الجمعة 16 نوفمبر 2018 م - ٨ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / الفكرة في النص الشعري .. وردة أم حجر .. ؟!!!

الفكرة في النص الشعري .. وردة أم حجر .. ؟!!!

د. سعيدة الفارسية: النص الشعري مراوغ يحلق بجناحين ليستطيع أن يقبض بالفكرة متلبسة بالفن فإن اختل أحد أجنحته لن يحلق النص في سماوات الإبداع طويلا

- عبدالله العريمي: الشعرية لا يحدها مفهوم ويقاس حضورها بالقيم الجمالية المتوالدة باستمرار من الفهم الجمالي للنص، والمتلقي هو أحد مقاييس النص الأدبي باعتباره الجزء المتأثر به

- علي المؤلف: الإمساك بشاعرية النَّص والفكرة بالتَّوازي هو نتاج اختمار القراءات وإعادة القراءة الثقافية

- يونس البوسعيدي: حين يتدفق الشاعرُ تحت ضغطٍ نفْسي فإنه حينها لا يكتب فكرةً عرضة، لكنه يمارسُ تطهره بالكتابة، وتغيمُ فكرة التطهر بالكتابة في متن النص، كما يغيمُ الملحُ في ماء البحر

- جاسم الصحيح: الحديث عن الوعي الشعري الذي يعتمده الشاعر لا يقل أهميةً عن الكتابة ذاتها لأنه هو الذي يؤسس عناصر الإبداع في النص

- هشام الصقري: الشاعر الواعي يدرك ذلك تماما ويرى في حالة كتابة نص ما لا يراه الآخرون، فعودته إلى النص مرات ومرات تجعله أكثر وعيا وإدراكا لهذه الحقيقة

- إبراهيم السوطي: محاولة استحضار فكرة لكتابة قصيدة أمر يُرهق الفكرة والقصيدة، وقصائد المناسبات لا تضيف شيئا سوى إضاءة أحاسيس الشاعر

- شيخة المطيري: عندما تبدأ الفكرة بالتشكل في ذهن الشاعر فهي تتكاثف من مشهد أو أكثر ثم تتفاعل مع مشاعره لينتج عن ذلك الكلام الذي ينسل من ضلع الغناء أو البكاء

- منتظر الموسوي: الشعر لا يمكن أن يُرسم في حالة من الوعي الكامل ولا يمكن أن يكتمل في حالة من اللا وعي، وهناك حد فاصل بين الضفتين يقف عنده الشاعر ليغرف بيدِ ضميره الإنساني نطفةَ القصيدة

- فتحية الصقرية: كتابة نصٍّ شعريٍّ بمثابة الذهاب في رحلة طويلة ممزوجة بالمتعة والمشقَّة والمفاجآت الكثيرة، تدخل الخوف في قلب قلقك، وتبطئ من سرعته

- يوسف الكمالي: حالة الكتابة هي حالة وعي مضاعف وتركيز مكثف، وغياب الفكرة أو حضورها في هذه الحالة قد يعود إلى تمكن الشاعر من أدواته الفنية واللغوية وملكته الشعرية وسماته الشخصية

- محمد العبري: القصيدة أمكن من الشاعر ولها الغلبة، ولها الحكم الأقوى والشاعر يتأثر بدوافع مختلفة مما يتحتم عليه اتباعها لتتجلى بالصورة الانفعالية الصادمة

استطلاع ـ خميس السلطي:
الفكرة في النص الشعري، وردة أم حجر ؟!!! هكذا أردنا أن نطرح تساؤلاتنا حول أمر قد يبدو مقلقا للكاتب الشاعر وهو يحاول التقرب والتودد لقصيدته، هنا يجب أن نعترف أن النص الأدبي عموما، والشِعري خصوصا في حالة مراودة، فالكتابة تحت اللا وعي قد لا تضيء الفكرة التي ترصّدَها الشاعر، والكتابة في الوعي لاستحضار الفكرة من إبريق المارد، قد يُبعد النص عن منطقة الشِعر، فيبدو النص الشِعريّ كأنه في حالة مقايضةٍ مع الشاعر.
هنا تبرز أسئلة ليس عن بروز الفكرة من ذهن الشاعر لمتن النص فحسب، ولا عن كفاية تجليها من الوحي وحالة اللا وعي في النص كذلك، بل لِمَن تكون الأثرةُ هل للنص الشاعر حتى لو انحرف مساره عن الفكرة؟!، أم للفكرة التي لا بُدَّ أنْ ترنّ بجرسٍ مسموع في النص ولو طار عندليب النص؟!
وبالمقابل هل كان لهذه العلاقة الجدلية والملتبسة نوعًا ما سببٌ في ابتعاد الشاعر المعاصر عن التعاطي مع فنون النص المناسباتي والإخواني والاجتماعي وغيره؟!!
اقتربنا كثيرا من الشعراء وأصحاب الكلمة في هذا الشأن على المستويين العماني والعربي، فتباينت ردود الأفعال والأفكار.. هذه هذه الرؤية التي قد تأتي مباغتة لأجل الشعر في كينونته وماهيته ..

