الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 م - ٨ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / التيار القومي العربي.. ظروف ومنطلقات وأهداف – الحلقة الثامنة (8)


التيار القومي العربي.. ظروف ومنطلقات وأهداف – الحلقة الثامنة (8)


علي عقلة عرسان

التنظيمات القومية تُجمِع وتجتَمع على مقاومة الإمبريالية والاستعمار، ولكن لا توجد لها خطة مشتركة، ولا يقوم بين خططها تنسيق، ولا تتبادل المعلومات حول هذه القضية المهمة أو سواها.. بينما تقوم بينها وبين أحزاب غير عربية، شيوعية وغير شيوعية، اتفاقيات، وتبادل وفود وخبرة، وتنسيق في اللقاءات الدولية.. إلخ، فما هو السر في ذلك؟! وما الذي يمنع من قيام تعاون وتبادل بين التنظيمات العربية، شأنه في ذلك شأن العلاقات مع الآخرين، من قارات وبلدان أخرى؟!

مهام اللجان الثورية :
* ليس من مهام اللجان الثورية تولى السلطة. إن الصرخة الجديدة التي تطلقها الجماهير ((لا نيابة عن الشعب والتمثيل تدجيل)) هي المبدأ الجديد الذي تعمل اللجان الثورية على إحلاله محل المقولات الرجعية التي تدور أساسا حول فكرة أحسن تمثيل للشعب.
* إن مهمة اللجان الثورية هي تحريض الجماهير على القيام بالثورة، لتصل الجماهير إلى السلطة. واللجان الثورية هي أداة تنظيم الجماهير، سرا وعلنا، في مؤتمرات شعبية ولجان شعبية. واللجان الثورية هي أداة الاقتحام أمام الجماهير، لتقويض أركان السلطة الاستبدادية المتحكمة في الشعب. وهي القيادات الثورية للجماهير العريضة التي تقودها نحو مواقع متقدمة كل يوم، وهي العصب الذي يحرك الجماهير، وهي التي تشكل شرايين المجتمع الذي يتحول ثوريا، وهي أداة التبشير بالحضارة الجديدة وفكر الكتاب الأخضر.
* عضو اللجنة الثورية هو مثال للإنسان النموذجي الجديد، الملتزم خلقيا وقوميا، وثوريا، وقدرة في المهارة والمسلك، ورسول الحضارة الجماهيرية الجديد، والمبشر بعصر الجماهير. وهو كذلك البعيد عن المصالح الذاتية، والمتفاني في خدمة مصلحة الجماعة، وهو الذي يعمل بصمت وجد، بعيدا عن الاسترخاء والاتكالية.
* اللجنة الثورية مفتوحة أمام كل من آمن واستوعب فكر الكتاب الأخضر.. فكر الثورة، وقادر على أن يكون نموذج الإنسان الجماهيري الجديد، الذي يبشر بعصر الجماهير وسلطة الشعب.
* إن أساسيات مهام اللجان الثورية تندرج تحت مقولات فقهية، تتلخص في تحريض الجماهير على ممارسة السلطة.. ترسيخ سلطة الشعب.. ممارسة الرقابة الثورية.. تحريك المؤتمرات الشعبية.. ترشيد اللجان الشعبية.. حماية الثورة والدفاع عنها، والدعاية لها.
مهام حركة اللجان الثورية
المهمة الأولى: من أساسيات مهام اللجان الثورية.. أداة الثورة الشعبية، هي تحريض الجماهير على تفجير الثورة الشعبية، وتمكينها من الاستيلاء على السلطة والثروة والسلاح. 
المهمة الثانية: تحريض الجماهير على ممارسة السلطة. ويتم ذلك في أثناء انعقاد المؤتمرات الشعبية، وفي أثناء تصعيد الجماهير للجان الشعبية وأمانات المؤتمرات الشعبية الأساسية. ويشمل التحريض: توضيح الرؤية أمام الجماهير، لتصل إلى اتخاذ القرار السليم.
الكشف عن أية محاولات للتدخيل أو خداع الجماهير.
توضيح الأبعاد الحقيقة للموضوعات التي تناقشها الجماهير في مؤتمراتها، حتى تكون على دراية تامة بمسؤولياتها تجاه تلك الموضوعات، ونتائجها. العمل على أن تختار المؤتمرات الشعبية عناصر قيادية ثورية، وهذا لا يكون بفرض أشخاص معينين وإنما بتوعية الجماهير وترشيدها للاختيارات السليمة.
