الإثنين 17 ديسمبر 2018 م - ٩ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / سيف باشا العُماني
سيف باشا العُماني

سيف باشا العُماني

د.سليمان المحذوري abualazer@gmail.com
تابعت باهتمام إحدى حلقات برنامج “ذاكرة” من إعداد وتقديم الإعلامي القدير محمد بن علي المرجبي الذي عُرض في ليلة من ليالي رمضان المبارك قبل أربع سنوات من الآن. كما أُفردت حلقة أخرى تتناول ذات الشخصية ضمن سلسلة حلقات برنامج “مآثر” الذي عُرض في رمضان الماضي. وقد شدّني في هذا البرنامج تسليط الضوء على شخصية عُمانية فريدة من نوعها والتي تستحق بكل تأكيد أن يُفرد لها مساحة اعلامية مُناسبة. هذه الشخصية هي سيف باشا وهو الشيخ سيف بن علي بن ناصر بن حامد البوعلي الذي ولد عام 1894م في ماليندي بكينيا. تعود أصول آبائه إلى ولاية سمائل بمحافظة الداخلية، ولا يُعرف على وجه الدقة تاريخ هجرة أسرته إلى إفريقيا الشرقية. وقد بدأ حياته بدراسة القرآن الكريم في ماليندي، ثم التحق بالمدرسة الحكومية في زنجبار لمدة ثلاث سنوات عاد بعدها إلى ماليندي التي بدأ فيها حياته العملية بتأسيس مشروع تجاري ، وفي عام 1914م سافر إلى ممباسا لتحسين مستواه في اللغة الإنجليزية.
عمل الشيخ سيف كذلك في المجال الإداري وتحديدًا في إدارة بريد ممباسا لمدة أربع سنوات، وفي عام 1920م نُقل إلى دار السلام للعمل في ذات المجال،ثم تقرر نقله إلى إدارة الأراضي والمساحة. وفي عام 1939م انتُدب في المكلا للعمل في منصب كبير مرموق يوازي رئيس وزراء؛ وذلك في عهد السلطان صالح بن غالب القعيطي1 سلطان الدولة القعيطية2 التي تضم الشحر والمكلا بحضرموت؛ حيث شغل الشيخ سيف منصب سكرتير الدولة أي رئيس الوزراء لمدة 11 عاما خلال الفترة 1939-1950م. وأثناء شغله لهذا المنصب أناب عن السلطان صالح انابة كاملة في إدارة البلاد لمدة ثلاث مرات أعوام 1943و1946و1947، وكان يمارس عمله وفقًا للاختصاصات الموكلة إليه كرئيس للوزراء وبصلاحيات كاملة.
ولكن ربما يتبادر إلى الذهن سؤال لماذا انتُدب الشيخ سيف إلى المكلا بالذات؟ والإجابة على هذا السؤال تتلخص في أنّ الدولة القعيطية كانت تحت الانتداب البريطاني، كما أنّ زنجبار هي الأخرى محمية بريطانية منذ عام 1890م، إلى جانب ذلك الخبرات والمهارات الإدارية التي يتمتع بها الشيخ سيف، إضافة إلى تمكنه من اللغة الإنجليزية أهّله لتولي هذا المنصب بجدارة واستحقاق.
وخلال فترة عمله وخدمته للدولة القعيطية منحه السلطان صالح بن غالب لقب “باشا” الذي يعادل “سير” Sirفي 4 أكتوبر عام 1943م بنص هذا المنشور ” ليعلم جميع الناس أننا نحن صالح بن غالب القعيطي سلطان الشحر والمكلا اعترافًا بالخدمات الجليلة التي قام بها الشيخ سيف بن علي البوعلي سكرتير دولتنا في إصلاح وتنظيم مملكتنا، وبسبب ثقتنا الخاصة في ولائه وحسن سلوكه، فقد منحناه لقب الباشا متمنين له النجاح في عمله “.
كما نال عدة أوسمة مثل وسام الامتياز الفضي السلطاني في 2 اكتوبر عام 1949م “من السلطان صالح بن غالب بن عوض القعيطي الأول سلطان المملكة القعيطية الحضرمية إلى جناب صاحب العزة الشيخ سيف باشا بن علي البوعلي أ.بي إي سكرتير الدولة تحية. نظرًا إلى خدماتكم المكللة بالنجاح ، وتفانيكم بإخلاص وأمانة في أعمالكم التي قمتم بها منذ وكلت إليكم، وبعد أن أفصحت أعمالكم بالكفاءة والجدارة، فإننا نمنحكم وسام الامتياز الفضي السلطاني مع ما منحناه لكم ما له من الحقوق والامتيازات التابعة له “. إضافة إلى ذلك مُنح الشيخ سيف أيضًا وسام آخر من ملك بريطانيا جورج السادس عام 1950م.
ومما يُؤثر عن الشيخ سيف حسبما يروي ذلك حفيده الأستاذ علي بن ناصر أنّ الشيخ سيف كان مهتمًا بالتدوين؛ حيث كان يحرص على تدوين كل التفاصيل التاريخية المهمة التي تتعلق ببعض الأحداث خاصّة تلك التي تخص أفراد أسرته كالمواليد والوفيات ونحو ذلك.
وبعد رحلة مليئة بالفخر والاعتزاز لما حققه من انجازات غير مسبوقة لشخصية عُمانية خارج منطقة النفوذ العُماني عاد الشيخ سيف إلى زنجبار عام 1950 بعد انتهاء فترة عمله في سلطنة الشحر والمكلا. وقد أهداه السلطان صالح بن غالب كتارة “سيف معقوف” تقديرًا لخدماته الجليلة التي قدّمها لدولته وما زال أحفاده يحتفظون بها. توفي الشيخ سيف باشا رحمه الله في زنجبار بتاريخ 15 يونيو 1958م ليسطر بذلك حكاية عُمانية فريدة تستحق أن تُضاف إلى سجل القصص والحكايات العُمانية الخالدة.

