الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م - ١٥ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سورة الكهف (51)

سورة الكهف (51)

اعداد ـ أم يوسف
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد .. نعيش مع سورة الكهف من خلال تفسير )الجامع لأحكام القرآن( للقرطبي.
سميت ‏سورة ‏الكهف ‏لما ‏فيها ‏من ‏المعجزة ‏الربانية ‏في ‏تلك ‏القصة ‏العجيبة ‏الغريبة ‏قصة ‏أصحاب ‏الكهف‎، وهي مكية، من المئين نزلت بعد سورة (الغاشية)، تبدأ باسلوب الثناء، بدأت بالحمد لله، تحدثت السورة عن قصة ذي القرنين وسيدنا موسى والرجل الصالح، وهي إحدى سور خمس بُدِئت بـ(الحمد لله) وهذه السور هي:(الفاتحة، الأنعام، الكهف، سبأ، فاطر) وكلها تبتدئ بتمجيد الله ـ جلَّ وعلا ـ وتقديسه والاعتراف له بالعظمة والكبرياء والجلال والكمال.
)وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا، وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا، الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا، أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا، قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا(.
قوله تعالى:(وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) الضمير في (تركنا) لله تعالى أي: تركنا الجن والإنس يوم القيامة يموج بعضهم في بعض، وقيل: تركنا يأجوج ومأجوج (يومئذ) أي: وقت كمال السد يموج بعضهم في بعض، واستعارة الموج لهم عبارة عن الحيرة وتردد بعضهم في بعض، كالمولهين من هو وخوف فشبههم بموج البحر الذي يضطرب بعضه في بعض، وقيل: تركنا يأجوج ومأجوج يوم انفتاح السد يموجون في الدنيا مختلطين لكثرتهم.
قلت: فهذه ثلاثة أقوال أظهرها أوسطها، وأبعدها آخرها، وحسن الأول لأنه تقدم ذكر القيامة في تأويل قوله تعالى:(فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي) .. والله أعلم.
قوله تعالى:(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ) تقدم في (الأنعام) (فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً) يعني: الجن والإنس في عرصات القيامة، (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ) أي: أبرزناها لهم، (يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضاً) (الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ) في موضع خفض نعت (للكافرين)، (فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي) أي: هم بمنزلة من عينه مغطاة فلا ينظر إلى دلائل الله تعالى، (وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً) أي: لا يطيقون أن يسمعوا كلام الله تعالى، فهم بمنزلة من صم.
قوله تعالى:(أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: ظن، وقرأ علي وعكرمة ومجاهد وابن محيصن (أفحسب) بإسكان السين وضم الباء أي: كفاهم، (أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي) يعني: عيسى والملائكة وعزيرا، (مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ) ولا أعاقبهم ففي الكلام حذف، وقال الزجاج: المعنى أفحسبوا أن ينفعهم ذلك، (إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً)، قوله تعالى:(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً) إلى قوله:(وَزْناً) فيه مسألتان، الأولى : قوله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً) فيه دلالة على أن من الناس من يعمل العمل وهو يظن أنه محسن وقد حبط سعيه، والذي يوجب إحباط السعي إما فساد الاعتقاد أو المراءاة، والمراد هنا الكفر، روى البخاري عن مصعب قال: سألت أبي (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً) أهم الحرورية؟ قال: لا، هم اليهود والنصارى، وأما اليهود فكذّبوا محمداً (صلى الله عليه وسلم)، وأما النصارى فكفروا بالجنة، فقالوا: لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وكان سعد يسميهم الفاسقين، والآية معناها التوبيخ أي: قل لهؤلاء الكفرة الذين عبدوا غيري: يخيب سعيهم وآمالهم غداً فهم الأخسرون أعمالاً، وهم (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) في عبادة من سواي، قال ابن عباس: يريد كفار أهل مكة، وقال علي: هم الخوارج أهل حروراء، وقال مرة: هم الرهبان أصحاب الصوامع، وروي أن ابن الكواء سأله عن الأخسرين أعمالاً فقال له: أنت وأصحابك، قال ابن عطية: ويضعف هذا كله قوله تعالى بعد ذلك:(أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) وليس من هذه الطوائف من يكفر بالله ولقائه والبعث والنشور، وإنما هذه صفة مشركي مكة عبدة الأوثان، وعلي وسعد ـ رضي الله عنهما ـ ذكرا أقواماً أخذوا بحظهم من هذه الآية، و(أعمالاً) نصب على التمييز، و(حبطت) قراءة الجمهور بكسر الباء، وقرأ ابن عباس (حبطت) بفتحها، والثانية: قوله تعالى: (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً) قراءة الجمهور (نقيم) بنون والعظمة، وقرأ مجاهد بياء الغائب يريد فلا يقيم الله عز وجل، وقرأ عبيد بن عمير (فلا يقوم) ويلزمه أن يقرأ (وزن) وكذلك قرأ مجاهد (فلا يقوم لهم يوم القيامة وزن)، قال عبيد بن عمير: يؤتى يوم القيامة بالرجل العظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن عند الله جناح بعوضة.
قلت: هذا لا يقال مثله من جهة الرأي، وقد ثبت معناه مرفوعا صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال:(إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة اقرؤوا إن شئتم (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً)، والمعنى أنهم لا ثواب لهم، وأعمالهم مقابلة بالعذاب، فلا حسنة لهم توزن في موازين القيامة ومن لا حسنة له فهو في النار، وقال أبو سعيد الخدري: يؤتى بأعمال كجبال تهامة فلا تزن شيئاً، وقيل: يحتمل أن يريد المجاز والاستعارة، كأنه قال: فلا قدر لهم عندنا يومئذ .. والله أعلم، وفي هذا الحديث من الفقه ذم السمن لمن تكلفه، لما في ذلك من تكلف المطاعم والاشتغال بها عن المكارم، بل يدل على تحريم الأكل الزائد على قدر الكفاية المبتغى به الترفه والسمن، وقد قال (صلى الله عليه وسلم):(إن أبغض الرجال إلى الله تعالى الحبر السمين) ومن حديث عمران بن حصين عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(خيركم قرني ثم الذين يلونهم ـ قال عمران فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة ـ ثم إن من بعدكم قوماً يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن) وهذا ذم، وسبب ذلك أن السمن المكتسب إنما هو من كثرة الأكل والشره، والدعة والراحة والأمن والاسترسال مع النفس على شهواتها، فهو عبد نفسه لا عبد ربه، ومن كان هذا حاله وقع لا محالة في الحرام، وكل لحم تولد عن سحت فالنار أولى به، وقد ذمَّ الله تعالى الكفار بكثرة الأكل فقال:(وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ) (محمد ـ 12) فإذا كان المؤمن يتشبه بهم، ويتنعم بتنعمهم في كل أحواله وأزمانه، فأين حقيقة الإيمان، والقيام بوظائف الإسلام؟! ومن كثر أكله وشربه كثر نهمه وحرصه، وزاد بالليل كسله ونومه، فكان نهاره هائماً وليله نائماً، وقد مضى في (الأعراف) هذا المعنى، وتقدم فيها ذكر الميزان، وأن له كفتين توزن فيهما صحائف الأعمال فلا معنى للإعادة، وقال (عليه الصلاة والسلام) حين ضحكوا من حمش ساق ابن مسعود وهو يصعد النخلة:(تضحكون من ساق توزن بعمل أهل الأرض) فدل هذا على أن الأشخاص توزن ـ ذكره الغزنوي.

إلى الأعلى