مجازات الخلود
حول تحليل مقتضيات هذا الأمر تقول الشاعرة والدكتورة سعيدة بنت خاطر الفارسية: النص الشعري بالذات من بين الفنون القولية هو نص مراوغ يحلق بجناحين ليستطيع ان يقبض بالفكرة متلبسة بالفن فإن اختل أحد أجنحته لم يحلق النص في سماوات الابداع طويلا نعم هي علاقة متينة لابد منها لجسد النص الشعري ليستمر ضاربا بأجنحته في مجازات الخلود.
وللإجابة عن السؤال لمن تكون الأثرة للنص الشاعر حتى لو انحرف عن الفكرة او للفكرة ، فتقول الشاعرة الفارسية: لا يستغني النص الشعري عن كليهما فالايحاء الشعري يتنزل بهما معا غازلا نسيج الشبكة البنائية فان اختل أحد هذين الجناحين لم يواصل النص تحليقه عبر فضاءات الأزمنة ولهذه الخاصية الشعرية بين الارضي والسماوي تكمن صعوبة المنجز الشعري، وسهولة التوجه للكتابة النثرية وتوجه كثير من الشعراء إلى السرد فرغم كون السرد الفني الناجح هو فكرة وبنائية متميزة الا أن الشعر ما زال هو الأكثر إرباكا لكونه لا يزال يمتاح توهجه من قناديل السماء. وتضيف الدكتورة سعيدة: لا ليس لهذا السبب امتنع الشاعر المعاصر عن التعاطي مع الفن المناسباتي والاخواني والاجتماعي فلا أحد ينكر شاعرية المتنبي او احمد شوقي او شكسبير أو أبي العلاء المعري أو مظفر النواب أو حتى أحمد مطر وهم قد تعاطوا فن المناسبات حتى لقب شكسبير (بشاعر الوطنية) ولا ننكر شاعرية شعراء الفكر كالمعري والخيام الامام الشافعي وشعراء التصوف لكن عبقرية الموهبة تغطي على اي فكر او غرض يتناوله الشاعر، الاشكالية في توجه النقاد العرب خاصة المعاصرين الذين استسهلوا. ولم يبحثوا عن جوهر الشعر وانصب النقد على الشكل الخارجي والتصنيفات التي افقدتنا كثيرا من الشعر الحقيقي وادخلت في كثير من الأحيان ما هو ليس بشعر في نطاق التسمية الشعرية فقط.

قيم جمالية متوالدة
الشاعر عبدالله عبدالله العريمي يقترب كثيرا من حقيقة هذا الأمر عندما يصرح بقوله: إن عملية الفهم الجمالي للنص الأدبي تفرض فهما جوهريا للنص الأدبي وليس فهما للقشور الخارجية للنص، فكلما كانت المساحة الباطنية أكثر تنظيما أصبح تأثير المنتج الأدبي على المتلقي أكثر، وذلك لا يتأتى إلا بتسخير المبدع لكل طاقاته الإبداعية لخلق كائن أدبي متحرر من ثلاجة الأفكار أو تهويمات التجريد، فالشعرية لا يحدها مفهوم وإنما يقاس حضورها بالقيم الجمالية المتوالدة باستمرار من الفهم الجمالي للنص، وبهذا يكون المتلقي هو أحد مقاييس النص الأدبي باعتباره الجزء المتأثر به والقادر على تفجير قيم جمالية أخرى بشكل دائم، ودائما ما يساور الشعراء إحساسهم بالتصرف الكلي بالكلمات لتحقيق رغبات الفكرة التي تم اصطيادها من اليومي ربما أو الخيالي في أحايين أخرى، ولكن في حقيقة الأمر أن اللغة والكلمات هي التي توجه الشاعر نحو ما تريد، والتناغم الكلي بين الفكرة والمعالجة اللغوية مرهون بالإيحاء القائم على وعي إبداعي خلاق، ويقظة شعرية قادرة على تكوين الصورة بالمدلولات الذهنية، وذلك كله لا يتوفر إلا على يد شاعر متمرس مالك للخبرة الجمالية لكي تتبين له بعض خيوط الرحلة اللغوية، الشاعر اليقظ الذي يؤمن أن تلك الرحلة هي رحلة لا نهائية الكشف فلا تتبدى له جزيرة يرسو عليها إلا لتتكشف أمامه عشرات الجزر يقول جان برتليمي:” اللذة لا تسلبنا من هذا العالم إلا لتكشف لنا عن عالم آخر”، وذلك هو شأن السفر الشعري.
أما السلطة العامة فالشاعر لا يملك منها سوى مستوى فهمه لقواعد اللعبة الشعرية فقط، إنه معبر لغوي لا اكثر أو أقل ولذلك فإن السلطة الكلية في اللعبة الشعرية تكون بيد القصيدة لا الشاعر، فإما أن يحبس القوالب التعبيرية داخل ثلاجة الفكرة فيحكم عليها بالموت بردا، أو يشنق الفكرة على حبال الكلمات وفي الحالتين سيبقى النص الأدبي حبيسا داخل نفسه ولا يتجاوز حدود الحبر الذي كتب به، هذا إن لم يحقق الشاعر المعادلة الشعرية، ولم تغتسل القصيدة بألوان الصحة والعافية كما أشرنا في البدء.

