الأربعاء 12 أغسطس 2020 م - ٢٢ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / البطولة في قهر عقبات بناء الدولة الشرق أوسطية

البطولة في قهر عقبات بناء الدولة الشرق أوسطية

أ.د. محمد الدعمي

إن ما انطبق على العراق إنما هو موازٍ ومماثل لما انطبق على سوريا ومصر والأردن ولبنان وإيران ودول الخليج العربي: فجميع دول الشرق الأوسط لا تبسط سلطتها على مجموعة سكانية مفردة، متجانسة ومعروفة الأبعاد والتطلعات: فأغلب دول الشرق الأوسط قامت على أسس اعتباطية متوارثة من انهيار الدولة العثمانية (الرجل المريض) الذي غادر دون أن يترك ما يؤهل به هذه المجاميع السكانية لبناء دول راكزة ومستقرة..

لم أحظ بتعبير أكثر دقة وتسبيبا للهوان مما أقضّ مضاجع جلالة المرحوم فيصل الأول، ملك العراق (1921-1933) حول عقبات بناء الدولة العراقية حقبة ذاك، فقد بقي الرجل حائرا مذ لحظة جلوسه على العرش، وهو يستعرض المحتفلين بتتويجه عينيا: من عرب وكرد وسنة وشيعة وتركمان وأرمن ومندائيين ويهود ومسيحيين، من بين سواهم من المجاميع السكانية التي عاشت على هذه الأرض منذ مئات، بل وآلاف السنين.
وللعاهل الراحل كامل المبررات ليبق حائرا حول كيفية ليّ هذه الجماعات السكانية، المتنوعة والمتنافرة أحيانا، التي لا تلتوي. لقد وضع الملك الراحل، مع حاشيته المستقدمة من جزيرة العرب، زيادة على شواخص السكان المحليين على المحك عددا من المرات: فتأسيس الدولة الجديدة يتطلب دستورا متوازنا ويوجب وضع الأسس الصلدة لآليات عملها، ابتداء من تسمية دين الدولة الرسمي ولغة الدولة الرسمية، ناهيك عن أهمية التعامل مع الأقليات المتنوعة بدرجة كافية من المساواة احترام الحقوق والواجبات على نحو لا يسمح لهذه الأقليات بالتذمر والشك والحرمات والظلم. ويتجلى ذلك حتى في تقرير الإجازات الرسمية في نظام عمل الدولة واعتماد مناهج الدراسة والتربية والتعليم، ناهيك عن سواها من الموضوعات الخطيرة الأساس التي كان على من يحكم العراق (كما هي الحال مع سواه من دول الشرق الأوسط الفتية) أن يستحضر الرواد الذين مشوا على الحبل بتوازن مثالي، أي دون زلة أو ميل يؤدي إلى حصول كارثة.
يأتي استذكار المرحوم فيصل الأول هنا في سياق ما يواجهه كل قائد وحاكم يجد نفسه في وضع تأسيس دولة في إقليمنا الشرق الأوسطي المتنوع والمضطرب، لأن ما صدق ويصدق على عقبات ذلك في العراق، إنما يصدق كذلك على جميع دول الشرق الأوسط، وتحت درجة حرارة غليان الإقليم القابل للاشتعال في أية لحظة بسبب ما أوتي به من ثروات نفطية وسواها.
إن ما انطبق على العراق إنما هو موازٍ ومماثل لما انطبق على سوريا ومصر والأردن ولبنان وإيران ودول الخليج العربي: فجميع دول الشرق الأوسط لا تبسط سلطتها على مجموعة سكانية مفردة، متجانسة ومعروفة الأبعاد والتطلعات: فأغلب دول الشرق الأوسط قامت على أسس اعتباطية متوارثة من انهيار الدولة العثمانية (الرجل المريض) الذي غادر دون أن يترك ما يؤهل به هذه المجاميع السكانية لبناء دول راكزة ومستقرة، دول قادرة على البقاء والتواصل. لذا بدت أغلب دول الشرق الأوسط مكونة من “موزائيكات” سكانية (إثنية ودينية) غير متجانسة تضع من يحكمها أو يحاول الإمساك بزمام أمورها بحكمة على محك اختبار قدري.
ويعود أصل العقدة في بناء الدولة الشرق أوسطية إلى اعتباطية رجلين، هما “سايكس وبيكو”، ممثلا الامبراطوريتين البريطانية والفرنسية اللذان رسما حدود دول الإقليم الجديدة على خريطة الدولة العثمانية المنحلة باستعمال قلم رصاص ومسطرة: هذا ما يبرر استقامة حدود دول الإقليم الواضحة للعيان. إن سحب خطوط حدود بهذه الطريقة، بناء على مصالح باريس ومصالح لندن، قد قاد إلى مشاكل الأقليات والارتطامات الطائفية والإثنية، من بين سواها من الصراعات التي تكمن بواعثها على اللاتجانس السكاني.
لذا، يتوجب علينا جميعا أن نستذكر جهود القادة المؤسسين من أمثال المرحوم فيصل الأول بالكثير من التقدير والإجلال لأنهم حاولوا إمساك العصا من الوسط وتوحيد جماعات سكانية قلما توحدت في حزمة واحدة لتشكيل شعوب دولهم، بشيء قليل من تجاوز الجماعات لخصوصياتها: فتحية لهؤلاء القادة المؤسسين الطلائعيين الذين ذهب معظمهم ولم يتبق منهم إلا أفراد. ولا بد هنا من استحضار طلائعية جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم (حفظه الله ورعاه) في هذا المجال البطولي، أي مجال وضع الأسس الصلدة لدولة حقة، قابلة للحياة، وغير قابلة للتزعزع.

إلى الأعلى