السبت 22 سبتمبر 2018 م - ١٢ محرم ١٤٤٠ هـ

قصتان

أرجوحة وردية

في مزرعتنا ساعدت إخوتي الكبار في تثبيت أرجوحة صبغنا حبالها وكرسيها بلون وردي صارخ بين جذعي نخلتين شاحبتين مقابل حقل الجلجلان الصامد الكبير.
تمنيت وقتها والعرق يتصبب من ثنيات جسدي لو أننا صبغناها بلون محايد، كأن يكون أخضر مثلا كي يغيض المحْل الذي اجتاح قريتنا… أو بني كي يواري اتساخ ثيابنا…
لا .. بلا لف ولا دوران تمنيت أي لون آخر لا يبدو منظري كولد قبيحا وأنا محشور فيه!
لكنها كانت تلك هي اللعبة التي ستلعب بها اخواتي الفتيات فترة إجازة الصيف بعد عودتهن من حصص معلمة القرآن أو فراغهن من معاونة أمي…
أما أنا فتوجب علي أن أنهض في الفجر مع إخوتي لانتزاع أوراق الجلجلان من الحقل و تحميلها في رزمات إلى شاحنة العم حمدان الذي يشتريها من أبي ويسافر لبيعها في مسقط…
انتهينا من تركيب الأرجوحة.. ولما تقدمت خطوة راغبا في صعودها منعني اخوتي:
- واحليلش…
- عدت رجال عمرك ثلاطّا
- الشنب نابت في شواربك
فسحبت خطوتي للخلف.
لكن قبل موعد انتزاع أوراق الجلجلان في الفجر، تسربتُ من فراشي بهدوء نحو المزرعة…
صعدت على الأرجوحة… حلقت بنسق هادئ مثل طاووس مواجها نسمات الرياح الباردة برائحة السماد والزرع.
قلت: اه ما أجمل أن تحلق فوق القرية.
ومن أعلى ارتفاع في السماء سمعت زعيق إخوتي الكبار.. فتحت عيني.. قذفني أحدهم بالحصى وتوعدني الآخر بالضرب فور نزولي.
قلت لهم رافضا:
في الظلام لا تكون الارجوحة وردية! …
حين طلعت الشمس كان عقابي هو أن أحمل رزمات الجلجلان إلى الشاحنة لوحدي… فعلتها ولم أشعر بأي تعب!

***
عبور

هل شاهد أحدكم أمي وهي تقطع الشارع الحيوي الذي يفصل منطقة الحيل الجنوبية عن الخوض الشعبية؟
تعبر أمي الشارع كل صباح بلباسها الفضفاض داكن اللون الذي يظهر تحت عباءتها الخفيفة ..
تقطع أمي الشارع مثل سكين ذباح أو مثل ساحرة أو مثل ناقة مضطربة..
تترك أمي في عيون سائقي السيارات المستعجلين دهشة وضحكة وحزنًا وشفقة.
وحين تقفز من على الحاجز المرتفع كي تختصر الوقت تفرج عن ساقيها بحذر فيتقطع قلب فتاة بداخل السيارة ويغص شاب برشفة الكرك ويتذكر بنقالي أمه البعيدة..
ومع الأسف لا يتمكن أحد من رؤيتها وهي تتلاشى بداخل المدرسة الواقعة في الضفة الأخرى تحمل في يدها عدة التنظيف التي تكون موضوعة بجانب مدخل المدرسة.
إذا شاهدها أحد منكم فلا يخبرني عن كيف بدا وجهها تلك اللحظة ولا يدخل في التفاصيل، فإنني أقسم أنه لن يود أحدكم رؤية أمه في مكانها وأنني تعبت من تخيل المشهد!

حمد المخيني

إلى الأعلى