفَضُوهُ قَطْعًا، وَاتَّجَهَتْ بِهِمْ عُقُولُهُمُ النَّيِّرَةُ إِلَى الإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى الْوَاحِدِ الْأَحَدِ الْفَرْدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، يَقُولُ تَعَالَى: ” وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14)”، نَظَرُوا نَظَرَ اعْتِبَارٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، فَرَأَوْا شَوَاهِدَ وُجُودِ الْحَقِّ تَعَالَى وَوَحْدَانِيَّتِهِ ظَاهِرَةً فِي آثَارِ مَا خَلَقَ، نَاطِقَةً بِتَوْحِيدِهِ، صَادِعَةً بِوُجُودِهِ، فَسُبْحَانَهُ عَرَفَهُ الْمُؤْمِنُ وَلَمْ يَرَهُ، وَجَحَدَهُ الْكَافِرُ وَوُجُودُهُ شَاهِدٌ عَلَى وُجُودِهِ، كَيْفَ يَخْفَى وَالشَّمْسُ بَعْضُ آيَاتِهِ؟ أَمْ كَيْفَ يُدْرَكُ وَالرُّوْحُ بَعْضُ أَسْرَارِهِ؟ فَالتَّفْكِيرُ السَّلِيمُ أَوَّلاً، يَتْبَعُهُ الاقْتِنَاعُ وَالإِيمَانُ ثَانِيًا، سَلِمَ تَفْكِيرُهُمْ مِنْ غَبَشِ التَّصَوُّرِ وَبَرِئَتْ صُدُورُهُمْ مِنْ أَوْضَارِ التَّقْلِيدِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا: ” هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15) “. فَتِلْكَ الآلِهَةُ الْمَزْعُومَةُ الَّتِي كَانَ يَتَوَجَّهُ إِلَيْهَا قَوْمُهُمْ بِالضَّرَاعَةِ وَالدُّعَاءِ، مَا كَانَتْ لِتَجْذِبَهُمْ بِضَخَامَةِ أَحْجَامِهَا، وَلا بِجَمَالِ نُقُوشِهَا، وَلا بِكَثْرَةِ الطَّائِفِينَ حَوْلَهَا، وَلا بِأَنْوَاعِ الْقَرَابِينِ وَالنُّذُورِ الَّتِي كَانَتْ تُسَاقُ إِلَيْهَا، لَمْ يَكُنْ كُلُّ ذَلِكَ مَانِعًا لِهَؤُلاءِ الْفِتْيَةِ مِنْ أَنْ يَنْظُرُوا وَيَتَفَكَّرُوا فِي الْخَلْقِ مِنْ حَوْلِهِمْ، وَيَشْهَدُوا للهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ الإِلَهُ الْوَاحِدُ الأَحَدُ، الْفَرْدُ الصَّمَدُ، لا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَلا خَالِقَ سِوَاهُ، وَأَنَّهُ هُوَ الْحَقِيقُ بِالْعِبَادَةِ وَالتَّضَرُّعِ وَالدُّعَاءِ.
مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ:
اُنْظُرُوا إِلَى لُطْفِ اللهِ تَعَالَى بِأُولَئِكَ الْفِتْيَةِ، كَيْفَ اعْتَزَلُوا ضَلالَ قَوْمِهِمْ فَآوَاهُمُ اللهُ بِرَحْمَتِهِ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ: ” وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (16) “، فَأَنَامَهُمُ اللهُ مُدَّةً طَوِيلَةً وحَفِظَ أَجْسَادَهُمْ مِنَ الْبِلَى، لقد كَانَ ذَلِكَ الْكَهْفُ ذَا تَهْوِيَةٍ عَجِيبَةٍ، تَسْتَقْبِلُهُ الشَّمْسُ إِذَا طَلَعَتْ فَتَمِيلُ أَشِعَّتُهَا عَنْهُ، وَإِذَا غَرَبَتْ نَالَتْ أَشِعَّتُهَا مِنْهُ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ، وَكُلُّ ذَلِكَ لإِبْقَاءِ الْجَوِّ لَطِيفًا مُنَاسِبًا لِبَقَائِهِمْ: ” وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (17) ” وَمِنَ الْعَجِيبِ أَنَّ النَّاظِرَ إِلَيْهِمْ لا يَشُكُّ أَنَّهُمْ مُسْتَيْقِظُونَ لَيْسُوا بِنَائِمِينَ، وَمَنْ حَاوَلَ الاقْتِرَابَ مِنْهُمْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى فِي قَلْبِهِ مِنَ الرُّعْبِ مَا يَجْعَلُهُ يُوَلِّي هَارِبًا، وَمَا بَيْنَ فَيْنَةٍ وَأُخْرَى يُغَيِّرُ اللهُ تَعَالَى وَضْعِيَّةَ رُقَادِهِمْ يَمِينًا وَشِمَالاً لِئَلا تَأْكُلَ دَابَّةُ الأَرْضِ أَجْسَادَهُمْ، وَلِئَلا تَتَقَرَّحَ جُلُودُهُمْ، يَقُولُ تَعَالَى : “وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (18) ثُمَّ بَعَثَهُمُ اللهُ تَعَالَى مِنْ رُقَادِهِمْ،” وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ (19) . تَاللهِ إِنَّهَا لآيَةٌ عَجِيبَةٌ، وَظَاهِرَةٌ غَرِيبَةٌ! كَيْفَ يَنَامُ أُولَئِكَ الْفِتْيَةُ بِكَهْفٍ مُدَّةَ ثَلاثِمِئَةِ عَامٍ وَفَوْقَهَا تِسْعَةُ أَعْوَامٍ ثُمَّ يَسْتَيْقِظُونَ أَحْيَاءً! أَلَمْ تَتَحَلَّلْ أَجْسَامُهُمْ؟ أَلَمْ تَبْلَ عِظَامُهُمْ؟ كَانَ هَذَا هُوَ الْمُفْتَرَضَ فِي قَانُونِ الطَّبِيعَةِ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى خَرَقَ لِأُولَئِكَ الْفِتْيَةِ ذَلِكُمُ الْقَانُونَ، وَكَسَرَ لَهُمْ تِلْكَ الْعَادَةَ، لِيُبَرْهِنَ لِلنَّاسِ حِفْظَهُ لأَهْلِ الإِيمَانِ، فَلُطْفُهُ تَعَالَى لَا يَغِيبُ عَنْ كُلِّ مَوْصُولٍ بِهِ، وَبَعْدَ الاسْتِيقَاظِ – يَا عِبَادَ اللهِ- حَرَّكَتْهُمُ الطَّبِيعَةُ الْبَشَرِيَّةُ فَحَمَلَهُمُ الْجُوعُ عَلَى إِرْسَالِ أَحَدِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيَأْتِيَ لَهُمْ بِطَعَامٍ، قَالَ قَائِلُهُمْ : (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ) الكهف 19 ، نَعَمْ، لا يَشْعُرُ بِهِمْ أَحَدٌ، إِنَّهُ الْحِرْصُ الدَّائِمُ عَلَى الإِيمَانِ وَخَوْفُ الْفِتْنَةِ فِي الدِّينِ .
فَاتَّقُوا اللهَ – يَا عِبَادَ اللهِ-، وَخُذُوا مِنْ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ مَا يُعِينُكُمْ عَلَى تَقْوِيَةِ إيمَانِكُمْ وَيُقَرِّبُكُمْ إِلَى مَرضَاةِ رَبِّكُمْ.
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.