الفكرة لا تموت
بعيدًا عن النظريات ، قريبًا من الواقعيَّة، هكذا يفسر الشاعر البحريني علي المؤلف حالة اللا وعي في النص وهنا يؤكد: حالة اللَّا وعي وعيٌ كذلك، لأنَّ الشَّاعر يسيِّر ذهنَهُ في اللا وعي باتِّجاه غير مجهول ذلك شريطة أن لا يعثر بالمجاز أو يضلّ الرؤية ؛ فالنَّص الشِّعري هو خلق الفكرة على امتداد واسع في النص بتصاعد الشَّاعرية، فهذه الحالة هيَ أشبهُ بسكَّتين متوازيتينِ لا يمكنُ للقطار أن يصل وجهته إلا بهما .
ويضيف المؤلف: من وجهة نظر وملامسة جادَّة أقول لا يمكن القبول بأن تكون الفكرة على حساب الشاعرية ولا العكس وإنَّما المزج بينهما وهنا يكمن اشتغال الشَّاعر، شعرنة الفكرة أمرٌ غير طارئ ولا يمكن أن يكون مصادفة أو ارتعاشة نشوة ..! لذلك، فالإمساك بشاعرية النَّص والفكرة بالتَّوازي هو نتاج اختمار القراءات وإعادة القراءة الثقافية والأدبية والدِّينية والتاريخية وحتَّى الفلسفية، وهو خلاصة مخزون الشَّاعر الَّتي تنعكس على نتاجه والَّذي يترك الأثر البالغ على القصيدة واتِّجاهاتها، هنا يقول الجاحظ: “الافكار ملقاة على قارعة الطريق” إذًا الفكرة لا تضيء نيزكًا وتنطفئ سريعًا وحينَ لا تتمنَّى أمنية عمرك تكون الخاسرَ الأكبرَ، كلاَّ، فالفكرة تبقى عالقةً في ذهن الشَّاعر يستطيع استنطاقها في اللا وعي وخلقها خارج الأطر متى ما أراد لذلك سبيلا.
ويقرّبنا أكثر من رؤيته عندما يستمد قوله: يقالُ “الفكرة لا تموت” وللشَّاعر تربية فكرته وترويتها حتَّى تنضج وله أن يقطفها حال نضوجها فقط، لن تكون الفكرة قادرة على الوصول إلى ذهن المتلقي وهيَ لم تبلغ تمامها، فالقصيدة اليوم تحتاج إلى اشتغال ثقافي وإنساني وإسقاط تاريخي على الواقع وإعادة استحضار الرموز الدينية والأسطورية والثقافية والتاريخية وإعادة خلق هذه الرُّموز مع ما يناسب العصر الحديث وهذا غيرُ ممكن إلاَّ برؤية روية من الشَّاعر باتِّجاهات غير غارقة في المجاز وغير طافية على الواقع وإنما سابحة حتَّى أقصى الشعرية.
وحول العلاقة الجدلية والملتبسة نوعًا ما في سببٌ ابتعاد الشاعر المعاصر عن التعاطي مع فنون النص المناسباتي والإخواني والاجتماعي وغيره يقول الشاعر المؤلف: يجب عليَّ أن أقول أنَّ للنَّص المناسباتي والإخواني والدِّيني أن يتَّجه باتِّجاه إعادة خلق التاريخ وبعثه معاصرًا لا أن يكونَ مصورًا جامدًا يلتقط الصورة وإنَّما مغامرًا يخلق هذه الصورة ويكونها ويعيشها ويعطيها أبعاده الَّتي يؤمن بها، فالإحالات في النَّص الشعري الحديث لا تكتفي بأن تكون إحالات دينية في النَّص الدِّيني ولا مناسباتية في النَّص المناسباتي وإنَّما إحالات أكثر مرونة تتسع الرؤية بها ولا يضيق المعنى، اللَّغة أكثر اتِّساعًا بالمجاز وتتِّسع أكثر إذا توازت الشاعريَّة مع الفكرة في امتدادٍ أفقيٍّ لا تستطيع العين إلاَّ أن تراهُ مرئيًا غيبيًّا لا نهائيًا .

