الأربعاء 14 نوفمبر 2018 م - ٦ ربيع الثاني ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / تاشا أو ميسا .. فكرة نميسة

تاشا أو ميسا .. فكرة نميسة

د.احمد مصطفى

ليست الفكرة، مع ذلك، بالجديدة ويجري الحديث عنها في أوساط مختلفة منذ تولي الرئيس ترامب السلطة مطلع العام الماضي. كما أن فكرة التعاون الاستراتيجي والأمني بين دول الخليج ومصر والأردن تحديدا تعود إلى ما قبل ذلك ـ واتخذت خطوات عملية في هذا الاتجاه في إطار مكافحة الإرهاب وغيره ـ وإن لم تصل إلى حد الحلف الاستراتيجي.

عاد الحديث مجددا عن فكرة ائتلاف عربي بدعم من الولايات المتحدة لمواجهة تهديدات إيرانية، وذلك في إطار سياسة الإدارة الأميركية الجديدة التي تريد تعويض “فك الارتباط الأميركي” مع العالم بحلفاء يقومون بمهام إقليمية ومحلية في مناطق معينة. فمع شعار الرئيس الأميركي دونالد ترامب “أميركا أولا” تسعى إدارته للتخلي عن التزامات دفاعية واستراتيجية في مناطق عدة من العالم منها منطقة الشرق الأوسط، وحتى تخفيف التزامات واشنطن ضمن تحالفات تقليدية كما هو الحال مع أوروبا ضمن حلف شمال الأطلسي (الناتو). وربما هذا ما جعل البعض مؤخرا يتحدث عن “ناتو عربي” في طور التكوين يضم دول الخليج ومصر والأردن بهدف العمل المشترك على حماية الأمن الإقليمي وردع أي عدوان محتمل على تلك الدول أو أي منها. أما التسمية التي نقلتها وكالات الأنباء عن مسؤولين أميركيين لم تسمهم، أحدهم ناطق باسم مجلس الأمن القومي، فهي “التحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط” ويمكن اختصاره (تاشا)، أما بالإنجليزية كما ينطقه الأميركان فهو (ميسا) Middle East Strategic Alliance (MESA) ، وسواء كانت التسمية تاشا أو ميسا فإن المهم هو الفكرة “النميسة” كما يقول المصريون.
ليست الفكرة، مع ذلك، بالجديدة ويجري الحديث عنها في أوساط مختلفة منذ تولي الرئيس ترامب السلطة مطلع العام الماضي. كما أن فكرة التعاون الاستراتيجي والأمني بين دول الخليج ومصر والأردن تحديدا تعود إلى ما قبل ذلك ـ واتخذت خطوات عملية في هذا الاتجاه في إطار مكافحة الإرهاب وغيره ـ وإن لم تصل إلى حد الحلف الاستراتيجي. وليس ذلك أيضا بالأمر المستغرب في ظل ضعف جامعة الدول العربية وعدم الفعالية المطلقة لاتفاقية “الدفاع العربي المشترك” وتعاظم التحديات الأمنية التي تواجهها دول المنطقة مع اشتعال أكثر من بؤرة من العراق إلى ليبيا ومن سوريا إلى اليمن. لكن الجديد في حديث هذه الأيام هو أن الأميركيين سيدعون دول المنطقة في غضون شهرين أو ثلاثة إلى واشنطن ليحثوهم على إنشاء التحالف على أن يكون هدفه الأساسي مواجهة “الخطر الإيراني”. وكأنما هناك من يعمل على أن يعيد نسخ الأمور من صورة الحرب الباردة (حلف الناتو مقابل حلف وارسو) في أوروبا وقطبي العالم وقتها: الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة ـ أو شرق وغرب .. أو .. أو .. الخ. مع الأخذ في الاعتبار أن التاريخ حين يعيد نفسه تكون النسخة باهتة ومع التكرار تصبح بلا ملامح واضحة.
ورغم تقاطع الأهداف بين الدول المعنية وواشنطن في التحسب لتدخلات إيران، إلا أن فكرة حلف تقف خلفه أميركا قد تكون المسار الصحيح. ثم إن أغلب تلك الدول تتعاون بالفعل في مجالات دفاعية وأمنية متعددة ويمكنها البناء على ما بينها لمواجهة أي تحديات جديدة دون الحاجة لمهر ذلك بخاتم أميركي قد لا يفيد أكثر مما يضر، خصوصا وأن واشنطن كما يكرر ترامب ليست مستعدة لتقديم أي عون. وبقية ما يمكن الإشارة إليه هو تحصيل حاصل: على حلفاء أميركا الاعتماد على أنفسهم في حماية مصالحهم (وهم يفعلون وسيفعلون)، أميركا يهمها بيع السلاح للحلفاء (وهم يشترون سيشترون)، .. أضف إلى ذلك أن إقامة مثل هذا التحالف الاستراتيجي بالطريقة التي يتحدث عنها الأميركيون سيعني بالضرورة مواجهة تحالف مضاد (وليس إيران فحسب) من الدول التي لإيران قوى موالية فيها أو التي تخضع لنفوذ إيراني قوي مثل العراق، وسوريا، ولبنان، وغيرها. ولا أعتقد أن أحدا في دول الخليج أو مصر أو الأردن يريد أن يذكي نيران طائفية بغيضة لن يسلم منها أحد في الإقليم، بل على العكس ورغم التحسب لتدخلات إيران ومواجهتها فهناك حرص كبير على ألا يؤخذ الصراع في سياق طائفي. إنما من له مصلحة في ذلك هو الفصيل المثير للقلق والاضطرابات (حركات إسلامية وجماعات الإرهاب) الذي تواجهه تلك الدول المعنية بميسا أو تاشا باعتباره خطرا لا يقل عن ما يمثله نفوذ إيران.
المهم هنا أن دول المنطقة أصبحت تدرك أكثر فأكثر أنه “ما حك جلدك مثل ظفرك”، ومهما كانت أهمية دعم قوى كبرى فلا أظن أنها في إطار سعيها لحماية مصالحها بالاعتماد على النفس ستخاطر بأن تدخل في أحلاف تضر أكثر مما تنفع. ثم إن من يسعى للتحالف والائتلاف سيكون عليه بالضرورة تقوية التقاطعات ونقاط التفاهم، حتى مع من لا يشاركونه أهدافه بشكل متطابق، وتعزيز ما هو مشترك بالحد الأدنى. وربما كان وراء طفو تلك الفكرة على السطح عوامل أخرى، أو حتى بالونات اختبار أو تكتيك ردع في إطار صراع ممتد، دون أن يعني بالضرورة ما يروج له أميركيا من “حلف” خلف واشنطن في إطار صراع إقليمي لها فيه مصالح. ولعل من المهم هنا الإشارة إلى أن كل دول التحالف المقترح لا تتبنى ذات الموقف من بعض القضايا الساخنة في المنطقة، حتى وإن اتفقت على الحد الأدنى مما هو مشترك وتحديدا تحسبها لما تسميه “خطر الإخوان وإيران”. ويبقى أن مثل هذه الأفكار، طالما تسعى لتعزيز الأمن الإقليمي ومواجهة التحديات، قد تسهم في تسريع تسوية الصراع بدلا من تفاقمه ـ وهو هدف ربما لا يتقاطع مع مصالح أميركا لكنه بالتأكيد لصالح دول المنطقة.

إلى الأعلى