السبت 17 نوفمبر 2018 م - ٩ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الأشهر الحرم

الأشهر الحرم

إبراهيم السيد العربي:
أعزائي القراء .. ونحن في أشهر الحرم نستقرئ معكم هذا الموضوع للعلم والفائدة حيث اقتبسنا بعضه من (تفسير القرآن العظيم لابن كثير).
يقول الله عز وجل في محكم التنزيل:(إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين) سورة التوبة (36).
هذه الآية المباركة فيها تذكير للناس بأن الأيام تمر بسرعة البرق وما عدة الشهور هذه إلا أنها تذكر العبد كل مساء ليراجع حساباته مع ربه سبحانه وتعالى وهل هو في هذا النهار من طلوع الفجر إلى أن تغرب الشمس ويدخل ظلام الليل ويأتي العبد إلى مضجعه هل هو كان كما أمر الله تعالى أم أنه قصر في حق الله؟ هنا لابد للعبد أن يتذكر هدي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويكثر من الأدعية المأثورة عن سيد الخلق محمداً (صلى الله عليه وسلم) وكذلك يراجع نفسه من ناحية العبادة والمحافظة عليها فإن وجد خيرا فليحمد الله على توفيقه له, ويسأل الله السداد والقبول ولقد ورد في تفسير ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية المباركة لقد ذكر حديثا لسيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يبين للناس فيه حال الزمان فقال:(ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان, ثم قال:(أي يوم هذا؟) قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى، ثم قال:(أي شهر هذا؟) قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى. ثم قال:(أي بلد هذا؟)، قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، أليست البلدة؟ قلنا: بلى. قال: “فإن دماءكم وأموالكم قال: وأحسبه قال: وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا لا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت؟ ألا ليبلغ الشاهد الغائب منكم، فلعل من يبلغه يكون أوعى له من بعض من يسمعه).
نعم أخي الكريم: ما أجمل هذا البيان الرسمي من خير البشر سيدنا محمد فيه بيان لحرمة هذه الأشهر الحرم وكذلك فيه بيان لعظم حرمة المؤمن، وتفكروا في قوله (صلى الله عليه وسلم):(فإن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام) في هذا بيان كاف وشاف لكي نتجنب الاعتداء على المال والعرض والنفس لأن الله تعالى سوف يحاسب العباد على هذه الأمانات التي استودعها الله تعالى عندنا سوف نسأل ونحاسب فهل أعددنا العدة للموقف العظيم هذا؟.
لقد حج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في تلك السنة في ذي الحجة، وخطب الناس هذه الخطبة العظيمة ووضح لهم الكثير من الأمور وخاصة حرمة المسلم وأنها أعظم حرمة من حرمة الكعبة المشرفة ونأتي لأمر مهم جدا في هذه الآية الكريمة يوضح الله تعالى لنا أمرا مهما ألا وهو البعد عن ظلم النفس في هذه الأشهر الحرم قال تعالى:(ذلك الدين القيم) أي: هذا هو الشرع المستقيم، من امتثال أمر الله تعالى فيما جعل من الأشهر الحرم، ثم نبهنا إلى ما أريد الوصول إليه في هذا المقام ألا وهو البعد عن ظلم النفس، فقال تعالى:(فلا تظلموا فيهن أنفسكم) أي: في هذه الأشهر المحرمة ابتعدوا عن الظلم للنفس والظلم للغير فالظلم ظلمات يوم القيامة، وكما أن المعاصي في البلد الحرام تضاعف، لقوله تعالى:(ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم) (الحج ـ 25) وكذلك الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام؛
ويقول عبد الله ابن عباس وهو حبر الأمة وترجمان القرآن في قوله تعالى:(إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً)، (فلا تظلموا فيهن أنفسكم) أي: في كلهن، ثم اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حراماً، وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم. وقال قتادة في قوله تعالى:(فلا تظلموا فيهن أنفسكم) إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزراً، من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيماً، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء.
والخلاصة التي ننتهي إليها مما ذكرناه أولاً: يجب علينا الاتعاظ والعبرة من مرور الأيام, ولابد من وقفة مع النفس لمحاسبتها ومراجعتها قبل أن يأتي يوم القيامة فهو قريب جداً وهو آت لا محالة، وثانياً: في الأشهر الحرم الأربعة وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم, ثم شهر رجب الفرد فعلينا أن نبتعد فيها عن المعاصي وعن ظلم النفس وظلم الغير بل إن الكثير من العلماء وصلوا إلى القول بوجوب البعد عن المعاصي في كل أشهر العام وكل أيامه وساعاته وهذا هو الأفضل.
ونسأل الله تعالى أن يسدد خطانا وأن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى اللهم آمين والحمد لله رب العالمين.

* إمام وخطيب جامع الشريشة/ سوق مطرح

إلى الأعلى