الطهارة بالكتابة
أما الشاعر يونس البوسعيدي والذي جاد بتفاصيل رؤيته حول هذه القضية الأدبية وماهية طرحها هنا فيقول في الإطار ذاته: على افتراض أنه يوجد تنازعٌ بين الوعي واللا وعي في النص، أي كما قال الأقدمون الصنعة والطبع، والقريبُ منه إلى الشُهرة الغرْف من بحرٍ، أو النحتُ في صخر، هل يجبُ أنْ يكون هذا التنازعُ تناقضًا، لماذا لا يكون متَمِمًا في الوقتِ نفْسه.
ويضيف البوسعيدي: مرة ونحن صغار كما نشاهدُ رسوما متحركة، طائر نسْر أمريكي يدفعُ ابنه من قمة شاهقةٍ ليطير، والطيرانُ في طبْعٌ في الطائر، وببراءة الطفل يومها صرختُ سيسقط الطيرُ ويموت – وكأن للكرتون عظامًا وهكذا سينكسر الطائر، بل كأني هممتُ أنْ أدخل شاشة التلفاز لأنقذ الطائر- لولا أن الطائر أسعفه الطبع وطار، ولم يكن كالدجاجِ أو كالنعام مثلا أهمل الصنعة وضيّع الطبع فلَمْ يُحلّق.
ويضيف في الفكرة ذاتها: حين يتدفق الشاعرُ تحت ضغطٍ نفْسيّ فإنه حينها لا يكتب فكرةً عرضة، لكنه يمارسُ تطهره بالكتابة، وتغيمُ فكرة التطهر بالكتابة في متن النص، كما يغيمُ الملحُ في ماء البحر، بينما حين يكتبُ الشاعرُ نصًا بوعيه، فإنه يمشي على صراط المسطرة، ولذلك فإنّه حينها سيحتاجُ إلى مهارته أكثر من التطهر بالكتابة، ولو احتاج الإثنين كأنه حين يسترجعُ ذكرياتٍ تحت رمادِ السنين، فهنا تكون المخاتلة، مخاتلة الفكرة التي يُريدُها الشاعرُ اندفاقًا في النص، ليُعيد بها التطهر، ممزوجةً ببراعتهِ في توشيّ النص، وأقربُ ناجحٍ فعل ذلك في اعتقادي هو ابنُ زيدون في نونيته الأشهر (أضحى التنائي بديلا عن تنائينا * ونابَ عن طيبِ لقيانا تجافينا) فابن زيدون في هذا النص اتدفق بمهارة صائغ السبائك الذهبية. ولأني جعلتُ ابن زيدون هو من ضربَ قدح التوفيق في المواءمةِ بين الفكرة والاندفاق، فأنا لا أحب أنْ أجعلَ الفكرة والاندفاق في صراعٍ كما يروقُ لمعظم القائلين بذلك، بل أقولُ هما جناحا طائرٍ يجبُ أنْ يرفع أحدهما الآخر.
فالتنافرُ بينهما يقول الشاعر يونس البوسعيدي، هو الذي أضاعَ علينا فنونًا شِعرية حفظتْ بدائع من الشِعر العربي تحت حُجج واعتراضاتٍ واهية، كأنْ يُقال نص منظوم، دون تفسير ما هو النظم، أو نص كلاسيكي دون تحديد ماهية الكلاسيكية، أو يُقال شاعرٌ يخيط النصوص على حسبِ الطلب، والكثير من الأقوال التي أخال أن وراءها ضعْف سليقة البعضِ في الكتابةِ وتحديثِ موهبتهم الشِعرية، لذلك ركدَ الشِعر أمام الجماهير، وما عاد هو الديناميكي الأول الذي يثِبُ بالأرواح.

تفجُّر الألغام في قاع المحيط
الشاعر السعودي جاسم الصحيح عندما توجهنا إليه باستطلاعنا هذا أفرد قوله على أن الشعر هو حُلم في حضرة العقل، وهو كذلك فكرةٌ نابعة من القلب، وهو زواج الحلم والفكرة على إيقاع النغم في صالة الكلمات. لذلك، دائما ما يكون هناك معنى تخييلي يقابله معنى عقلي في معظم القصائد. ويضيف الصحيح: الحديث عن الوعي الشعري الذي يعتمده الشاعر في الكتابة لا يقل أهميةً عن الكتابة ذاتها لأنه هو الذي يؤسس عناصر الإبداع في النص، فكثيرا ما نقول إن الشعر يأتي في لحظة وجدانية ويتدفق عبر حالة من حالات الوجد التي لا يمكن أن نتصنَّعها؛ وهذا القول صحيح في مجمله، ولكن لا يمكن أن تكتمل شعرية النص إلا بعد تهذيبه بهدوء تحت أضواء شموع الصنعة. وقد تحدَّث الشاعر الإنجليزي (ويليام بتلر ييتس وهو أحد الفائزين بجائزة نوبل).. تحدَّث عن هذا الوعي الشعري فقال ما مضمونه: إنَّ الموهبة الشعرية هي قدرتنا على إقناع المتلقي بأننا قد كتبنا القصيدة في حالة من حالات الوجد والوحي والتجلِّي، بينما نحن صنعناها صناعة.
ويؤكد الشاعر جاسم في مجمل حديثه أيضا أن هذا الوعي الشعري العميق يوحي إلينا أنَّ الشعر ينتمي إلى ثنائية الوجد والوعي.. العقل والقلب.. الحلم والفكرة.. ولا يمكن أن يقتصر على أحدهما. إنَّ الأسلوب التعبيري والرؤية وحساسية استخدام اللغة وخلق طاقة الإيحاء وتفعيل المخيِّلة في النصوص.. كل هذه العناصر لا يمكن أن تأتي عفوَ الخاطر، وإنما تحتاج للتأمل والفعل والممارسة شأنها شأن ممارسة الصنعة. ولكنَّ التوحُّد بالذات والموضوع في الكتابة هو حالة من حالات الوجد. الشعر كما قال عنه أحد شعراء الرومانسية الإنجليزية (ويليام ووردزوورث): (الشعر هو عبارة عن انفعالٍ هادئ). وهذا الانفعال الهادئ يعني بالنسبة لي أنَّ الشعر أشبهُ بتَفَجُّرِ الألغام، ولكنْ ليس في الجبال ولا البنايات العالية حيث يعلو صوت الانفجار، وإنما في قيعان المحيطات حيث لا يُسمَع لهذا التفجُّر صوت.
لا أؤمن بتعريفٍ محددٍ للشعر رغم كثرة التعريفات، لكنَّني دائما ضدَّ الكتابة المجَّانيَّة التي ليس لها ظهيرٌ فِعلِيٌّ على أرض الواقع. لذلك، إذا وُجد هذا الظهير الفعليّ الواقعيّ، تكون للشعر قدرته على أن يتجلَّى في المناسبات والإخوانيات والاجتماعيات، ولكن بأسلوبه التعبيري المجازي الترميزي الأسطوري، وليس كما يرادُ له من أسلوبٍ مباشرٍ فجّ كما في بعض هذه الكتابات.

