الجمعة 16 نوفمبر 2018 م - ٨ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / بريطانيا.. والاتحاد الأوروبي

بريطانيا.. والاتحاد الأوروبي

كاظم الموسوي

كتب رئيس معهد الفِكر الاقتصادي الجديد، أناتول كالتسكي، في مقال له حول الاستفتاء ونتائجه، بعد عام منه: “كانت المملكة المتحدة أشبه بمنتحر يقفز من بناية ارتفاعها 100 طابق، وعند مروره بالطابق الخمسين أثناء سقوطه يصرخ: “حتى الآن، كل شيء على خير ما يرام”. والواقع أن هذه المقارنة غير عادلة للمنتحرين. فالرسالة الاقتصادية والسياسية الحقيقية اليوم هي: “حتى الآن، كل شيء في غاية السوء”.

منذ إعلان فوز فريق الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، بعد استفتاء حزيران/ يونيو 2016 والمفاوضات بين الطرفين، الحكومة البريطانية والاتحاد الأوروبي، حول تنفيد سبل الخروج دون هزات كبيرة عند الطرفين، متواصلة ضمن جدول وبرنامج اتفق عليه. وكل طرف استعد وجهز ما لديه من إمكانات قانونية وتنظيمية للتعامل مع الحالة الأولى في تاريخ الاتحاد ومن طرف رئيس فيه. سبق أن خرجت كيانات منه لم تترك أثرا كما هو حال بريطانيا. ولهذا تواصلت المباحثات لسنوات، وستمتد إلى عام آخر بعد انتهاء المدة القانونية في آذار/ مارس 2019 حسب ما أشير أيضا إلى إمكانية تمديد الفترة الانتقالية حسب المفاوضات والاتفاقات.
أما داخل بريطانيا فقد تصاعدت الصراعات الرسمية العلنية بين أطراف داخل الحكومة والحزب الحاكم، حزب المحافظين، وبين رؤوس حامية داخلهما، انتهت باستقالات متتالية لأبرز هذه الأطراف، وزير الخروج من الاتحاد البريطاني ديفيد ديفيز ووزير الخارجية بوريس جونسون وآخرين، وظلت رئيسة الوزراء، تيريزا ماي، وحدها تحمل سيف برنامجها وخططها وبقائها في الحزب والحكم. وإلى حد ما نجحت في سحب البساط من منافسيها ومن الضغوط الداخلية عليها، وبسرعة كلفت وزراء جددا بدلا من المستقيلين وواصلت مشروعها. وظلت تحارب من أجل الخروج باتفاق مع الاتحاد دون الاضطرار إلى الخروج بدون اتفاق، كما ذكرت ذلك، هي وعدد من وزرائها الجدد.
شجعها من جهة أخرى ما صوّت البرلمان البريطاني عليه، لصالح استراتيجيتها الشاملة لشروط الخروج من الاتحاد الأوروبي، بعد رضوخها لضغوط من أنصار الانسحاب من التكتل في حزبها. (2018/7/17) وكشف التصويت عن إقرار المشروع بواقع 318 صوتا مقابل 285 عن ضعف ماي في المجلس وعمق الانقسام في حزب المحافظين الذي تنتمي إليه رئيسة الوزراء، الأمر الذي ينذر بعرقلة التقدم في المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي.
وحينها قالت ماي، إن استراتيجيتها هي الوحيدة التي يمكن أن تحقق أهداف الحكومة للخروج من الاتحاد، وتعد أكبر تحول في السياسة الخارجية والتجارية لبريطانيا منذ عقود، متعهدة بالالتزام في التفاوض من أجل الحفاظ على علاقات تجارية وثيقة مع الاتحاد الأوروبي. لكن كلا الطرفين في حزبها وجه انتقادات واسعة لخططها المستقبلية في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي حتى قبل معرفة رأي الاتحاد نفسه برؤية ماي لعلاقات بريطانيا المستقبلية مع الاتحاد في مجالات مختلفة.
واستهدف أنصار الخروج من الاتحاد الأوروبي، مشروع قانون طرحته الحكومة بشأن مستقبل الجمارك مع الاتحاد الأوروبي، مطالبين ماي باتباع نهج أكثر تشددا وحزما تجاه الاتحاد. وقبلت الحكومة التعديلات التي طرحوها بدلا من مواجهتها. وفي هذا السياق، قال متحدث باسم ماي إن التغييرات التي أدخلت على مشروع القانون الذي يعرف رسميا باسم مشروع قانون الضرائب (التجارة عبر الحدود)، لم تفعل شيئا سوى أنها وضعت سياسة الحكومة موضع التطبيق (حسب ما أوردته وكالات الأخبار).
