الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حمل كاذب

حمل كاذب

أ.د. محمد الدعمي

يشبه حال العالم العربي ذلك المزارع الذي أعد الحاصدات لقطف ثمار كدحه على نحو سنابل قمح ذهبية ممتلئة بالخير، إلا أنه ما لبث وأن وجد هذه السنابل سوداء متفحمة وكأن موجة “بربرية” من الصقيع قد أتت عليها لتتركها هباءً منثورا.
لا يحتاج المرء للكثير من المعاينة لدراسة كل حالة وحدها، أي كل حالة من حالات البلدان العربية التي اغتسلت بمياه “الربيع” الحارقة كي يتأكد على نحو لا يقبل الشك من أن النتائج النهائية للربيع إنما تشير إلى أنه لم يكن يزيد على خرافة استغفلت بها الجماهير التي تمتطيها غرائز الجماعة والانفعال العمياء لتفرض عليها قصر النظر وسهولة الانقياد وراء الضوضاء على سبيل استبدال الاستقرار و”الوضع الراهن”، كما يقول السياسيون، بالفوضى والميليشيات والاغتيالات والتفجيرات.
لك أن تمسح العالم العربي بنظرة شمولية، من شرقه لغربه لترى ما الذي فعله هذا الربيع بنا. لست أريد أن أستعرض حالة بعد أخرى، تجنبًا للأسماء، إلا أن القارئ النابه يدرك ما هي أبعاد هذا الربيع الكاذب الذي يشبه على نحو متطابق ما يسمى في الطب بـ”الحمل الكاذب” الذي تتأمل منه العاقر طفلًا جميلًا يقلب حياتها رأسًا على عقب، إلا أنها تكتشف أن الانتفاخ كان مرضًا باطنيًّا خبيثًا. هذا بالضبط، ما حدث في العالم العربي دولة بعد أخرى: هو ربيع متنقل لا صلة له بتتابع المواسم الجغرافية وبدوران الأرض حول الشمس؛ هو ربيع كاذب أماط اللثام عن طاقات جماهيرية هائلة ولكنها طاقات عمياء لا تعرف أين تريد، فجعلت تتخبط وتتعامى بتأثير إعلام عربي وعالمي لا مسؤول إعلام تسجل عليه مسؤولية الضحك على الذقون وإساءة قيادة الجمهور نحو غياهب المجهول، ونحو آلام قد لا تقف عند حد. لننظر إلى الربيع الذي ترك سوريا خرابًا مدينة بعد أخرى، هل كان الجماعة الساكنين في فنادق أوروبا الفاخرة، باسم المعارضة، يريدون لدمشق وحلب والقامشلي أن تستحيل خرائب منظورة؟ لست أدري! فهل هذه هي إنجازات المعارضة هنا وهناك، بعدما كنا طوال سنين نحلم بقضاء بضعة أسابيع في الشام صيفًا؟
أي وطنية يمكن أن تتشدق بها تلك الأفواه التي استدرت تعاطف الكثير من الغوغاء حتى انتهى بها الأمر إلى “داعش”؟ ثم ما هذا اللفظ الكريه؟ هل هذا هو إثمار الربيع العربي في المشرق العربي؛ ثم ما هي أثماره في المغرب العربي الذي بقي عقودًا من الزمن بعيدًا عن نشرات الأخبار، فلا تسمع عن تونس ولا عن ليبيا أي شيء، اللهم إلا في المناسبات الرسمية كمؤتمرات القمة. أما الآن فمدن هذه الدول التي بقيت بعيدة عن متناول محرري الأخبار عبر العالم، هي الآن من أكثر مسارح العالم تفجيرات وميليشيات واغتيالات ولا استقرار وفوضى، للأسف. ربما كانت نتيجة هذا الربيع أن تقوم القوات الأميركية (انتشار سريع) بدوريات في مدن ليبيا لتلقي القبض على من تريد متى شاءت! فتهانينا على هذا الربيع المدرار.
هل كان هذا هو ما يراد بنا من خرافة “الربيع العربي” التي لا أدري من أسس لها وصممها وسوقها حتى انتهى الأمر بالعرب إلى بحر فوضى هائج؟ الجزيرة الآمنة الوحيدة فيه هي “جزيرة إسرائيل”: فهناك لا تفجيرات ولا اغتيالات ولا حروب أهلية ولا هم يحزنون.
هل تم استغفالنا، وهل تم امتطاء إرادة “المارد العربي” الذي غدا أضحوكة كي يكون درسًا جارحًا ومؤلمًا لمعطيات التعامي الجمعي الذي لا يقود لسوى المجهول، ذلك المجهول الجاثم خلف الأبواب الذي لا ينتظر منه سوى المزيد من الدماء والحرائق.

إلى الأعلى