التلبس بجناحين
يحاول الشاعر هشام الصقري أن يقترب من حقيقة رؤيتنا الأدبية من خلال تواصل أكثر واقعية وهنا يشير إلى أن الشاعر متلبس بجناحين: الأول ذلك المتعلق بالوحي والإلهام والتجلي، والآخر ذلك المرتبط بالفكرة واستحضارها، وينبغي عليه ألا يغلب جناحا على الآخر، فتوزيع ذلك بين هذين الجناحين له أثره المحمود والإيجابي في بلورة النص الشعري وتخليصه من ترجيح كفة على أخرى إلى اتزان وتوازٍ يجعل منه نصًّا محلقا وسابحا في فضاءات من الدهشة والتجلي، فالشاعر الذي يعتمد هذين الجناحين يحلق في سماوات الشعر متفردا يجوب مساحات من الجمال ويمر على مكامن التألق والإمتاع، التوازن أمر جوهري ومؤثر دون شك، والشاعر الواعي يدرك ذلك تماما ويرى في حالة كتابة نص ما لا يراه الآخرون، فعودته إلى النص مرات ومرات تجعله أكثر وعيا وإدراكا لهذه الحقيقة، ذلك كله يجعله يعتاد الأمر حتى يصبح عادة من عادات كتابة نص شعري.
أما فيما يخص النص المناسباتي في واقع الشاعر فيقول الصقري: ، فأرى أن ذلك مرهون بالشاعر نفسه، ليتمكن من مراوغة ذلك وإلباسه حلة الشعر عوضا عن جعله نصا مطبوعا على النظم والترصيع، هو في المقام الأول والأخير بيد الشاعر وهو يدرك تماما ما يعني الشعر وما يتركه من أثر في قلوب المتلقين، لذلك يتوجب النظر إلى هذه التفاصيل بدقة وعناية. التجلي والفكرة وتيرتان من المهم أن تسيرا متوازيتين، ما يجعل للنص الشعري قيمة وعمقا وتأثيرا، وعلى الشاعر أن يدرك ذلك حتى لا يغلِّب مصلحة طرف دون الآخر.

دهشة اللحظة
حول فكرتنا الأدبية المطروحة للنقاش هنا يوضح الشاعر إبراهيم السوطي: في رأيي أن تصادف وقوفك لحظة سقوط ورقة من شجرة ليمون تترنح سكرى في الهواء لتكون فكرةً لقصيدة طازجة تأتي دون ميعاد خير بألف مرة من الانتظار أمام حقل أشجار الليمون لتشهد لحظة سقوطها وتخرج الفكرة من الحقيبة لإلصاقها. فكم مرة يُطلب مني قصيدة جديدة في غير موسم الحصاد وأبعث شيئاً قديماً وأنا أقول بكل اطمئنان لستُ مقاولاً ولا مهندساً معمارياً لكي لا أفكر إلا في قلب الموازين ودفع عجلة التاريخ إلى الأمام وإنما مُزارعاً مُزارعيًّا يستضيف العصافير على الأغصان صباحًا ليخبشوا عيون الشمس ويفركوها ويشربوا معها كوب الشاي. وإنما فلاحًا أحيل الأرضَ سماءً والحشائش نجومًا والنخيل كواكب درية.
وحين طُلب مني إلقاء قصيدة في ذكرى المولد النبوي فكرت مباشرة إلقاء قصيدة الشاعر القروي اللبناني أحد شعراء المهجر رشيد سليم الخوري خشية تكرار الفكرة وحدث أيضا في حفل بمناسبة يوم المعلم فخطرت لي فكرة أن أكتب ثناء على أحد أشهر وأقدم معلمي القرآن في بلدتي (عديم البطاشي).
إن محاولة استحضار فكرة لكتابة قصيدة أمر يُرهق الفكرة والقصيدة، وكما فعل الصديق والحبيب الشاعر يونس البوسعيدي حينما رآه رجال الشرطة مستلقياً على رمال شاطئ العذيبة الحريرية بعد منتصف الليل وسألوه ماذا تفعل هنا؟ قال : لا شيء، هكذا بالضبط إن فكرةً ما لا تطلب منك فعل شيء لاستحضارها. هذه اللحظة التي تهبط فيها الفكرة والفكرة فستان القصيدة الأبيض وقميص البحر الأزرق يجب أن لا يزيد المقاس سنتيمترًا واحدًا وأن لا يزداد اللون قطرة واحدةً إن استحضار الفكرة من إبريق المارد هو تمامًا خروج المارد من قمقمه.
أما عن قصائد المناسبات يقول السوطي: هي أخوات المنظومات الشعرية حيث إن القصيدة التي تتردد على المكان هي نفسها في كل مرة عدا أنها في كل مرة تقوم بتغيير اسمها وملابسها وربما تضع الباروكة والمكياج الثقيل تارة والخفيف تارة أخرى لتوهمنا أنها قصيدة أخرى. لذلك فكرة قصائد المناسبات لاتضيف شيئًا سوى إضاءة على المشاعر التي تعيش في داخل الشاعر وفقط داخله إلا أنها لا تقوى على الخروج منه إلى الورق لأن ذلك يحتاج إلى نزيف وقصائد المناسبات لا ترقى لذلك.

