الإثنين 17 ديسمبر 2018 م - ٩ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / ما لم تَرهُ في الأردن (1)
ما لم تَرهُ في الأردن (1)

ما لم تَرهُ في الأردن (1)

جمال النوفلي:
ها أنا ذا مرة أخرى ..
أجد نفسي خارجا بسيارتي البي أم السوداء وهي تزهو لماعا وبريقا أمام المخرج الخاص بالشركة، وأنا صامت المشاعر كعادتي، هادئ النظرات، متعكر المزاج، منتظرا بتملل أن يلقي علي البواب تحيته العسكرية المعتادة وبابتسامته القوية المعتادة التي يريد أن يرسل لي من خلالها معاني كثيرة لا تسمح له الأعراف أن يخاطبني بها مباشرة وأكثر ظني أنها معاني جميلة كالاحترام والولاء والقوة والصلابة والالتزام إنها نفس الابتسامة اليومية المتكررة التي جعلته محافظا على علمه الممل هذا منذ أكثر من خمس سنوات وحتى هذه اللحظة، .. يا إلهي ..! ما أفضع هذا الروتين.

لماذا يتحتم علي أن أكون دائما هنا؟ أجل هنا في هذه البقعة نفسها وفي هذه الدقيقة نفسها من مساء كل يوم بل وفي الشارع نفسه، وأمام الوجوه نفسها، والمشهد المتكرر نفسه، لقد حفظت هذا الروتين الثابت عن ظهر قلب، انظروا الآن وبعد ان يرتفع العمود الحديدي للمخرج سوف يتوقف زحف المشاة الذين اعتادوا أن يعبروا امام مخرج الشركة في هذه الدقيقة نفسها من كل يوم ليسمحوا لي بالعبور، ثم سأعبر وسيتأملونني بأعينهم حتى أعبر ثم يتأملون السيارة ورقمها المميز ثم يهزون رؤوسهم ويكملون طريقهم، إنها النظرات نفسها والأحلام نفسها لا شيء يختلف بينهم ولا يتغير شيء فيهم، يأتي أناس ويرحل أناس والناس هم الناس والوجوه هي الوجوه ذاتها لا تتغير، عدا تلك المرأة المسكينة التي تقعد بالضبط أمام ناظري قبل أن أجتاز المخرج في الجهة الأخرى من الشارع أمام ذلك المحل التجاري في البناية المقابلة لبنايتنا، حيث تبيع الياسمين، هي الشيء الوحيد هنا الذي يمكنني تمييزه بالرغم من أنها ظلت قابعة في مقعدها هذا متكئة على هذا الجدار الرخامي للمبنى منذ أكثر من ١٥ سنة، إنني لا أذكر يوما أنها تغيبت عن مقعدها، من أين يأتيها كل هذا الياسمين يا ترى، حتى أنني لأذكر أول عهد لها في هذا المقعد أذكر ذلك اليوم الذي جاءت فيه حاملة صرة على رأسها لتستقر تحت ظل المبنى بجنب الهايبر ماركت حيث طردها الحراس طردا مخزيا، نعم إنني أتذكر هذا جيدا لأنني كنت أشاهد الحدث بعناية من مكتبي الزجاجي في الطابق العلوي، أذكر كيف انها كانت تتشبث بكل قوتها وأنوثتها بصرة الليسو المحمل بأزهار الياسمين الأبيض، وأن الحراس كانوا يدفعونها دفعا لترك المكان حتى انحلت عقدة الليسو وتبعثر الياسمين في السلالم، وأنها رغم تلك القسوة لم يزعزع عزمها بل أخذت تجمع الياسمين حبة حبة حتى أتت عليه جميعا، وعادت تطلب مقعدها حيث الحراس يدفعونها ويهددونها وهي تكيل إليهم الشتائم وترسل الدموع، تصورت بحس التاجر الماهر أن ذلك الياسمين هو كل رأسمالها وثروتها، وأنها غير صالحة لعمل آخر غير بيع هذا الياسمين، فأخذتني الشفقة عندها وأخبرت منسقتي أن تأمر بوقف الحراس عن طرد هذه المرأة وتركها وشأنها، فتركوها وها نحن الآن وقد مضت أكثر من خمس عشرة سنة وهي تقعد هنا جامدة لا تشيخ ولا تلقي لمروري أي نظرة اعتبار، أتراها تعلم أنني من يسمح لها بالجلوس هنا وكسب رزقها، في الحقيقة لا يهمني هذا كثيرا ولا أشغل بالي بهذه التفاهات، فأنا في الطابق العلوي أملك كل شيء حولي وأسفل مني هذا المبنى وتلك العمارة وأغلب المباني المجاورة، لكن هذا اليوم وفي هذه اللحظة بالذات انتابني هذا الشعور المزعج ضجرا من روتين الحياة المفعمة بالروعة والنجاح والسعادة، التي لم تعد تشعل في داخل الحياة والبهجة، لهذا وبعد أن انقضت الثواني الطويلة المعتادة أمام مخرج مبنى الشركة، وريثما وجدتني أجتز الشارع العام منطلقا الى القهوة الذي اعتدت ان ألتقي فيه بأصدقائي كل مساء حتى حلت بي تلك المشاعر الباردة متبجسة عن فكرة شهية ولذيذة، فكرة أني أسافر.
