الأحد 18 نوفمبر 2018 م - ١٠ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / في تأثيل شعر الطفل العُماني

في تأثيل شعر الطفل العُماني

أبهرني حقا صوت أجنبي صافٍ في مكتبة الطفل الرئيسة بالسلطنة، صوت يترنم مع إيقاع العبارات ويساير موسيقى الكلمات، إنه رجل غربي قد أحضر ولده إلى مكتبة بلد عربي حين علم بتوفر بعض أدبياتٍ تناسب طفله بلغته الأم. وفي الحين ذاته طنَّتْ حول آذاني أصداء عبارات جوفاء صادرة من بعض بني جلدتنا المنبطحين أمام ثقافة الآخر، من أمثال: “قد ولَّـى أوان الكتب والصحف الباليات؟! أَوَنتركُ الشبكات العنكبوتية وتلك التكنولوجيا العملاقة من أجل آداب أو كتابات شرب عليها الدهر وأكل؟!” ولعل بضع أرقام صادمات عن كم قراءات ذلك الغربي الورقية ستردعه عن تلك النظرات الخائبة في منابع الثقافات والعلوم.
وآلمني صدقًا، لا تلك المصكوكات التي اعتادت عليها أسماعنا، بل صورة رفوف تلك المكتبة الفارهة شكلا الخاوية مضمونًا من أدبيات الطفل العربي أو تكاد، فقد أعياني البحث عن قصصهم النافعة أو دواوين شعرهم الهادفة، وعدت بالبصر كرتين أو ثلاثًا فلم يعد إلا حسيرًا أسيفًا، فليس ثمة إلا ورقات لا تشفي بحسب أشبالنا عليلا ولا تروي لهم غليلا.
ولعل ذلك كله يدفع بتلك المقالات التأثيلية لشعر الطفل العماني إلى الاستمرار رغبة في استكناه تُبُورِ أدبائنا النادرة التي أضحت بعد تغييبٍ أشبه بالتراب، وقد ناقشت من قبلُ ديوان (أغنيات للطفولة والخضرة /1991م)، بوصفه أول مسطورات ذلك الصنف الأدبي بعُمان، ليأتي الدور على الديوان الثاني زمنيًا: (أنشد معي) برغم صدوره في العام ذاته، وما يؤازر ذلك الترتيب التاريخي – فيما يتبدى لي – أن الديوان الأول صاحَبَهُ رقم إيداع يعود لعام 1988م، وعلى الرغم من قيمة المعلومة التأريخية، فإن ما يهم القارئ هو المحتوى، وهو ما يحدونا إلى الركون إليه رغبةً في التعريف به والارتقاء بما يشاكله مستقبلا.
وديوان (أنشد معي) للشاعر الراحل علي بن شنين الكحالي، مكون من خمس وأربعين قصيدة ومقطوعة شعرية، وهو عدد لا بأس به في محاولته الأولى للكتابة الطفلية، وعلى الرغم من أن نَسَقَ بعض قصائده يكشف تأثرًا بالأسلوب الخطابي التعليمي الذي ينأى به عن الأدبية في عديد الأحيان؛ فإن ذلك لم يستغرقه سوى في تسع قصائد؛ مثل: (يا مدرستي- القلم- العَلَم- لغتي…) ثم يكتنف المتلقي الصغير بتجارب شعرية حياتية فذة، يهدف منها إلى إثراء الطفل بمزيد خبرات لا بصورتها الواقعية وإنما بأبعاد فنية محببة لقلبه ووعيه، والمتلقي الصغير على عكس ما يظن أكثر الكتاب يلفظ التلقين والمباشرة ولا يأبه بسطحي الأدبيَّات، بل ينكر تلك النظرة الساذجة إلى عالمه وخيالاته وطرائق استيعابه، ويندر فيما يتراءى من كتابنا من يشتغل على جدليات النصوص وحدود تماهيها مع مراحلهم العمرية.