*** *** ***
الْحَمْدُ للهِ، وَنَشْهَدُ أَن لاَّ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَريكَ لَهُ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم وَعَلَى آلِهِ وَصَحْـبِهِ وَمَنْ وَالاهُ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ:
وَقَفَ بِنَا كِتَابُ اللهِ تَعَالَى عَقِبَ سَرْدِهِ لِقِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ عَلَى مَوَاطِنِ الْعِظَةِ وَالْعِبْرَةِ فِيهَا؛ فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَا حَدَثَ لَهُمْ مِمَّا هُوَ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ دَلِيلٌ عَلَى إِمْكَانِ الْبَعْثِ وَصِدْقِ أَمْرِ السَّاعَةِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ” وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا ” فَالَّذِي أَنَامَ أَصْحَابَ الْكَهْفِ هَذِهِ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ ثُمَّ أَيْقَظَهُمْ؛ قَادِرٌ عَلَى بَعْثِ النَّاسِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وَمِنْ ذَلِكَ نَهْيُ الْقُرْآنِ عَنِ الْمِرَاءِ فِي شَأْنِهِمْ طَلَبًا لاسْتِقْصَاءِ تَفَاصِيلِ خَبَرِهِمْ، اكْتِفَاءً بِمَا أوْرَدَهُ مِنْ قِصَّتِهِمْ ” قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (22) ” وَقَدْ نَبَّهَ كِتَابُ اللهِ تَعَالَى كَذَلِكَ عَلَى أَنْ يَرْبِطَ الإِنْسَانُ مَا عَزَمَ عَلَى إِتْيَانِهِ مُسْتَقْبَلاً بِمَشِيئَةِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلا: ” وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ” يَ جُمْلَةٌ تُفْصِحُ عَمَّا وَقَرَ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنَّ حُصُولَ أَيِّ أَمْرٍ وَوُقُوعَهُ مَرْهُونٌ بِإِرَادَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَمَشِيئَتِهِ، وَكَمْ يَعْزِمُ الإِنْسَانُ عَلَى شَيْءِ يَفْعَلُهُ فَتَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا أَرَادَ عَوَائِقُ لَمْ تَكُنْ فِي حُسْبَانِهِ، وَهُوَ دَلِيلُ افْتِقَارِهِ إِلَى الْغَنِيِّ الْقَادِرِ الَّذِي بِيَدِهِ الْحَوْلُ وَالطَّوْلُ وَإِلَيْهِ تَصَارِيفُ الأُمُورِ: ” أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)” الاعراف وَهَكَذَا أَرَشَدَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ إِلَى أَنْ يَسْأَلَ الْمَرْءُ رَبَّهُ خَيْرًا مِمَّا هَيَّأَهُ لأَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَمَا أَجَمَلَ مَا عُلِّمَ نَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم مِنَ الدُّعَاءِ: ” وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24) ” الكهف ، هَذَا وَقَدْ خَتَمَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ تَوْجِيهَاتِهِ بِخُصُوصِ هَذِهِ الْقِصَّةِ بِأَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ هُمَا مِنَ الأَهَمِّيَّةِ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ بِمَكَانٍ؛ أَوَّلُهُمَا: الإِكْثَارُ مِنْ تِلاوَةِ الْقُرْآنِ: ” وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27) ” وَثَانِيهِمَا: اتِّخَاذُ الرُّفْقَةِ الصَّالِحَةِ، الَّتِي يَأْخُذُ أَفْرَادُهَا بِأَيْدِي أَنْفُسِهِمْ إِلَى الْخَيْرِ، وَيَتَوَاصَوْنَ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَالْمَرْحَمَةِ: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) الكهف
فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ-، وَاحْرِصُوا عَلَى الأَخْذِ بِأَسْبَابِ السَّلامَةِ فِي دِينِكُمْ، وَتَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الْوَصَايَا الْعَظِيمَةِ، عَسَى أَنْ يَصْدُقَ فِيكُمْ قَوْلُ اللهِ ” إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30) ” هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) ” الاحزاب
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظَّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ بِكَ نَستَجِيرُ، وَبِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثُ أَلاَّ تَكِلَنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ يَا مُصْلِحَ شَأْنِ الصَّالِحِينَ.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِ نِعْمَتَكَ، وَأَيِّدْهُ بِنُورِ حِكْمَتِكَ، وَسَدِّدْهُ بِتَوْفِيقِكَ، وَاحْفَظْهُ بِعَيْنِ رِعَايَتِكَ.
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا وَزُرُوعِنَا وكُلِّ أَرْزَاقِنَا يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ.
عِبَادَ اللهِ:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) النحل

إلى الأعلى