نعم أسافر سفرة لم أسافرها من قبل، سفرة تختلف اختلافا كليا عن كل الأسفار وعن كل البلدان وعن كل المدن التي اختبرتها من قبل، طبعا لا أعني الاختلاف من حيث المكان، فتقريبا كل الأماكن الجميلة التي يمكن زيارتها في العالم قد زرتها، لكن أعني من حيث الهدف والأسلوب، ولنفترض مثلا أن أسافر بطريقة بسيطة غير متكلفة، طريقة عادية كما يسافر سائر الناس وأقصد أيضا بلدا قريبا وعاديا يمكن أن يسافر اليه سائر الناس هنا في عُمان، وأن أصحب معي صديقا عاديا ليس من عائلتي وليس أحد أصدقائي الأثرياء، دعوني أجرب حياة طبيعية بسيطة غير مبتذلة، واتصلت توا بصديق لي يُدعى جمال وهو صديق مثقف يحب القراءة والكتابة ويحب أيضا البهجة والمغامرة والفرفشة والحياة وتجربة كل الأشياء الحسنة والسيئة، لا شك انه سيكون سعيدا جدا بعرضي السخي وسأخيره بين إحدى هذه المدن الجميلة إما عمّان أو القاهرة أو اسطنبول أو أي دولة عربية يختارها، وفعلا وافق فور اتصالي به واخترنا أن نذهب الى عمّان ، قال لي إنها مدينة عربية عظيمة وفيها الكثير من الآثار التاريخية وقال لي بصوت خافت وكأنه يخبرني سرا خطيرا: حتى الجمال في الأردن لا يقارنه أي جمال في العالم، ثم ضحك كثيرا وضحكت، ثم بعد أيام وجدته ينتظرني بحقيبته الصغيرة في مطار مسقط الدولي – المطار القديم – ثم وجدتنا نعبر بوابة المسافرين العاديين ليست بوابة رجال الأعمال، ولتعذرني أيها القارئ ان نبهتك لنوع البوابة فما ذاك الا لأنني لم أعتد السفر إلا في الدرجة الأولى أو الدرجة الثانية وربما هذه هي المرة الأولى منذ أكثر من ٢٥ سنة أسافر فيها بدرجة سياحية، وقبل أن نصعد الطائرة سألني معبرا عن استغرابه:
- غريبة ياخي !!
- ايش الغريب ؟
- ليش تسافر في الدرجة السياحية؟ توقعتك درجة أولى.
- عادي ما فيها شي ، تراه ماشي فرق بين الدرجة السياحية والدرجة الأولى. بعدين كلها ثلاث ساعات ونوصل.
- لكن ما بيكون تعب عليك، الناس بيشوفوك وبيقولوا شوف الشيخ متبخل على نفسه.
- خلهم يقولوا، وبعدين أنا أمشي حسب كلام الناس، ابوي لو نسمع كلام الناس ما سوينا شيء. بعدين احنا رايحين الأردن وما لابسين عماني من بيعرفنا هناك من أنا ولا من أنته !!
- امممم

بدا لي وكأنه اقتنع بكلامي الأخير، وهو كذلك لأننا حين صعدنا متن الطائرة، جلس الى جوارنا مجموعة من العمانيين من أهل الشرقية، لم يتعرفوا على أي منا، فلقد كانوا قاصدين الأردن لأجل علاج أحد ابنائهم الذي يعاني من السمنة، هكذا اخبرني والده بنفسه حتى دون أسأله عن سبب سفره عندما وقف بجواري أمام حزام الحقائب بمطار الملكة علياء بالعاصمة الأردنية،
- الولد عاد له خمس سنوات قاعد في البيت يدور وظيفة وما حصل، محد يريده وهو بهذا الحجم.
- اها
- وصفوا لنا علاج زين هنا في الأردن عند دكتور أردني يقولوا زين .
- شي مستشفيات زينة في الأردن؟؟!!، أحيدهم وحدهم الأردنيين يدوروا علاج في الخارج.
- الأولاد يقولوا واجديين عمانيين جيوا هنا واستفادوا.
- قالوا لكم مضمونة العملية!!؟
- ما مضمونة لكن يقولوا محد اشتكى منها باس.
- عسى الله يشفيه
- آمين

