الأربعاء 21 نوفمبر 2018 م - ١٣ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الخطوط الحمراء لـ((صفقة القرن))

الخطوط الحمراء لـ((صفقة القرن))

جودة مرسي

يأتي أخطر ما في صفقة (القرن) وهو ترسيم الحدود، حيث تسعى الخطة الأميركية بقبول للتسوية الشاملة “صفقة القرن” وهو بالطبع نسف لقضايا الحدود المعترف بها في المنظمات الدولية خاصة الأمم المتحدة، فما زال العرب متمسكين بانسحاب إسرائيل إلى حدود ما قبل عام 1967، وفي حال قبول مبادئ الخطة الأميركية فإن كل المبادرات والجهود التي حققها العرب سوف تضيع هباءً..

طالعتنا تسريبات إعلامية منشورة في وسائل إعلام أميركية وإسرائيلية وأوروبية أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عاقدة العزم على المضي قدما لتنفيذ خطة تسوية شاملة في الأراضي المحتلة تحت ما يسمى (صفقة القرن)، وتوضح التسريبات أيضا أن هناك حالة من الإجماع العربي الرافض لها ـ بناء على تصريحات بعض القادة العرب مؤخرا ـ بل ووضع العرب حواجز وحدودا للقبول بهذه التسوية، وخطوطا حمراء يعتبر تجاوز أحدها نسفا لعملية السلام وأمرا بفض جلسات المفاوضات، وهذه الخطوط تتمثل في ضرورة إعلان قيام الدولة الفلسطينية، ووحدة الأراضي العربية، والاعتراف بالقدس الشرقية كعاصمة أبدية لفلسطين، وعودة اللاجئين، وانسحاب القوات الإسرائيلية إلى حدود 1967.
وعن إعلان الدولة الفلسطينية تغازل الإدارة الأميركية العرب بإعلان جديتها الاعتراف بالدولة الفلسطينية؛ لكنها في مضمون هذا الإعلان سوف تكون الدولة ـ المزمع إقامتها ـ بدون جيش ومنزوعة السلاح، سواء كان خفيفا أو ثقيلا، وبالتالي فإن الأمر لن يختلف كثيرا عن الأوضاع الحالية بسبب فقدان أهم عوامل الوجود الاستراتيجي لدولة يجاورها عدو.
وبالنسبة لحدة الأرض فاتفاق السلام الذي يحاول ترامب تمريره لا يخلو من التطرق إلى قطاع غزة، فهو يفصلها عن الضفة الغربية، التي ستكون مقرا للحكم وبها العاصمة، ويحاول تقديم إغراءات للسلطة الفلسطينية وحماس بإعلانه تنفيذ سلسلة من المشاريع الاقتصادية وخطط الطوارئ لإعادة إعمار القطاع بدعم وتمويل من المنظمات الدولية والمجتمع الدولي، فضلا عن إمكانية دخول السلع إلى غزة عن طريق البحر، وعبر رصيف خاص يقام في أحد موانئ قبرص، بحيث يتم هناك إجراء الفحص الأمني للبضائع المرسلة، وهذا الأمر باطنه أمر من ظاهره لأنه سيفصل الأرض التي يسيطر عليها الفلسطينيون تماما.
ثم تأتي قضية القدس فإدارة ترامب تحاول الضغط على الفلسطينيين والعرب لقبول أبو ديس عاصمة لدولتهم بدلا من القدس الشرقية، مقابل انسحاب إسرائيل من نحو 5 قرى وأحياء عربية شرق القدس وشمالها، لتصبح المدينة القديمة بين يدي الحكومة الإسرائيلية، وهو الأمر الذي يرفضه العرب تماما؛ لأن القدس بمثابة قلب القضية الفلسطينية والمحور الرئيس للصراع العربي ـ الإسرائيلي، والتنازل عنها هو تنازل عن القضية والأرض كاملين، وفيما يخص اللاجئين فإن بعض الإجراءات هدفها سرقة الأضواء بعيدا عن قضية اللاجئين وضرورة عودتهم إلى أراضيهم، فلم تتطرق الخطة الشاملة ـ بحسب وصف الإدارة الأميركية ـ إلى قضية اللاجئين، وخوفا من فشلها طالب كتاب إسرائيليون في مقالاتهم الرئيس ترامب بإشراك الاتحاد الأوروبي في “صفقة القرن”، وإجراء تعديلات على عدة ملفات رئيسة من بينها ملف اللاجئين الفلسطينيين، وإن كان الاتجاه العام السائد لدى هذه الأوساط هو توطين اللاجئين في بلدان جديدة أو تقديم المنح لهم في بلد المنفي، والحقيقة أن العرب ينظرون إلى اللاجئين ـ حتى يومنا هذا ـ على أنهم أصحاب الأرض الأصليون، وأن عودتهم إلى أراضيهم مسألة جوهرية لا تقبل الجدال ولا يمكن القبول بتجزئتها على مراحل.
ويأتي أخطر ما في صفقة (القرن) وهو ترسيم الحدود، حيث تسعى الخطة الأميركية بقبول للتسوية الشاملة “صفقة القرن” وهو بالطبع نسف لقضايا الحدود المعترف بها في المنظمات الدولية خاصة الأمم المتحدة، فما زال العرب متمسكين بانسحاب إسرائيل إلى حدود ما قبل عام 1967، وفي حال قبول مبادئ الخطة الأميركية فإن كل المبادرات والجهود التي حققها العرب سوف تضيع هباءً، كما ستكتسب إسرائيل شرعية حدودية جديدة لم تكن تطمح لها.
الموقف العربي متماسك في مواجهة “صفقة القرن”، ولعل ذلك ما يثبت فشل جولة صهر الرئيس الأميركي في منطقة الشرق الأوسط الشهر الماضي، فترامب يعول على الثلاثي صهره ومستشاره جاريد كوشنر، وجيسون جرينبلات، المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، وديفيد فريدمان سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، وجميعهم ليس لديهم حد أدنى من الحيادية بل يعملون لصالح الكيان المحتل وهو ما يدركه العرب, لذلك قوبلت جولاتهم في دول المنطقة بالرفض والفشل.
إذا كان هناك موقف عربي موحد في مواجهة صفقة القرن، ويعبر دوما عن رفضه لها طالما تتجاوز الخطوط الحمراء، إلا أن التكتيكات الإسرائيلية ـ الأميركية سوف تعود بعد معالجة بعض أوجه القصور في خطتها، فإذا كان الثلاثي الأميركي يفتقدون الخبرة السياسية والثقافية بأوضاع المنطقة فربما يتم الدفع بشخصيات أكثر خبرة وتوازنا، وإذا كان هناك رفض نخبوي رفيع المستوى في دول المنطقة فمن المتوقع ممارسة الضغوط عليها لإخضاعها للقبول؛ ومن ثم يجب على العرب بلورة موقفها الحالي في صورة خطوات، ودراسة احتمالات المواجهات الجيوسياسية المقبلة، كما يجب إدراك أن الولايات المتحدة وإسرائيل لم يعلنا الخطة حتى الآن خوفا من فشلها ووأدها مبكرا، بينما يتم طرح بنودها في وسائل الإعلام الموجهة في صورة تسريبات ومقترحات لقياس ردود الفعل وبيان أوجه القصور فيها لمعالجتها مجددا.

إلى الأعلى