وأثار تشديد التأكيد على أن تحصيل بريطانيا والاتحاد الأوروبي الرسوم والضرائب مستقبلا سيكون على أساس متبادل، أثار مخاوف لدى بعض البرلمانيين البريطانيين من أن يكون أنصار الانسحاب جعلوا خطة ماي أقل قبولا لدى التكتل الأوروبي. ومعلوم أن نسبة الاستفتاء كانت 52% مع الانسحاب، أي أن المجتمع البريطاني منقسم أساسا حول الانسحاب، وحين عرف تبعات ما وافق عليه وتقرير ما بعده ندم الكثير منه، ولهذا تحاول أطراف معارضة داخل بريطانيا الدعوة إلى استفتاء جديد، ثانٍ، يقرر المصير، سواء من حزب العمال المعارض أو منظمات مدنية وغيرهما.
كتب رئيس معهد الفِكر الاقتصادي الجديد، أناتول كالتسكي، في مقال له حول الاستفتاء ونتائجه، بعد عام منه: “كانت المملكة المتحدة أشبه بمنتحر يقفز من بناية ارتفاعها 100 طابق، وعند مروره بالطابق الخمسين أثناء سقوطه يصرخ: “حتى الآن، كل شيء على خير ما يرام”. والواقع أن هذه المقارنة غير عادلة للمنتحرين. فالرسالة الاقتصادية والسياسية الحقيقية اليوم هي: “حتى الآن، كل شيء في غاية السوء”. جاءت “صفقة” بدء المفاوضات حول هيئة العلاقات بعد خروج بريطانيا، والتي أُعلن عنها في قمة الاتحاد الأوروبي في الخامس عشر من كانون الأول/ ديسمبر، في أعقاب إذعان رئيسة الوزراء تيريزا ماي لجميع مطالب القادة الأوروبيين: المساهمة في الميزانية بمبلغ 50 مليار يورو (59 مليار دولار أميركي)، وولاية المحكمة الأوروبية على كل ما يتصل بحقوق مواطني الاتحاد الأوروبي في بريطانيا، والحدود المفتوحة دائما مع أيرلندا.” وكتب موضحا ما يدور اليوم حوله، وتتلخص نتيجة هذا التنازل الحاسم بشأن أيرلندا في إمكانية استبعاد كل السيناريوات التي تُقتَرَح عادة لرسم العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي الآن. ففي غياب أغلبية برلمانية لإبطال الاتفاق، لم يعد من الممكن تطبيق سيناريو “الخروج العنيف”، حيث تتحرر بريطانيا من القواعد التنظيمية المعمول بها في الاتحاد الأوروبي وتدير تجارتها على أساس قواعد منظمة التجارة العالمية فقط. كما بات من المستحيل بنفس القدر تطبيق “الخروج السلس” الذي يحاول الحفاظ على الفوائد التجارية المستمدة من عضوية الاتحاد الأوروبي من دون التزامات سياسية، لأن قادة الاتحاد الأوروبي يرفضون “انتقاء الشروط المحببة” على هذا النحو ــ وهم الآن يملكون زمام الأمور.”
الآن وفي ظل الصراع الداخلي وانعكاسه على الخارجي، تتناقض تصريحات المسؤولين البريطانيين أساسا أمام هذه الفترة وما سيليها، فوزير الخارجية البريطاني الجديد جيريمي هانت اعتبر أن الاتحاد الأوروبي يغامر عبر مواقفه من بريكست بقطيعة طويلة الأمد مع المملكة المتحدة. وقال إثر مباحثات مع نظيره الألماني هايكو ماس ببرلين في أوّل زيارة له للخارج “بشأن بريكست هناك خطر حقيقي بعدم التوصل إلى اتفاق”. وأضاف: “أعتقد أن كثيرين داخل الاتحاد الأوروبي يرون أنه يكفي الانتظار فترة كافية ليتنازل البريطانيون أولا، لكن ذلك لن يحدث”.
مما يعني أن أزمة جديدة تطل برأسها في لندن، وأن الحكومة القائمة تعيش تصدعات متوازية، فهل ستواصل رئيسة الوزراء قولها: الخروج يعني الخروج، من الاتحاد الأوروبي، كما تراه أو كما هي مجريات الأمور في الواقع، وهل ستنجح في قراراتها أم تضطر هي الأخرى إلى الخروج من الحكومة كما حصل مع سلفها، ديفيد كاميرون؟! ومن يسبق في الخروج والعلاقات، بين لندن وبروكسل؟!

إلى الأعلى