المهمة الثالثة: ترسيخ سلطة الشعب. إن النتيجة التي تقود إليها المهام الثورية المنوطة باللجان الثورية، هي ترسيخ سلطة الشعب، أي أن كل المهام تنصب أساسا حول هذه المهمة.
المهمة الرابعة: ممارسة الرقابة الثورية. ويتم ذلك عن طريق كشف الممارسات التي تقوم بها عناصر معادية للثورة، والتي تتعارض مصالحها الخاصة مع مصالح الجماهير.. تلك العناصر التي لم تستوعب بعد، أن المجتمع الجماهيري هو مجتمع كل الناس، وليس مجتمع النخبة والصفوة والطليعة. كما يقع على عاتق اللجان الثورية كشف هذه العناصر، ومحاسبة ومعاقبة مرتكبي الممارسات الخاطئة، أمام جماهير المؤتمرات الشعبية. ويتم ذلك علنا ومباشرة، على أن يكون الرأي الأخير للجماهير، إذ لا يجوز للجان الثورية ممارسة السلطة نيابة عن الجماهير، ولا أن تتخذ قرارا نيابة عنها، إنما تقع على اللجان الثورية مهمة الكشف لمساعدة جماهير المؤتمرات الشعبية، لاتخاذ الإجراء السليم، والوصول إلى القرارات الشعبية الصحيحة.
من أساسيات مهام اللجان الثورية، أداة الثورة الشعبية، هي تحريض الجماهير على تفجير الثورة.
المهمة الخامسة: زج الجماهير في معمعة الممارسة العملية، والتخلي عن موقف المتفرج. ودفع الجماهير لممارسة حقها، والانضمام إلى المؤتمرات الشعبية، وتبصير الجماهير بأهمية هذه المؤتمرات، التي عن طريقها تناقش وتقرر جميع القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكذلك توعية الجماهير وتبصيرها بالفداحة والخسارة التي تتكبدها، لو سلبت منها السلطة الشعبية.
المهمة السادسة :اللجان الشعبية هي المسؤولة عن الإدارة الشعبية، وعن تنفيذ قرارات المؤتمرات الشعبية، حيث قد حلت هذه اللجان محل الإدارة الحكومية التقليدية. ففي سلطة الشعب، لا مكان للإدارة الحكومية، إنما تختار الجماهير أعضاء اللجان الشعبية التنفيذية، وأمانات المؤتمرات، وهذا الاختيار يتم بطريقة مباشرة.
واللجان الثورية هي التي تتولي مهمة ترشيد اللجان الشعبية وأمانات المؤتمرات الشعبية، إلى الطريقة السليمة المتوافقة مع سلطة الشعب، فيما يتعلق بتنفيذ اللجان الشعبية لقرارات المؤتمرات الشعبية، ومن خلال الندوات والمحاضرات الفكرية، وأيضا من خلال برامج العمل التي تطرحها اللجان الثورية على المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية.
المهمة السابعة: حماية الثورة والدفاع عنها والدعاية لها. وذلك بأن تتصدي اللجان الثورية ــ أينما كانت ــ لتلك الفئات الرجعية الحاقدة على الثورة، والتي تعمل باستمرار على شد الثورة إلى الوراء. والتصدي للانتهازيين والمتسلقين والمتسترين بشعارات الثورة، لكي يتمكنوا من الوصول إلى المراكز التي تمكنهم من تحقيق مصالحهم الشخصية، والمتعارضة مع مصالح المجتمع ككل. إن الانتهازي المتسلق يريد أن يحول الثورة عمدا إلى أداة لتحقيق مصالحه، واللجان الثورية هي التي تتولى مواجهة وتعرية هذه الفئة أمام الجماهير.
وعلى اللجان الثورية الوقوف في وجه أي مغامر قد يحاول سرقة سلطة الشعب، وإعادة الجماهير إلى أغلالها. أما الدعاية للثورة فتكون بالإيمان بمبادئ وفكر الثورة، والتبشير بالمقولات الفقهية التي جاء بها الكتاب الأخضر، والتي تنشد تحقيق حرية وسعادة الإنسان أينما كان. وتكون اللجان الثورية هي المحرض على تفجير الثورة الشعبية، لأنها هي الحل الحاسم لقضية الحرية.