تساؤلات مشروعة
الشاعرة الإماراتية شيخة المطيري تبدأ ومن خلال هذه الرؤية بطرح العديد من التساؤلات المشروعة المتمثلة في من أين تأتي الفكرة؟ من أين تأتي القصيدة؟ أي سماء يتسلقها الشاعر لينزل محملاً بالغيم والدمع والكلام؟ وهل القصيدة الحقيقية بحاجة إلى أن تحاط بالأسئلة؟ وبعد تساؤلاتها تقول المطيري: حاولت كتب النقد أن تطرح القضايا الشعرية كمادة دسمة للنقاش ولكن الشعر أبى أن يكون موسمًا دراسيًّا، كتب نزار قباني عن الشعر وحاول فهم ما يحدث بين الشاعر والقصيدة ولكنه وضع نقطة واستمر في كتابة الشعر، وها نحن الآن نتشكل كعلامات استفهام عن الفكرة التي تبدأ بها القصيدة، ولكن الأمر ليس كما نظن، بأن الشاعر سيحدد موضوع الكتابة أو يجعل له طقسًا كتابيًّا خاصًا.
توضح المطيري فكرة المعنى: عندما تبدأ الفكرة بالتشكل في ذهن الشاعر فهي تتكاثف من مشهد أو أكثر ثم تتفاعل مع مشاعره لينتج عن ذلك الكلام الذي ينسل من ضلع الغناء أو البكاء، المرور بهذه الحالة لا يمكن أن يكون متشابهًا وواحدًا فولادة كل قصيدة حالة مختلفة تماماً، أحياناً تبدأ القصيدة بفكرة ولكن اللحظة التي يغيب فيها الشاعر عن كل ما حوله تأخذه إلى نهايات لا يعرفها.. وأرى أن الجمال يبدأ من اللحظة هذه.. لأن الإدراك الكامل يعيد النص إلى اللمسة الواقعية المباشرة وهنا يفقد النص جمال جنونه.. حين أكتب أترك نفسي لبوصلة لا تدرك أين تذهب أغفو وأستفيق.. أترك ليدي حرية الرقص على الورق.. وحين أخرج من بحر الكتابة أتأمل ما حدث، إنها القصيدة أو شبه القصيدة التي حلمت بها، ولذلك فإن القصائد التي يكتبها الوعي الكامل تفقد لونها ورائحتها وتجف سريعاً..
في نهاية القول تشير الشاعرة المطيري إلى قصائد المناسبات فإن لم تكن مكتوبة من وحي حقيقي وإحساس مكتمل من الشاعر فلا تعد قصيدة، وليس من حق أحد أن يطلب من الشاعر كتابة قصيدة عن موضوع ما من أجل المشاركة فقط وليس من واجبنا تجاه الشعر أن نقبل.. إن لم نتأثر فعلاً بالموضوع، ولذا فلا أحكم على شاعرية الشاعر الذي أسمعه في مناسبة ما لأنه غالبًا لا يكون بصورته الحقيقية.. الأهم في كل ما مضى أن لا نجامل على حساب الشعر وأن نكون نحن.

