الإثنين 19 نوفمبر 2018 م - ١١ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / صلة الرحم (2 ـ 2)

صلة الرحم (2 ـ 2)

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري
عزيزي القارئ .. نستكمل معك هذا الموضوع (صلة الرحم) والذي اقتبسناه من بعض المصادر (بتصرف) ..
حيث إن صلة الرحم هذه الصلة العظيمة التي جعلها الله سبحانه مدعاة لتواصل الناس وتراحمهم وتزاورهم، هذه العلاقة التي تربط بين كل مجموعة من الناس فيما بينهم، ثم تربطهم جميعًا برباطٍ واحد وهو انتماؤهم لآدم وحواء، هذه الرحم توعّد الله سبحانه قاطعها بوعيد شديد، فاحذروا هذا الوعيد أن يصيبكم، واحذروا هذا النذير أن يشملكم. لقد أمر الله سبحانه في أكثر من آية من آيات كتابه بصلة الرحم، وأنذر المتهاون في هذا الأمر المهم، فلا تحسبوا أن صلة الرحم أمر لنا الخيار في أن نقوم به أو نتركه. وإن كان معظمنا مقصرّاً في هذا الواجب العظيم، ولكن هذا لا يمنعنا من أن نتواصى ونذكر أنفسنا به، لقد بلغ من عظمة هذه العلاقة وأهميتها أن جعلها رسول الله شعارًا للإيمان وعلامةً من علامات المؤمن الصادق، عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي قال:(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحم) ـ رواه البخاري.
ومن الأسباب التي تؤدي إلى عدم صلة الرحم: الجهل بفضل صلة الرحم وعاقبة قطيعتها، وضعف الدين وبالتالي يزهد بالثواب على صلة الرحم, ولا يأبه للعقاب على قطيعتها، والكِبر: بأن يكون غنياً أو آتاه الله منصباً رفيعاً أو جاهاً عريضاً فيستنكف أن يبادر هو بصلة رحمه، والتقليد للوالدين: إذ ربما لم ير من أبيه أنه يصل أقاربه فيصعب على الابن وصل قرابة أبيه, وكذلك بالنسبة للأم، والانقطاع الطويل: فعندما ينقطع عن أرحامه وقتاً طويلاً يستصعب أن يصلهم ويسوف حتى تتولد الوحشة بينهم ويألف القطيعة، والعتاب الشديد: فبعض الأرحام عندما تزوره يبدأ بمعاتبتك لماذا لم تزرني لماذا ولماذا حتى يضيق الزائر بذلك ويحسب للزيارة الأخرى ألف حساب، والشح والبخل: فقد يكون غنياً ولأنه يخاف أن يطلب أرحامه منه شيئاً يتهرب عنهم، والتكلف عند الزيارة: وهذا يضيق به المتكلف والمتكلف له، وتأخير قسمة الميراث: مما يسبب العداوة بينهم وربما اتهم كل واحد الآخر وأنه يريد أن يأكل من الميراث وهكذا.
ومن الأمور المعينة على صلة الرحم: معرفة ما أعده الله للواصلين من ثواب وما توعد به القاطعين من عقاب، ومقابلة الإساءة منهم بالعفو والاحسان، ففي صحيح مسلم:(عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَىَّ وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَىَّ. فَقَالَ« لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ وَلاَ يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِك)، وقبول اعتذارهم عن الخطأ الذي وقعوا فيه إذا اعتذروا، والتواضع ولين الجانب، والتغاضي والتغافل: فلا يتوقف عند كل زلة أو عند كل موقف ويبحث لهم عن المعاذير, ويحسن الظن فيهم. ولصلة الرحم فوائد كثيرة ومتعددة.
فمن فوائد صلة الرحم: أن صلة الرحم سبب لصلة الله للواصل في الحديث المتفق عليه عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ:(إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ، قَالَتِ الرَّحِمُ هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ قَالَ نَعَمْ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ قَالَتْ بَلَى يَا رَبِّ قَالَ فَهْوَ لَكِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ)، كما إن صلة الرحم من فوائدها سبب لدخول الجنة، في الحديث عَنْ أَبِى أَيُّوبَ ـ رضي الله عنه ـ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم): أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، قَالَ: مَا لَهُ مَا لَهُ وَقَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم):(أَرَبٌ مَالَهُ، تَعْبُدُ اللَّهَ، وَلاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ، وَتُؤْتِى الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ).
ومن فوائد صلة الرحم أن صلة الرحم امتثال لأمر الله، قال تعالى:(وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ) (الرعد ـ 21)، ومن فوائد صلة الرحم أن صلة الرحم تدل على الأيمان بالله واليوم الآخر، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه ـ عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ:(مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) ـ رواه البخاري، ومن فوائد صلة الرحم أن الرحم تشهد للواصل بالوصل يوم القيامة، عن ابن عباس قال: قال (صلى الله عليه وسلم):(وكل رحم آتية يوم القيامة أمام صاحبها تشهد له بصلة إن كان وصلها وعليه بقطيعة إن كان قطعها) ـ رواه البخاري، ومن فوائد صلة الرحم أن صلة الرحم سبب لزيادة العمر وبسط الرزق، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) يَقُولُ:(مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ رِزْقُهُ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) (رواه البخاري ومسلم)، ومن فوائد صلة الرحم أن صلة الرحم تعجل الثواب وقطيعتها تعجل العقاب, فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ـ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم):(لَيْسَ شَيْءٌ أُطِيعَ اللَّهُ فِيهِ أَعْجَلَ ثَوَابًا مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ وَلَيْسَ شَيْءٌ أَعْجَلَ عِقَابًا مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَالْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ تَدَعُ الدِّيَارَ بَلاَقِعَ) (رواه البيهقي وصححه الألباني)، ومن فوائد صلة الرحم أن صلة الرحم تدفع ميتة السوء عَنْ عَلِىٍّ عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ:(مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ وَيُوَسَّعَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُدْفَعَ عَنْهُ مَيْتَةُ السُّوءِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) ـ رواه أحمد، ومن فوائد صلة الرحم أن صلة الرحم سبب لمحبة الأهل للواصل: روى الترمذي وحسنه عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ:(تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِى الأَهْلِ مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ مَنْسَأَةٌ فِي الأَثَرِ). تعامل مع رحمك بالفضل, فَصِلْهم إذا قطعوك, وأحسن إليهم إذا أساؤوا إليك، واحلم عليهم إذا جهلوا عليك, فإن فعلت ذلك فأنت الواصل للرحم حقيقةً، وأنت المُؤَيَّد من الله تعالى، كما جاء في الحديث الشريف الذي رواه الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه: أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي, وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ, وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ؟ فَقَالَ:(لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ, وَلا يَزَالُ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ).
لنصل أرحامنا مكافأة, ولنصل أرحامنا إذا قطعوا, لنكون من المتنافسين في العمل الأحسن, قال تعالى:(الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (الملك ـ 2).

إلى الأعلى