شعرت من حديثه أنه غير مطمئن الى العلاج وانه مدفوع دفعا الى السفر الى هنا لعلاج ابنه، أيضا حرصه على مستقبل ابنه هو أهم الاسباب التي يمكن أن تجبر أي إنسان الى اتخاذ مثل هذه القرارات أو حتى تبني افكار وسلوكيات غريبة التي يظن الانسان العادي فيها انها غير منطقية وغير منسجمة مع طبيعة وسجية صاحبها ان لو كانوا في غير حالة المرض والخوف، أنا نفسي أعرف بعض الاشخاص العقلاء والحكماء الذين ألجأهم اليأس والخوف الى المشعوذين والمعالجين بالكتب الدينية، هل هو الأمل الذي يقودهم؟ أم أنه الخوف؟.
على كل في مثل هذه الحالات ينبغي على المرء العاقل ان لم يكن لديه ما يقدمه من حلول لهؤلاء المصابين والبائسين أن يتركهم وشأنهم ولا يحاول أن يقطع آمالهم أو يبعث اليأس في نفوسهم، لأن المريض قد لا يموت بالمرض لكنه حتما يموت عندما يتخلى عن الأمل والمحاولة، هذا ما أعتقده هو في قرارة نفسي لهذا دعوت لهم بالتوفيق في نجاح العملية وتركتهم.
كان صديقي جمال قد لمّ حقيبته وانتظرني في الممر لأجمع حقيبتي والتحق به وهو يتصل بزميل له أردني يُدعى رامي، لأن رامي هذا سوف يأتي لاستقبالنا وإيصالنا الى الفندق، فرامي هو صديقه الوحيد في الأردن، وقد تعرف عليه من خلال البنك العربي الذي كان يعمل فيه قبل أن يعود الى الأردن، وقد أصر حسب ما شرح لي جمال نفسه ان يأتي لاستقبالنا وأنه لا داعي لاستئجار سيارة، وقد رضخت لطلبه على الرغم من أنني عادة ما أرفض أن يقدم لي أحد خدمة أو معروفا وأحسبها من الأمور التي لا يليق بالكريم قبولها ، أعلم أنكم لا تتفقون معي في ذلك، أولكم جمال هذا، فعلى الرغم من أنني شرحت له منطق الفكرة إلا أنه دائما ما يحرجني في مواقف مثل هذه دون أن يأخذ موافقتي، ثم يتركني للأمر الواقع، وأنا أحاول جاهدا في كل مرة ألا أغضب، لا سيما اننا في بداية رحلتنا، ثم أنا من اختاره أن يكون صاحبا لي في هذه الرحلة بالرغم من الاختلاف الشاسع بيننا في الخلفية الثقافية والبيئية وأسلوب الحياة وحتى العمر، نعم فهو في بداية الثلاثين من عمره وأنا في بداية الخمسين، هو يحمل حقيبته على ظهره وأنا أجرها خلفي، هو يلبس جنزا ضيقا وحذاء رياضيا أشتراه من إحدى (المولات) التجارية الكبرى، وأنا ارتدي بنطالا واسعا من ماركة ارميني . ولكم أن تتخيلوا الباقي.
لهذا كنت اظن بأنني مستعد لكل هذه الاختلافات واعتقدت أنه يمكننا نمضي في رحلتنا بما تحمله من تجارب وخبرات وأن نرضى بتفاوت سماتنا واختلافها باعتراف كل منا للآخر بذلك. فإن فعلنا ذلك نجح سعينا ومضينا في طريقنا والا فسوف لن نستطيع إكمال الطريق.
وحين خرجنا من مخرج القادمون، أحاط بنا برد شديد والناس وقوفا متطاولين بأعناقهم يترقبون صديقا أو قريبا أو زائرا البعض كان يحمل باقات ورد في يده، والبعض كان يحمل لافتات مكتوبا عليها أسماء، والبرد في كل المكان ومحلات السفر ومقاعد المقاهي وشركات الهاتف تتوزع في مساحة كبيرة خلف المنتظرين والليل قد حل بظلامه الدامس على المدينة الباردة وذلك رامي يلوح لنا بيده وهي يبتسم ابتسامة حارة رغم البرد تنم عن فرح وسعادة عارمة، ثم هذا جمال يلوح له ويحث الخطى إليه ليأخذه بالأحضان والقبل..، يا مية مرحبى بعمّان نورتونا .. .
آخ ما هذا يا جمال ، ما ينبغي على الرجل الرزين أن يفعل هذا امام الناس.

لا ينبغي…

إلى الأعلى