شعر الذاتية
الشاعر منتظر بن شرف الموسوي فحاول أن يثني على هالة الشعر وجمالياته عندما أشار إلينا إلى أن الشعر في حد ذاته حالة من التجلي والانصهار في زوايا الحياة. هذه الحالة التي تخلق مع شيء من التمرد اللغوي حالة من “شبه اللا وعي” تأخذ بالشاعر بعيدًا عن عوالم الحقيقة. الشعر لا يمكن أن يُرسم في حالة من الوعي الكامل ولا يمكن أن يكتمل في حالة من اللا وعي. ويقول الموسوي: هناك حد فاصل بين الضفتين يقف عنده الشاعر ليغرف بيدِ ضميره الإنساني نطفةَ القصيدة، لا تبدأ القصيدة عندما يقول الشاعر سأبدأ الآن ولا تنتهي عندما يقول “تمت” بل حالة شبه الغياب عن الوعي هي التي تحرّك انفعالات الشاعر لينطلق في ملكوته. ولذلك تجد اختلاف الشعرية في قصائد شاعر واحد أحيانًا ما قد يدل على اختلاف منطلق القصيدة. القصيدة الحقيقية والصادقة والتي تقرّر الإعلان عن نفسها بنفسها لها -عادةً- نَفَس مختلف عن القصيدة التي يقرّر الشاعر كتابتها.
حول مناسبة القصيدة ومساراتها هنا يشير منتظر : هذا على كل حال لا يعني أن يمتنع الشاعر عن كتابة قصائد المناسبات. في نظري بأن السبب وراء غياب قصائد المناسبات في الوقت الحالي هو اختلاف الهوى الشعري منذ أن بدأ الشعر يميل إلى الذاتية في أربعينيات القرن العشرين. على أنه هذا لا يعني اندثار قصائد المناسبات نهائيًّا فلا يزال هناك من يكتب هذا النوع من الشعر بنَفَس يذوب في خيالات الشعر ويغوص في أعماق المعنى. وبطبيعة الحال ما دامت القصيدة حقيقية وخالصة فستلمس فيها هذا التأثير حتى وإن كانت قصيدة مناسباتية وهناك أمثلة عديدة على ذلك. الخلاصة أن الشاعر يجب أن يلتمس الحقيقة والإخلاص في الكتابة وعلى القصيدة أن تعلن عن نفسها ولأ أرى أن للشاعر أي سلطة في تحديد هوية القصيدة. الهاجس الذي يدفع تلك الانفعالات الداخلية للإفصاح عن نفسها والتحدث هو من يحدد المسار الذي سيسلكه النص والذي سيسير عليه الكاتب إلى أن يصل إلى الهمسة الأخيرة التي تعلن اكتمال النص.

في خضم نطاق الفكرة تعلق الشاعرة فتحية الصقرية بحقيقة حديثها وتقول: أعتقد أنه لا يمكن لأيِّ كاتب، أو فنّان مؤمن برسالة الفن والحرية أن يكون خاضعًا لاشتراطات تُملَى عليه؛ لينجز عملا أدبيًّا جيدًا ، معنى الكتابة هو معنى الجمال والحرية، معنى المشي والانطلاق بروح عارية باتجاه الكون والإنسان، والكتابة بالنسبة لي، كما قلت في حوار سابق مع جريدة الحياة (القصيدة هكذا كما أتصورها دائمًا: حرة متمردة غير منقادة لسلطة، أو أحكام، تعيش في الزمن الذي خلقت فيه، غير ملتزمة بشروط إيقاعات سابقة، لا أتدخل في حياتها، كل ما أفعله أنني أدخل بعد أن تفتح لي الباب، لأنتظر مشهدًا جديدًا يصور حال صوتي الخارج من ذلك العمق الغامض المليء بالأسرار).

وخز متكرِّر في القلب
وهنا أيضا تؤكد الشاعرة فتحية الصقرية: الكتابة عمل صعب ومجهد، وخز متكرِّر في القلب ، ألمٌ في الروح، التفات وترقُّب هائل، صخب دائم يخترق هدوءك، هدوءك الذي لا يمكنك حتى معرفة شكله، أو وصفه، بشكل دقيق، مموَّه، مخطوف، شبح يدور حولك، ولا تستطيع الإمساك به، تزاول عملك اليومي، وأنت مثقل بالأفكار، تقف، تجلس، ثم تقف مرة أخرى، تذهب وتعود، تظل تائها لعدَّة أيام، قد تمتدُّ لأشهر، في أماكن مجهولة مأهولة بالأسئلة التي تلاحقك، مثل كلاب ضالَّة، الأسئلة الشائكة الكبيرة التي تخطف أنفاسك، ولا تدع لك مجالا للاستراحة، تدور حول قبس من النار معتقدا أنه السرُّ الذي سيوصلك إلى حيث تريد، لا تستقر أبدًا على حال، تمضي في الاتجاه الآخر الذي غالبًا لا يقصده أحد، تبحث عن أشياء صغيرة مهملة، تعتقد أنها مهمة لتضمَّها في روحك بطريقة ملائمة، بطريقة تصيبك بفرح مباغت، أحب صمتي المتأمل للواقع ، الساخر المستفز، المتفاعل طوال الوقت مع مزاجي الهارب من ضجة الكلام، القريب والمائل بشدَّة للمشاهدة والقراءة، قراءة كل ما يصل لعيني، بمتعة المشي في الخيال مع تلك الأصوات المتقافزة في مساحاته الشاسعة، مثل قطيع من الأرانب الجائعة. إذن كتابة نصٍّ شعريٍّ بمثابة الذهاب في رحلة طويلة ممزوجة بالمتعة والمشقَّة والمفاجآت الكثيرة، تدخل الخوف في قلب قلقك، وتبطئ من سرعته، تفتح لك أبوابًا جديدة، تدلُّك على مناطق أخرى، ربما نسيتَها، أو غفلتَ عنها .