اللجان الثورية وحرق المراحل: تمثل اللجان الثورية، أداة التغيير الثوري إلى المجتمع الجماهيرية، وحرق المراحل. وهي لا تؤمن بالانتقال المرحلي، ولا ترى مبررا وضرورة للمرور بمراحل انتقالية حتمية. وهي القادرة على صنع البديل، وإلغاء كل ما يتناقض ويتعارض مع إرادة الإنسان.
وبعد هذا العرض الذي حاولت فيه أن آخذ النصوص من مصادرها بدقة واختصار غير مُخل ـ إن شاء الله ـ أشير إلى بعض نقاط الالتقاء والافتراق، وإلى بعض القضايا الخلافية، والأسئلة التي يثيرها وجود تنظيمات عربية قومية، تلتقي بالكثير من الأهداف والتوجهات والأساليب، ولا يكاد يقوم بينها تنسيق يذكر، على الرغم من التحديات الكبيرة، تحديات: الاحتلال، والاستعمار، والتبعية.. وتحديات العصر ومتطلبات التقدم، والتحديات الداخلية التي يفرضها الواقع الاجتماعي والاقتصادي ومتطلباته، على صعد كثيرة.. والواقع السكاني، وواقع التنمية الشاملة، البشرية والمادية.
1 ـ نحن أمام تنظيمات قومية: “البعث، الناصري، حركة اللجان”، تدعو إلى الوحدة العربية، ولا تتحد تنظيماتها القطرية في تنظيم قومي موحَّد، ولا يكاد يقوم بين تنظيماتها تنسيق مشترك، ولم تعقد في يوم من الأيام، على الرغم من الضرورات الحيوية الملحة والأوضاع المصيرية الخانقة، لم تعقد لقاءت حوار شاملة، لمواجهة قضايا مشتركة، أو لتنسيق الجهد حول هدف مشترك مثل الوحدة العربية، أو التصدي للاستعمار والاحتلال والحصار. ولم تعط للمؤتمر القومي العربي، الذي حاول أن يقدم إطارا عربيا أشمل، فرصة الحياة والبقاء والتطور، ولا هي أعطت مؤتمر الشعب العربي مثل هذه الفرصة، ولم تقم بتصحيح مسار اضطرب، بمسؤولية جماعية.
2 ـ التنظيمات الثلاثة بتفرعاتها وشُعبها وتضاد البعض منها، تلتقي على شعار “الوحدة والحرية والاشتراكية”، وتختلف في ترتيب مفردات هذا الثالوث، وحدة حرية اشتراكية، حرية وحدة اشتراكية مثلا. ولكل منها أولوياته ومفاهيمه وفلسفته. ولكن هذه الثلاثية العضوية المتداخلة، على أي حال، لم تفلح في الحصول على تنسيق مشترك بين الأطراف، أو على مناقشة معمَّقة لحسم الخلاف على الترتيب، إذا كان يشكل شعارا فارقا إلى هذا الحد. وبعضها عمل بتضاد مع الآخر حول شعار الوحدة، وكأن كلا منها يقول: “لقد فصَّلت الثوب فالبَسوه”.
3 ـ التنظيمات القومية تُجمِع وتجتَمع على مقاومة الإمبريالية والاستعمار، ولكن لا توجد لها خطة مشتركة، ولا يقوم بين خططها تنسيق، ولا تتبادل المعلومات حول هذه القضية المهمة أو سواها.. بينما تقوم بينها وبين أحزاب غير عربية، شيوعية وغير شيوعية، اتفاقيات، وتبادل وفود وخبرة، وتنسيق في اللقاءات الدولية.. إلخ، فما هو السر في ذلك؟! وما الذي يمنع من قيام تعاون وتبادل بين التنظيمات العربية، شأنه في ذلك شأن العلاقات مع الآخرين، من قارات وبلدان أخرى؟! هل يخشى كل فريق الفريق الآخر، أم أنه لا يثق به، أم لا يقيم له زنا، أم يعتبره بديلا يلغي وجوده ويزاحمه على القواعد الشعبية، فيتحاربا قبل أن يصلا إلى تلك القواعد؟!
4 ـ الأقطار العربية التي فيها أحزاب قومية حاكمة، كونت جبهة داخلية، ((جبهة تقدمية في سوريا مثلا، وتجمعات حزبية في مصر))، شكلت ائتلافا حاكما بالدرجة الأولى. لكن التنسيق بين الأطراف والأحزاب والتنظيمات القومية، سواء أكانت في الحكم أم خارجه، غير موجود بالصورة الفاعلة، على الصعيدين القطري والقومي.. بشأن قضايا ومصالح وتحديات مشتركة.
