الأربعاء 14 نوفمبر 2018 م - ٦ ربيع الثاني ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / العلم والتعليم في أناشيد الأطفال

العلم والتعليم في أناشيد الأطفال

د . وفاء بنت سالم الشامسية:
يتكوّن الشعر الموجه للطفل من قطبين اثنين لا يمكن التّضحية بأحدهما، وهذا القطبان هما: الفن والتربية. فالشعر الموجه للطفل عمل فنيّ، وهو في الوقت نفسه عمل تربوي، وهذا التداخل بين الفن والتربية أوجد إشكاليات فنيّة وتربوية متعددة.1 ويقول محمد بريغش بعد تأكيده على استهداف أدب الأطفال لقيم تربوية خاصّة في خطابه للأطفال: “لا يعني هذا أن يتحوّل أدب الأطفال إلى دروس في التربية والتعليم، وإنما يعني أن يكون الأديب داعياً لعمله، مقدراً الغايات السّامية التي يهدف إليها في هذا اللون الأدبي الذي يبدعه للصّغار، وحين يتحقق ذلك يستطيع أن يمضي في سبيله على بصيرة، ويحقق هدفه بنجاح وحكمة دون أن يخل بمستلزمات هذا الفنّ أو يخرج عن سماته المميزة له”2
إنّ النشيد التعليمي يساعد الطفل وينمّي لديه مهارات اللّغة، القراءة والكتابة والتحدّث والاستماع، وينمّي لديه الحسّ القوميّ من خلال هذه الوسيلة التربوية البسيطة التي ترقى إلى مستوى تفكيره الصغير، ويهتمّ النشيد التعليمي بتزويد الطفل بعناصره المعروفة الضّرورية من علمية ونظرية في مختلف الميادين، كما يشجّعه على حبّ المدرسة والإقبال على الدراسة، وبث روح الطموح العلمي بنفسه، والإسهام في بناء شخصيته بشكل يجعله يشارك في دفع المجتمع إلى مراكب الحضارة والتقدّم والازدهار.3
ومن جميل ما قيل في حثّ الطفل على التعليم أنشودة التعليم للشاعرة نورة البادي، التي تقول في مطلعها:
لأنّ الأمر أن تقرأ
فإنّ الحرف نبراسُ
لأنّ جليسنا مسكٌ
تطيبُ اليومَ أنفـاسُ
لأنّ جلالةَ السلطانِ
قال: العلمَ مقيــاسُ
بدأْنا في ظلالِ النخلِ
والأغصانُ كـّـــراسُ
وفي المطلع نجد إشارة إلى أول أمرٍ نزل به الروح الأمين جبريل عليه السلام على سيدنا المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم (اقرأ)، كون القراءة نور ونبراس للإنسان، ومن ثمّ تأكيد على حرص جلالة السلطان حفظه الله ورعاه على العلم والتعليم؛ فهو مقياس تقدّم الحضارات، فكان البدء بالتعليم تحت ظلال الأشجار الوارفة، وفي هذا استحضار لمشهد (المطوّع) الذي أنيط به دور المعلّم في تلك الحقبة.
وللدكتور عامر العيسري أنشودة (العلم والحياة)، ويقول في أحد مقاطعها:
العلم ضياء المستقبل
وطريق العلم له أقبل
وسأبني بلدي بالعلم
بالعزم أذاكر لا أكسل
وسأحمل قلمي وكتابي
لأكون بمدرستي الأوّل
فقد وصف العلم بأنّه ضياء المستقبل، مستعملاً ضمير المتكلم للتأكيد على العلاقة بين الطفل والعلم، وبين الطفل ووطنه ومستقبله، فيشعر بالانتماء الوطيد مع هذه الأقطاب الثلاثة، وبالتالي يحقق مراده من أن يكون الأول في مدرسته.
وفي نشيد (مكتبتي)، يشير العيسري إلى دور المكتبات الأهليّة في القرية العمانية، وكيف أنّها أسهمت في رفد المكتبة الثقافية المحلية والخارجية بعلماء وفقهاء ومشايخ سطّروا أسماءهم عبر التّاريخ من خلال حرصهم على ارتياد المكتبة والتزوّد بما فيها من علوم ومعرفة، فيقول في أحد مقاطعها:
إخواني هيّا نتذكر
مكتبة بالقرية تعمر
للماضي والحاضر دوماً
نتدبّر فيها ونفكّر
كي نصنع أياماً تزهو
بالذهب اللامع والمزهر
بينما تتطرّق الدكتورة سعيدة خاطر في أنشودة (مكتبتي الأثيرة)4 إلى مكتبة الطفل في بيته، فتقول على لسانه:
أصبح عندي مكتبة
جميلة مرتبة
أضفّ فيها كتبي
وقصصي المحببة
في غرفتي الصغيرة
مكتبتي الأثيرة
أجلس مع رفاقي
وكتب كثيرة
قال أبي أحسنتمُ
يا أيها الصغار
أن تقرؤوا فتعرفوا
وغدكم نهار
فسعيدة خاطر تصوّر فرحة الطفل بمكتبته الخاصة، وتشير إلى قيمة مهمة وهي تشارك المعرفة مع الرفاق، وكذلك دور ولي الأمر في غرس هذا السّلوك وتوعية الطفل بأهمية المكتبة والقراءة والمطالعة.
ومما كتبته وفاء الشامسي في هذا المحور أنشودة (أبجد هوز) المنشورة في ديوانها (أزاهير الطفولة)5، وتقول في أحد مقاطعها:
أبجد هوز حطي كلمن
نورٌ في قلبي منتثر
أقرأُ إنّي طفل يرنو
ألف، باء، كلم عطر

لغتي صهوة مجدي فيها
أبحرُ في دُرٍ وبيان
والله تعالى أوصانا
سنةً طه والقرآن
ومن خلال النماذج السّابقة نجد أنّ ثيمتي العلم والتعلّم ارتبطتا بالجانبين الديني، والتربوي؛ فطلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلم وهذا ما تؤكده الأناشيد السابقة، وهي مرتبطة بالتربية سواء في المنزل أو في القرية أو في المدرسة.
وفيما يتعلّق بلغة الأناشيد والتراكيب اللغوية فنجد اللغة سهلة، وسلسة وقريبة من معجم الطفل، وقد أكدت التكرارات المستعملة على الرسالة الضمنية المتمثلة في دفع الطفل إلى حب العلم والتعلّم، كما جاءت الجمل قصيرة وبسيطة غير مركّبة لتساعد الطفل على استيعابها والإقبال عليها، وشاع استخدام اللغة الحسيّة.
————————————
المصادر المراجع:
1 الضبع، ثناء يوسف (2001). تعلم المفاهيم اللغوية والدينية لدى الأطفال، دار الفكر العربي، القاهرة.
2 بريغش، محمد حسن (1992)، أدب الأطفال تربية ومسؤولية، دار الوفاء للطباعة والنشر، مصر. ص 106
3 نجيب، أحمد (1976)، أدب الأطفال علم وفن، ط3، دار الفكر العربي، القاهرة. ص 151
4 الصفدي، بيان (2016)، ديوان الطفل العربي، ج 3، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة. ص 425
5 الشامسي، وفاء بنت سالم (2015)، أزاهير الطفولة، ديوان شعر للأطفال، دار الغشّام، سلطنة عمان.

إلى الأعلى