حالة وعي مضاعف!!
حول بعض مفردات هذه الفكرة لا يتفق معنا الشاعر يوسف الكمالي عندما يصرح بحديثه: قد لا أتفق كثيرا مع المقدمة الأدبية والموجهَة للسؤال، حالة الكتابة في رأيي وانطلاقا من تخصصي أيضا “علم نفس” لا يمكن أن تعبر عن اللاوعي. بل على النقيض تماما هي حالة وعي مضاعف وتركيز مكثف، وغياب الفكرة أو حضورها في هذه الحالة قد يعود إلى تمكن الشاعر من أدواته الفنية واللغوية وملكته الشعرية وسماته الشخصية. وليس الصراع بين أن تتدفق الفكرة في مجرى الشعر وبين أن يفيض الشعر خارج الفكرة. وهنا يؤكد الشاعر يوسف الكمالي أن الشاعر هو الذي ينطلق من دوافعه النفسية والعاطفية والفكرية في اختيار تفاعله مع العالم من حوله. بعض الشخصيات تميل سماتها إلى العزلة وعمق التحليل والتمتع بما هو فردي، وأخرى تميل إلى مشاركة الناس والتمتع بما هو جماعي ومشترك. إذا فهمنا هذه الطبيعة التكوينية في عمق الشخصية فسنرى انعكاساتها بوضوح في نمط تعبير الشاعر وكتابته. الشاعر المحلل ذو الطبيعة الفردية سيعير المتلقي (المجتمع والمناسبات والشأن العام) التفاتا أقل مما سيعيره الشاعر ذو النمط التشاركي الاجتماعي.

انفعالات وتخيلات
يقترب الشاعر محمد العبري كثيرا مما طرح وهنا يوجد رأيا خاصا به عندما يقول: أولا يجب أن نتفق بأن الشاعر هو إنسان ينصت إلى نفسه ويتبع أحاسيسه ويتأثر بما حوله فتعتلج في صدره مشاعر مختلفة إلا أنه انفرد بترجمة هذه المشاعر والأحاسيس إلى كلام جميل تمازجه العاطفة المتصاعدة والأخيلة الواسعة بعدما كانت فكرة خاطفة اختزلها في نفسه فاصطدمت بمتغيرات عدة أثرت عليها حتى توسعت وأصبحت هاجسا واقعا في نفسه لا بد من ترجمة فورية له قبل أن تتلاشى. ويضيف العبري بحديثه: إن الشعور الأول الواعي للفكرة لدى للشاعر إن تُرجم في قالب معين يتسم بوضوحها فلا تزال هي الأداة التي تحرك انفعالاته وتثير تخيّلاته وتولد له تجربة معينة فينقل الصورة التعددية التي لا تضفي إلى روح القصيدة روحا أخرى متخفية، ولا تجعلها قالبا يشفُّ عما وراءه فيقلُّ الإبداع فيها فإن تعذّر هذا فليجعل الفكرة تخامر ذاته طويلا حتى تنبلج بصورة مختلفة.
حول سلوك الفكرة يترجم الشاعر محمد العبري قوله: من جهة أخرى قد يمتزج مع الفكرة شعور مختلف وانفعالات لا واعية تؤثر عليها فيقلُّ بريقها إلا أن هذه الصدامات الجديدة ولّدت إبداعا ونصا لافتا وأخيلة آسرة مما يؤدي إلى اختلاف التأويلات وتباين الانفعالات من قبل المُتلقّي فيكون للفكرة خيط ضئيل قد يدرك وقد تتلاشى لهذه العوامل الطارئة عند كتابة القصيدة، فلذا أرى مما تقدم بأن القصيدة أمكن من الشاعر فتكون لها الغلبة، ولها الحكم الأقوى فهو بطبيعته يتأثر بدوافع مختلفة مما يتحتم عليه اتباعها لتتجلى بالصورة الانفعالية الصادمة حتى وإن انحرف المسار واختلفت الوجهة.
ويختتم حديثه بتعليق فاحص حول الشعر المناسباتي الاجتماعي: إن لهذه العلاقة الجدلية والمتلبسة سببًا في ابتعاد الشاعر المعاصر عن التعاطي مع فنون النص المناسباتي والإخواني والاجتماعي، وهذا لا شك فيه، فهو دائما ما يحاول الابتكار في إبراز الفكرة وعرضها بأسلوب متفرِّد لا يتبع التقليد وهذا يختلف من شاعر إلى آخر، ومن وجهة نظري عليه أن يأخذ العصا من المنتصف فلا ينقل الفكرة كما هي واقعًا ملموسا ولا يغرق كثيرا في اللا وعي حتى تبرز خيوطها ويشفَّ عالمها ويفهم مغزاها الذي بنيت من أجله.

إلى الأعلى