5 ـ أجمعت التنظيمات القومية الثلاثة على مركزية قضية فلسطين في النضال القومي العربي التحرري والوحدوي والتقدمي والتنموي، ورأت تلك القضية في صلب العمل والنضال القوميين. ومعظمها اعتبرتها قضية العرب المركزية، ورسخت مواقف مبدئية من تلك القضية، وقالت بالتحرير الشامل، وبحق العودة، وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، ورفض الاعتراف بالكيان الصهيوني والتطبيع معه.. ولكن الكثير منها ما لبث أن أخذ بـ”المرونة السياسية”، والـ”الواقعية الانهزامية”، بدلا من الصلابة المبدئية والواقعية التفاؤلية، وأخذ يسوِّغ التراجع بعد التراجع، ابتداء من القبول بالقرارين 242 و338 وصولا إلى ما تأسس على “خيار السلام الاستراتيجي خيارا عربيا وحيدا”، لحل قضية فلسطين، من سلبيات وتنازلات، ثم اعتراف وتطبيع من دول.. ومبادرة قمة بيروت عام 2002 التي أكدت عليها قمة الرياض عام 2007. ولم تسجل التنظيمات مواقف معلنة، بصورة مسموعة مقروءة، ثابتة واضحة، تصل إلى الرأي العام والجماهير، مما لجأت إليه الحكومات. الأمر الذي جعل كل التنازلات تبدو وكأنها تراجعات مبدئية، في مجالات الاختيار القومي والنضال القومي، للحركات والتنظيمات القومية كلها.
ويستحق الموقف المبدئي من قضية فلسطين، المرسخ في الأهداف والمبادئ والمواقف والأدبيات، وفي الممارسات الطويلة والمكلفة.. أن تتوقف التنظيمات عنده، لمناقشة ما يتصل بمواقفها العامة أو الفرعية، المرحلية أو الاستراتيجية.. من القضية الأساس وأساليب التعامل المستقبلي مع استحقاقاتها. فإما أن تتمسك التنظيمات القومية بعروبة فلسطين وبثوابتها هي حولها، وتضع خطط نضال مشترك ذي طبيعة استراتيجية مستقبلية شاملة، أو أن تتوافق مع السياسات الحكومية القائمة، فتعدل أهدافها وأنظمتها، وتعلن لجماهيرها آراء واضحة، تزيل المواقف الملتبِسة، وتضع حدا لتناقض الوقوف بين الصيف والشتاء فوق سطح واحد، في وقت واحد.
ـ لإزالة كل لبس وسد الذرائع أمام المتخرصين، وأية تخرُّصَات أو تفسيرات غير سليمة ولا مستحبة في هذا المجال، أؤكد موقفي ورؤيتي ورأيي من هذا: الصراع العربي الصهيوني صراع وجود وليس نزاعاً على حدود ـ والمشروع الصهيوني مشروع عنصري، يتعارض ويتضاد ويتناقض كلياً مع أي مشروع وحدوي أو اتحادي أو تضامني، ومع أي مشروع نهضوي عربي، والمشروعان لا يتعايشان، ولا يمكن أن يتعايشا، والصدام حتمي بينهما، حول الأرض والمقدسات والثقافة والهوية والعقيدة والمصالح والوجود.. إلخ ـ إن فلسطين عربية، ولشعبها. وتلك مسؤولية قومية، وقضية قومية، طليعتها الشعب الفلسطيني. وادعو إلى تعزيز الثوابت الأصلية للأحزاب القومية في هذا المجال، وإلى الإعداد الاستراتيجي المستقبلي الشامل، ابتداء من إعداد الإنسان، لمواجهة استحقاق التحرير المكلف، وإلى رفض المبادرة العربية، المنطوية على استسلام وتفريط بالحقوق العربية، ومنها حق العودة، وإلى تعزيز مواقع المقاومة ضد الاحتلال، وإلى وضع الأمة العربية أمام استحقاق المواجهة، من أجل حرية وتحرير حقيقيين، ونهضة وتنمية لن تبدأ الخطوات الحقيقة على دروبهما، من دون استراتيجية عربية شاملة ومتكاملة، أساسها وغايتها التحرير.. انطلاقاً من منظور عربي متكامل، ورؤية مستقبلية، تأخذ التقدم والتطور العلميين والتقنيين بالاعتبار، لامتلاك قوة محررة. وإرادة حرة.

إلى الأعلى