الجمعة 16 نوفمبر 2018 م - ٨ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: علماؤنا بين موتين!

باختصار: علماؤنا بين موتين!

زهير ماجد

أخبرني أحد أصدقائي اللبنانيين أن لديه ولدا متفوقا في الفيزياء، بل يحلم أن يكون حدثا فيه .. لكن الوالد أصر عليه أن ينسى تلك المادة التي تؤدي برأيه إلى الموت أو الهجرة النهائية عن الوطن.
قال لي الصديق، أحاول ثني ولدي هذا عن التخصص بالفيزياء رغم تفوقه فيها .. أعرف أنه سيكون عالما أو دارسا مهما فيها، وهذا مصدر الخطر عليه .. سيضطر للتخصص في أميركا أو في إحدى البلاد الأوروبية، من المؤكد أنهم لن يتركوه وشأنه، سيحاولون الضغط عليه إذا تفوق البقاء عندهم، وإذا أصر على الرحيل سيقتلونه، فأنا خسرته في كلتا الحالتين.
أقدر خوف الصديق على ابنه الوحيد، كونه طبيبا ومطلعا ودارسا ومتابعا يعرف هذه المشكلة بحذافيرها. كان صوته صباح أمس مترددا وهو يخبرني عن اغتيال رئيس البحوث العلمية في مدينة مصياف السورية عزيز اسبر، لكأنما كان يقول أنا محق في منع ابني من أن يصبح عالما فيزيائيا.
أحد الأصدقاء السوريين الذين برعوا في الرياضيات، وهو أستاذ تعليمها اليوم في الجامعة السورية، اختار الهند للتخصص في تلك المادة ونيل الدكتوراه فيها، وكان يقول لي، إذا ذهبت إلى أوروبا أو أميركا فقد أعود إلى سوريا جثة في تابوت.
هذه اللعنة ليست جديدة في حياتنا العربية، إنها قصة التفوق العربي وشراء العقول العربية وإعادة برمجتها بناء على متطلبات الغرب العلمية. في الثلاثينيات من القرن الماضي، حين نجح العالم اللبناني حسن كامل الصباح في اختراعاته العلمية في أميركا والمسجلة اليوم له في إحدى الشركات العملاقة، أصر على العودة إلى لبنان من أجل إنارته بالطاقة الشمسية، وكذلك اتفاقه مع الملك فيصل في العراق، وبين الضغط عليه للبقاء وإصراره، قاموا بتعطيل فرامل سيارته مما أدى إلى تدهورها ومقتله على الفور. ثمة شاب في عمر الزهور يدعى رمال رمال متفوق أيضا في الرياضيات والفيزياء، قتل في ظروف غامضة في فرنسا، وبعدها بمدة زمنية لحقه لبناني آخر كان يدرس تلك المادة في الجامعات الفرنسية.. وليس بعيدا، ألم يتم تصفية عقول إيرانية شابة اعترف الموساد الإسرائيلي باغتيالها .. ثم ذلك الجيش العراقي من العلماء الذين أنشأهم صدام حسين والذين قيل إنهم تجاوزوا الخمسة آلاف، لم يبقَ منهم أحد في العراق، جزء تمت ملاحقته واغتياله، والجزء الآخر انصاع وهاجر إلى الغرب.
اليوم كما عرفنا جاء مقتل رئيس البحوث العلمية في مصياف السورية، وهو أمر يدلنا بوضوح على متابعة الغرب لكل عالم عربي متفوق أينما كان .. هي قصة من أغرب ما صار معروفا من منع العقل العربي من تحقيق غايات علمية متقدمة لبلاده .. بل هي صورة قديمة تعرض لها العقل العربي إذا ما تتبعنا كيف تم حرق مكتبات عربية كانت تحوي ذخائر المخطوطات المهمة .. مصائبنا في الأندلس كثيرة في هذا المجال، تدمير مكتبة بغداد التي ملأت الآفاق معروف، تدمير مكتبة بني عمار وأول جامعة طب وعلوم في العالم العربي في مدينة طرابلس في القرن الثالث عشر من أبرز ما تحكي من قص درامية عن تصفية كل ما هو قادر على إحياء العرب وجعلهم في ريادة العالم.
هل محق صديقي الطبيب بعد كل هذا وأكثر بكثير من منع ابنه من التخصص في مادة الفيزياء، فيما الابن مصر برجاء قبول والده لتفوقه في تلك المادة. إذن علماؤنا العرب بين موتين، القتل أو الهجرة النهائية وكلاهما رحيل نهائي عن دنيا العرب.

إلى الأعلى