الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م - ٩ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن: الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في النفـس (11)

شـذرات مـن هـدي القـرآن: الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في النفـس (11)

ناصر بن محمد الزيدي:

الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمين وعـلى آلـه وأصـاحـبه أجـمعـين، وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الـحـيث مـوصـولاً عـن الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في الـنـفـس: فـلا يـوجـد تـعـارض بـين أسـمائـه الحـسنى، والـتعـارض الـذي نـراه بـين هـذين الاسـمين، تـعـارض نـسبي أو إضـافي بـتعـبير آخـر، إذ لـو كان هـنـاك تعـارض بـينهـما ذاتياً مـطـلـقـاً، لاسـتـلـزم ذلك الـتناقـض وهـو محـال.
يـقـول الإمام الغـزالي عـنـد تفـسيره لـهـذين الاسـمين مـن أسـمائه سـبحانه وتعالى:(والله سـبحانه وتعالى باطـن إن طـلب كـان إدراك الحـواس وخـزانة الخـيال ظـاهـر إن طـلـب مـن خـزانة الـعـقـل بطـريـق الاسـتـدلال) (الـمقـصـد الأسـنى في شـرح أسـماء الله الحسنى، ص: 136).
ولـكـن لـماذا كان الإدراك الـعـقـلي مـؤهـلاً لـمـعـرفة الله والـيـقـين بـوجـوده، ولـم تـكـن الحـواس مـن عـين وسـمـع ونحـوهـما مـؤهـلة للإحساس به؟، لـماذا تـيـسـر للـعـقـل إدراك وجـوده، ولـم يـتأت للـعـين الـنـظـر إلى ذاته؟ الجـواب: إن الله ـ جـلّـت قـدرته وعـلـت حـكـمته ـ مـتّـع الإنـسان بـقـوى عـقـلـية مـدركـة، مـؤهـلة للـوصـول إلى الحـقائـق والـتصـديق بها، الله سـبحانه وتعالى حـقـيـقة، بـل هـو حـقـيـقـة الحـقـائـق كلها، ولـما كانت الـدنيا كلها تفـيض بالآثـار الـناطـقـة بـوجـود هـذه الحـقـيـقة التي تـشـكل جـذوه الحـقـائـق الكـونـية كلـها، فـقـد كان يـسيراً عـلى الـعـقـل أن يـهـتـدي بالآثـار إلى الـمـؤثـر الحـقـيـقي لـها، وأن يـعـود مـن الـنـائـج إلى مـقــدمـاتها ويـتـوصل إلى أسـاس وجـودهـا.
أمـا الامـكانات الجـسـدية (الحـواس الخـمـس جـزء مـنـها) فـغـير مـؤهـلة لأكـثر مـن الـتـعـامل مـع أسـباب معـائـشهـا، ولا يشـك عـاقـل في محـدوديتهـا وفي عـجـزهـا، عـن الـنهـوض بـما هـو خـارج عـن كـنـه حـدود امـكاناتهـا.
أرأيـت لـو أن عـيـنـيـك واجـهـت أضـعـاف مـا تبـثـه الـشمس مـن ضـياء، إذن لـغـاض مـن عـيـنـيـك نـورهـما، ولـنـقـلـبت الـدنيا مـن حـولـك إلى ظـلام دامس، فـتـنـعـدم الـرؤيـة تـماماً أرأيـت لـو أن صـيحـة مـن تلك الـصيحـات الـتي أهـلك الله بـها ثـمـود طـرقـت سـمـعـك وفـاجـأت أعـصـابـك، إذن: لـتحـولـت إلى هـيـل جـاثـم لا حـراك فـيه.
أرأيـت لـو أن أحـاسيـسك صـادفـت مـا لا عـهــد لك بـه مـما لا ينـسـجـم مـع نـظـام وجــودك، إذن: لألـقـى بـك الـذهـول في يـم مـن الـضـياع والـنـكـران.
