الأربعاء 14 نوفمبر 2018 م - ٦ ربيع الثاني ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / “أراضي الإنجيل”

“أراضي الإنجيل”

د. محمد الدعمي

أما عندما نتقدم في سلم التاريخ إلى أمام تاركين عصر الحروب الصليبية، فإننا سنجد أن الاستشراق برمته، لم يتطور فقط برعاية حكومية من “وزارة المستعمرات”، على سبيل المثال، وإنما هو حظي برعاية الكنيسة أولا، لا الجامعة ولا الحكومة! لذا، نافست الكنائس، على تنوعها ومذاهبها، مؤسسات الدول الغربية المختصة، في هذا الحقل..

أراهن بأن أحدا منا لم يسمع بأن إقليمنا العربي المشرقي، المترامي ما بين وادي الرافدين شرقا، وبين سواحل البحر المتوسط غربا، له اسم خاص في أدبيات الاستشراق الكلاسيكي، وهو “أراضي الإنجيل” Bible Lands، إذ تنطوي هذه التسمية على اختلاف زاوية المنظور: فبينما نرى، عبر هذا الإقليم المترامي، ذي الأغلبية السكانية المسلمة، أنه “المشرق العربي الإسلامي”، لا يرى العقل الغربي، ذو الأغلبية السكانية المسيحية، الأراضي الممتدة من “أور”، مسقط رأس النبي إبراهيم (عليه السلام) إلى حيفا ويافا والجليل، من بين سواها من مدن فلسطين، سوى المسرح الذي شهد نزول الدينين التوحيديين اليهودي والمسيحي.
ونظرا لأن هذا الإقليم، بأصغر تفاصيله الجغرافية، وزواياه الموضعية قد شهد قصص “العهد القديم” The Old Testament وما تلاها من قصص “العهد الجديد” The New Testament، فقد اصطلح العقل الغربي عليه عنوان “أراضي الإنجيل”، إشارة إلى هذا الشريط نصف الصحرائي المتموج، ونصف الأخضر الخصيب، مشكلا بدراسته نظاما علميا جغرافيا متفردا، قد لم يسمع به حتى أساتذة أقسام الجغرافيا في الجامعات العربية، وهو: “الجغرافيا المقدسة” Sacred Geography أو “جغرافيا الكتاب المقدس”.
والحق أقول، بأن علينا، مختصين في دراسة الاستشراق ونقده، أن نتذكر دائما أن رواد الاستشراق، أي المستشرقين الأوائل، لم يكونوا “مستشرقين” بالمعنى الحرفي للفظة، ذلك أنهم بدأوا اهتمامهم بإقليمنا، “حجاجا”، بمعنى أن جذر اهتمامهم بهذا الشريط الشاسع من الأرض، إنما كان دينيا عاطفيا صرفا: لا علميا ولا استعماريا، كما يحلو للبعض الاعتقاد.
لهذا السبب، يرجع مؤرخو الاستشراق ونقاده إلى العصر الوسيط لتتبع جذور الاستشراق، مع إشارة خاصة إلى الحملات الصليبية التي كان دافعها الأول دينيا، لا اقتصاديا ولا علميا.
أما عندما نتقدم في سلم التاريخ إلى أمام تاركين عصر الحروب الصليبية، فإننا سنجد أن الاستشراق برمته، لم يتطور فقط برعاية حكومية من “وزارة المستعمرات”، على سبيل المثال، وإنما هو حظي برعاية الكنيسة أولا، لا الجامعة ولا الحكومة! لذا، نافست الكنائس، على تنوعها ومذاهبها، مؤسسات الدول الغربية المختصة، في هذا الحقل، بدليل أن “الحجاج” الأوائل الذين قدموا إلى إقليمنا لإماطة اللثام عن عالم الشرق العربي الإسلامي، إنما بدأوا في محاولات رؤيوية لتخيل قصة السيد المسيح (عليه السلام) ولتدقيق انطباقها مع النص المقدس: أين ولد وأين ذهب، وأين صلب؟ لم تكن الفكرة الأصل هي بسط السيادة الفرنسية أو الإيطالية أو البريطانية على هذه الأراضي والأقاليم والأقوام المتساكنة عبر”إقليم الإنجيل”. هم أرادوا في بداية الأمر، أن يشاهدوا ما الذي تبقى من البيت الذي ولد فيه أبو الأنبياء “إبراهيم” الخليل في “أور” بالقرب من مدينة الناصرية جنوب العراق اليوم. لم يكونوا يعلموا قط بأن تلك الأرض إنما تبتطن مخزونات نفطية كبيرة، بل هم راحوا صوب مسقط رأس يسوع المسيح (عليه السلام) حتى قبل أن يكون هذا النفط النفيس مادة معروفة حقبة ذاك.

إلى الأعلى