———————————–
المراجع:

1 – السلطان صالح بن غالب بن عوض بن عمر القعيطي سلطان سلطنة الشحر والمكلا في حضرموت خلال الفترة (1936-1956م)، تولى الحكم بعد وفاة عمه السلطان عمر بن عوض القعيطي.
2 – الدولة القعيطية الحضرمية أو سلطنة الشحر والمكلا تأسست في جنوب شبه الجزيرة العربية، وعاصمتها المكلا، وكانت مقسّمة إلى ست مقاطعات تشمل المكلا، الشحر، شبام، دوعن، والمنطقة الغربية وحجر. تأسست عام 1820م بدعم من بريطانيا على يد أحد أفراد الأسرة القعيطية القادم من الهند وهو عمر بن عوض بن عبد الله القعيطي ، وكانت من أكثر حكومات الجزيرة العربية تطوراً في تلك الفترة من حيث التنظيم وتسيير الدولة ، استمرت هذه الدولة حتى عام 1967م بعد قيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية.

* ذاكرة علي بن ناصر البوعلي، برنامح ذاكرة، تلفزيون سلطنة عُمان، اعداد وتقديم محمد بن علي المرجبي، اخراج فخرالدين بن عبدالمولى المرجان ، الثلاثاء 3 رمضان 1435هـ الموفق 2 يوليو 2014م.
* سيف باشا في حضرموت، برنامج مآثر، تلفزيون سلطنة عُمان، اعداد وتقديم محمد بن علي المرجبي، اخراج محمود بن عبدالله الريامي، الثلاثاء 27 رمضان 1439 هـ الموافق 12 يونيو 2018م.
* زنجبار شخصيات وأحداث، ناصر بن عبدالله الريامي، ط3، بيت الغشام للصحافة والنشر والترجمة والاعلان، مسقط، 2016.
* روايات وحكايات النمير، ج10، جمع وترتيب محمد بن عبدالله السيفي.

إلى الأعلى