هـذا ما سـيحـصل لك ويـطـبـق عـلـيـك، عـلى الـرغـم مـن أن ما سـيـواجـهـك مـن أسباب ذلك لم يخـرج مـن عـالم الـمخـلـوقـات التي هـي مثلك في الـمخـلـوقـية والخـضـوع لـمعـنى الايـادي والـصـنـع، فـكـيـف إن كان الـذي سـتـواجه بأحـاسـيـسك هـذه الإلـه الـواحـد الأحـد، الـذي خـلـقـك وخـلـق هـــذه الـمـوجـودات كلهـا ،عـلى اخـتلاف أجـنـاسـهـا وأشـكالـهـا وأحـجـامـها.
إن حـواسـك هـذه أضـعـف مـن أن تصـمـد أمـام ما هـو خـارج عـن دائـرة معـايشـك الـصـغـيرة الـمحـيطـة بـك، فـكـيـف تصـمـد بالـرؤية أن الإحـساس والاسـتـيعـاب أمـام مـبـدع الـكـون كله ومـنشـئه مـن ظـلـمات الـعـدم إلى نـور الحـقـيقـة
ولـو فـرضـنا إنـك إن رأيـته (فـلـن تـراه إلا به)، إذن: فـقـد اتحـد الـرائي والـمـرئي وهـذا مسـتـحـيـل، ولـو أحـسست بأي مـن حـواسـك به، فإنـما يـكـون ذلك أيضـا بالله عـز وجـل، فـقـد اتحـد إذن الـمحـسوس وأداة الاحـساس به وهـذا أيـضا مسـتحـيـل.
فأمـا إن فـرضت انـفـصال الـرائي وهـو الإنـسان عـن الـمـرئي وهـو الله عـزوجـل بـحـيث يـغـدوا الإنـسان الـرائي مسـتـقـلا عـنه سـبحانه وتعالى، فإن الـنـتيجـة الحـتمـية التي لا بــد مـنهـا هي أن يـتهـاوى وجـود هـذا الإنسان الـذي يـفـترض أنه أنـفـك عـن الإمـداد الـدائـم له مـن الله باسـتـمـرارية الـوجـود.
وهـذا مـا أوضـحـه بـيان الله عـز وجــل في قـوله تعالى حـكاية لـما أجـاب بـه الـنبي مـوسـى (عـلـيه الـصـلاة والـسـلام):(لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ..) (الأعـراف ـ 143).
فـقـد أخـبر الله تعالى أنه تـجـلى للجـبـل، وإنـمـا تـم ذلك الـتجـلي عـن طـريـق ثـنائـية تـمـت بـين الجـبـل والـذات العـلـية التي كانت قـد تجـلـت عـلـيه، وإنـما تحـقـقـت هـذه الـثـنائـية بتخـل الله عـز وجـل عـن الجـبـل، الـذي كان يـمـده إلى تلك اللـحـظة التي تهـاوى الجـبـل وأنــدك كأنـه أثـر بـعـد عـين، أمـا مـوسى فـقـد خـرَّ صـعـقـاّ لـرؤية الجـبـل الـمـتجـلى عـلـيـه، فـكـيـف يسـتـيطـع رؤيـة الـمـتـجـلي الله عـزوجـل.
واعـلـم أن مـا يـترتـب عـلى تجـلي الله عـز وجـل عـلى الـمكــونات بـصـفاته، هـو ذاته الـذي يـتـرتـب عـلى تجـلـيه جــل جـلالـه عـلـيها بـذاته للأسـباب التي ذكـرتها لك، عـجـباً لـهـذا الإنسـان الـمتـمـرد عـلى الـكـون والـمـكـون للـكـون.
وجـاء (تفـسير الـشيخ الـشـعــراوي ـ الجـزء الأول 183)، إن الله تعالى ذكـر لـنا في الـقـرآن الكـريـم، أن هـناك عـهـدا مـوثـقـا بـينه وبـين ذرية آدم، فـقال تعالى:(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ) (الأعــراف ـ 172) .. وهـكـذا أخـذ الله عـهـداً عـلى ذريـة آدم، بأن يـؤمـنـوا به وأشـهـدهـم عـلى أنـفـسهـم أنه ربـهـم، وهـذا ما يسمى بشـهـادة الـفـطـرة التي فـطـر الـناس عـلـيها وجـاءت الـغـفـلة إلى الـقـلـوب بـمـرور الـوقـت، فـنـقـضـوا الـعـهـد، واتخـذوا آلـهـة مـن دون الله.
.. وللحـديث بـقـية.

إلى الأعلى