وقد انتمت عشر قصائد من ديوان الكحالي إلى الصعيد الديني الذي شكل جزءًا رئيسًا من ذاكرته الإبداعية، ضمن سياقات مجازية خصبة، بيد أن انزياحاته في الشكل والمضمون لم تبدُ إلا قليلا، وقريب من ذلك الجانب الاجتماعي الذي شمل إحدى عشرة قصيدة والوطني الكبير في خمس أخرى.
ويبدو أن الكحالي أدرك بذائقته الشعرية الرائقة أن الخيال المعتمد على التصوير الحسي أقرب إلى النفوس وأسرع في إظهار المعنى للعقول، فنفوس الأطفال تأنس بمن من يخاطبها بالحس لذلك آثر الشاعر الألفاظ المعنوية المقرونة بالحسية، لأن اللغة الشعرية ليس غايتها تعرف الشيء وإدراكه، وإنما خلق رؤيا فنية وجمالية لذلك الشيء، لذا تماثلت أمامنا ثنائية القصة والطفل في إحد عشرة حكاية شعرية لامست شغاف قلبه وأضاءت منارات عقله، إذ جمعت بين نتاج الشعر من الانفعالات التأثرية وخلاصة النثر الفكرية، دون إيغال في استعمال المجازات أو الكنايات البلاغية المعقدة والمنفرة لذلك السن، ولعل أهمها قصيدتا (الإنسان والأسد والدب – الأسد والذئب والثعلب)، حيث عالم المغامرات الثري، الذي تتدرج فيه الـحُبكة القصصية وتمضي باتجاه الانفلات من النمطية الحياتية التي يتغياها له الكبار، مع الوصول في الأخير لأنجع وسائل تربيته وتثقيفه.
ففي القصة الشعرية الأولى عقدة تبدأ من لُقيا الإنسي لملك الغابة ثم يظهر حل مبدئي يتمثل في قفزة الأول ببئر لا ماء فيه، ويكسر الشاعر أفق توقع المتلقي فيزيد الـحُبكة تعقيدًا، إذ يرمي الليث نفسه في غيابات البئر، ويلتقيان فيه دبـًّا ضل سبيله منذ زمن، فيقترح عليه الأسد مشاركته في افتراس الآدمي المسكين، لتصل الأحداث إلى ذروتها ويتفاعل ناشئة القراء بحسب طبائعهم واحتياجاتهم الغريزية، بين فرح وشماتة وحزن وخوف، لتلج الرسالة التربوية الإنسانية إلى القصيدة، فتدير ضفة الحديث إلى تعاون ثـرٍّ قائم على تبادل المنافع بدلا من صراعات تأكل الأخضر واليابس، فثمة عقل يمتلكه الإنسي وعضلات لدي الكائن الحيواني، فيصيغون مبادئ مهادنة من أجل الخلاص، ويفكر الإنسان في حل لتلك المعضلة، فيخرج الجميع بسلام.
وفي الأخرى يحتكم الثعلب إلى تجربة معايشة عندما ألفى سوء مصير الذئب حين ظن التقاسم مع الأسد فرائسه متاحًا، بحكم عدالة التوزيع الناتجة عن مشاركتهم إياه العمل، ونسي أن الغابة لا يحكمها في عديد الأحيان نظام، وهنا تبرز حصافة الثعلب حين نأى بنفسه عن شر عاقبة الذئب، فحكم بالفرائس الثلاث للأسد، وبرر ذلك بجواب طريف يلتذ له سمع الطفل بآخر القصيد؛ فقال:
أَجَابَهُ: رَأْسُ الْقَتِيلِ الْحَالِي عَلَّمَنِي أَنْ أَطْلُبَ الْمَعَالِي
وفي الأخير، فإن مهمة شاعر الناشئة تَلْحَجُ بمعياري السهولة والمنعة في آنٍ، إذ هو بين سندان المخيلة الطفلية ومطرقة القافية الشعرية، فتعوز قصيدته بشكل دائم كما ذكر الكحالي نفسه في توطئة ديوانه: “مؤهلات وقدرات خاصة، وأناس يفهمون نفسيات الأطفال وحاجياتهم”، وهو ما تراءى في أكثر ما صاغه يراعه البارع، وعسى أن ترهف أسماعنا في قادم الأيام أصواتٌ عربيةٌ تنشد أبيات أدبائنا في بلاد غربية!!

أحمد عمر عطا الله
ناقد وباحث أكاديمي

إلى الأعلى