السبت 17 نوفمبر 2018 م - ٩ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الإسلام دين العلم والعمل (1)

الإسلام دين العلم والعمل (1)

محمد عبدالظاهر عبيدو*
أيها الإخوة القراء .. إنّ ديننا تحدث عن العلم حديثاً وافياً كافياً وتحدث عن العلماء ورفع منازلهم، وتحدث الإسلام وأبان أن طلبة العلم هم حملة أعلامه، وحفظة أحكامه، ونقلة أخباره، وحماة أركانه، ويكفي العلم فخراً أن أول آيات نزلت من كتاب ربنا توجه الرسول (صلى الله عليه وسلم) في أول لحظة من لحظات اتصاله بالملأ الأعلى، وفي أول خطوة من خطواته في الطريق الأسمى أن يقرأ، ومما يزيد من هذه القيمة العلمية أن يكون الخطاب موجهاً للنبي الأمي الذي قدّر الله أن يكون أمياً لحكمة بليغة ولكنه بدأ الوحي إليه متوجا بالقراءة والتعليم بالقلم، ولا غرابة فهذا دين إلهي ومنهج رباني يعرف مقدار الكتابة والقراءة وأثرهما في نظام الدنيا وصلاح العالم (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (العلق 1 ـ 5).
ولقد أقسم الله تعالى بالكتابة وأدواتها والقراءة ووسائلها فقال:(ن، وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) (القلم 1 ـ 2)، إن هذا تعظيم لهذه القيمة وتوجيه لتلك الفضيلة في وسط الأمة التي لم تكن تتجه إلى التعليم عن هذا الطريق، وكانت الكتابة فيها متخلفة ونادرة، في الوقت الذي كان دورها المقدر لها في علم الله يتطلب نمو هذه المقدرة فيها، وانتشارها بينها، لتقوم بنشر ثقافتها في ارجاء الأرض، ثم لتنهض بقيادة البشرية قيادة راشدة حكيمة وما من شك أن الكتابة عنصر أساس في النهوض بأعباء هذه المهمة الكبرى، وما أروع لفظ (وما يسطرون) حيث يشمل هذا التعبير كل فنون الكتابة عما في المضير بالرسم والتصوير، ويشمل أيضاً كل آلة أو نظام استحدث للتواصل إلى ذلك من آلات ومعدات حدثت وستحدث (ويخلق ما لا تعلمون).
وتعالوا بنا ـ أيها القراء الكرام ـ لنقف على حد العلم أولاً ـ تعريف العلم لغةً واصطلاحاً، جاء في قواميس اللغة والمفردات: أن العلم مصدر قولهم (عَلِمَ يَعْلَمُ عِلْماً) وهو مأخوذ من (مادة ع ل م) التي تدلُّ على أثرٍ بالشيء يتميز بها عن غيره، قال الراغب وعَمَّمْتُه وأعلمته في الأصل واحد، إلا أن الإعلام اختص بما كان بإخبار صحيح، والتعليم اختص بما يكون بتكرير وتكثير حتى يَحْدُثَ منه أثر في نفس المتعلم، وقول الله تعالى: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)، فعليم يصح أن يكون إشارة إلى الإنسان العالم الذي يكون فوق آخر، ويكون تخصيص لفظ العليم الذي هو للمبالغة تنبيهاً إلى أنه بالإضافة غلى الأول عليم وإن لم يكن بالإضافة إلى من فوقه كذلك، ويجوز أن يكون قول الله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ ..) (الجن 26 ـ 27)، فيه إشارة إلى أن لله تعالى علماً يختص بأوليائه، والعلم في وصف الله تعالى:(هو الذي لا يخفى عليه شيء).
وقال ابن منظور: العلم نقيض الجهل، وعلمت الشيء أعلمه علماً عرفته، قال ابن بَوِّئ: وتقول عَلِمَ وفَقِهَ أي تَعَلَّمَ وتَفقَّه، وعَلِمَ وفَقِهَ (بالضَّم) أي: ساد العلماء والفقهاء، والعلّام والعلَّامَة: النسابة وهو من العلم قال ابن جِني: رجل علامة، وامرأة علاَّمة، وفي حديث ابن مسعود:(إنك غُلَيِّمٌ مُعَلّم)، أي: ملهم للصواب والخير، وَعَلِمَ بالشيء شعر، يقال: ما علمتُ بخبر قدومه: أي ما شعرت، وعَلِمَ الأمر وتعلَّمه: أتقنه، وعَلِمَ الرَّجُلَ: خَبَرهُ وأحب أي يعلمه أي يخبره.
والعلم اصطلاحاً: قال الجرجاني في كتابه التعريفات: العلم هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، وقال الفيروز ابادي: العلم ضربان، الأول: إدراك ذات الشي والثاني: الحكم على الشي بوجود شيء هو موجود له، أو نفي شيءٍ هو منفيٌ عنه، والعلم من وجه آخر ضربان: نظري وعملي، ومن وجه ثالث: عقلي وسمعيّ، قال المناوي: العلم هو صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض أو هو حصول صورة الشيء في العقل، وقال أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى: العلم هو معرفة الشي على ما هو عليه.
وأقسام العلم: وبعد أن وقفنا على حد العلم نريد أن نعرف أقسامه: وهو فرضان فرض عين وفرض كفاية، قال ابن الجوزي في بيان العلم الذي هو فريضة على كل مسلم: اختلفت عبارات الناس في بيان العلم المفروض، والصحيح أن يقال: هو علم معاملة العبد لربه وهو يدخل في باب الاعتقاد والأفعال، وهذا العلم المفروض ينقسم غلى قسمين، فرض عين: وهو ما يتعين وجوبه على الشخص من توحيد الله ومعرفة أوامره وحدوده في العبادات والمعاملات التي يُحْتاجُ إليها، وفرض كفاية: وهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام الدنيا كالطب والحساب وأصول الصناعات، كالفلاحة والحياكة والحجامة .. وغير ذلك من الصناعات والتعمق في مثل هذه العلوم يُعَدُّ فضيلة وفضلاً وواجباً فيمن تخصص فيه لأنه اصبح في حقه فرض عين ومن العلوم ما يكون مباحاً كالعلم بالأشعار التي لا سُخْفَ فيها، ومن العلوم ما يكون مذموماً كعلم السحر والطلسمات، وأما العلوم الشرعية فكلها محمودة .. وللحديث بقية في العدد القادم بإذن الله تعالى.
* إمام وخطيب جامع محمد الأمين

إلى الأعلى