الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م - ١٥ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / متى تتغير الأرض؟

متى تتغير الأرض؟

د.احمد مصطفى

ستنشر المجلة الرسمية للجمعية الوطنية للعلوم “إجراءات” دراسة لمجموعة من العلماء البارزين يخلصون فيها إلى أن “النقطة الحاسمة” لتغير متوسط درجة الحرارة لكوكب الأرض تقترب جدا بعدما تجاوزنا نصف المسافة (ولعل أقل من النصف مما تبقى يأتي بوتيرة أسرع بسبب التغيرات أيضا). فالنموذج الذي يعتمده العلماء أن زيادة متوسط درجات الحرارة بمقدار نقطتين مئوية عن متوسط ما كان قبل الثورة الصناعية في العالم يعني “نقطة حاسمة”..

لم يعد السؤال افتراضيا، ولا ضربا من التخرص والمغالاة في التخمين والتقدير وإنما حقيقة قاب قوسين أو أدنى من التحقق وبشائرها واضحة لكل ذي عينين. والإجابة البسيطة والسريعة على السؤال/العنوان هي: قريبا، ربما في غضون عقود قليلة إذا لم يفعل البشر شيئا دراماتيكيا لوقف التغيير الآن؛ لأنه كما يحذر العلماء لن يفلح أي جهد بعد فترة قصيرة في وقف التغيير أو “تعديل الوضع”. وإذا كان هناك من شكك في السابق ـ ولا يزال ـ في تحذيرات العلماء من تبعات الاحتباس الحراري والانبعاثات الكربونية والتغول على المساحات الخضراء كتجريف الغابات المطيرة الاستوائية وغيرها فإن ما يشهده كوكب الأرض حاليا كفيل بإزالة هذا التشكيك. فعوامل التغير المناخي وما تؤدي إليه من ارتفاع منسوب البحار والمحيطات وذوبان الجليد القطبي لا تخلو منها الأخبار في السنوات الأخيرة، لكن الناس لا تهتم؛ لأن ذلك لا يؤثر كثيرا بشكل مباشر في حياتها اليومية وبالتالي بالإمكان أن “تبتلع” تشكيك بعض السياسيين وأصحاب نظريات المؤامرة في التغير المناخي.
أما الآن، والناس تعاني ـ بل يموت بعضهم ـ من ارتفاع درجات الحرارة بشكل غير مسبوق خصوصا في بلاد ومناطق لم تكن تشهد مثل هذه الحرارة فلم يعد هناك مجال للإنكار. فالحرائق تشتعل في إسبانيا التي تجاوزت درجات الحرارة فيها مثيلتها في بعض دول الخليج، وحرائق كاليفورنيا في غرب الولايات المتحدة هي الأسوأ في تاريخها على الإطلاق. حتى السويد، البلد الذي كانت تكسوه الثلوج أغلب شهور العام يشهد حرائق في غاباته لم يسبق أن شهد لها مثيلا. ولا تنسى كيف مات العشرات من موجة الحر في اليابان، ولا شك أن هناك الكثير من تلك الأخبار التي لم تحتل العناوين الرئيسية في وسائل الإعلام وإن أثرت في حياة الناس بشكل مباشر ـ لكنهم في الأغلب ممن لا يهتم الإعلام العالمي بهم كثيرا. وفي الواقع لا يمكن حصر الشواهد التي تدل على أن جو الأرض ومناخها يتغير بشكل سيغير طريقة الحياة عليها ويؤثر بدرجة ما (كبرت أو صغرت، سلبا أو إيجابا) على البشر الذين يعيشون على سطحها وبقية الكائنات التي تعيش في أرضها وهوائها ومياهها.
وستنشر المجلة الرسمية للجمعية الوطنية للعلوم “إجراءات” دراسة لمجموعة من العلماء البارزين يخلصون فيها إلى أن “النقطة الحاسمة” لتغير متوسط درجة الحرارة لكوكب الأرض تقترب جدا بعدما تجاوزنا نصف المسافة (ولعل أقل من النصف مما تبقى يأتي بوتيرة أسرع بسبب التغيرات أيضا). فالنموذج الذي يعتمده العلماء أن زيادة متوسط درجات الحرارة بمقدار نقطتين مئوية عن متوسط ما كان قبل الثورة الصناعية في العالم يعني “نقطة حاسمة” تكون التغييرات في كل شيء في الأرض غير قابلة للتعديل، وربما تبدأ الأرض بكل ما عليها طريقة تحول خاصة بها يصعب الجزم كيف ستكون. وبما أننا الآن تجاوزنا ارتفاعا في متوسط درجات الحرارة بمقدار أكثر من نقطة مئوية فنحن نقترب من “نقطة الحسم” والتي يصبح الكوكب عندها “أرض ساخنة” Hothouse Earth كما سماها العلماء وتبدأ مناطق محيطة بخط الاستواء التصحر، ويرتفع منسوب مياه البحار والمحيطات لتبتلع مدنا ومناطق ساحلية (البعض يرجح أن تختفي بلدانا بالكامل مثل بريطانيا باعتبارها جزيرة) وتختفي كائنات حية ونباتات (وربما تتطور غيرها بخصائص يصعب التكهن بها) ويخوض البشر عمليات هجرة هائلة من مناطق كانت آهلة إلى مناطق أخرى يمكنهم العيش فيها.
عند تلك النقطة، التي تقترب جدا ولم يعد يفصلنا عنها سوى عقود قليلة، يبدأ مناخ كوكب الأرض تغيرات غير قابلة للمواجهة ولا التعديل. ويجد العلماء الآن صعوبة حتى في التكهن بها، وإن كانت هناك بعض المظاهر المتوقعة لكن بناء نموذج تقريبي لما يمكن أن يحدث يعد أمرا صعبا ـ على الأقل الآن. خصوصا وأن الوصول لتلك التقطة يعني اختلالا هائلا في التوازن البيئي المعروف والذي يتعامل معه العلماء الآن، فالمحيطات ستخرج مخزون غاز الميثان داخلها وخزانات الكربون الطبيعية ستخرج ما بها أيضا، كما أن التعديل الحيوي (بمعنى انقراض كائنات حيوانية ونباتية وظهور غيرها) لن يكون بالضرورة مؤديا للتوازن الحالي للأرض الذي نعيش به. وتلك خطورة هذه الدراسة وتحذير العلماء، إذ أصبح الأمر يتجاوز انسحاب إدارة ترامب من اتفاق المناخ العالمي أو غش الصين والهند بالنسبة لاتفاق الانبعاثات أو كل ما يمكن أن تفكر فيه من “مماحكات” سياسية. فالخطر قادم، وما لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة وراديكالية فلن يصبح هناك معنى لأي جهد فيما بعد لوقف التغيير وتبعاته من مجاعات وحروب هائلة ربما بما يهدد وجود البشر كلهم على الأرض.
لكن، ألم يتقدم البشر علميا وتكنولوجيا بما يمكنهم من مواجهة كل تلك الاحتمالات الكارثية التي تهدد بقاءهم ذاته على الكوكب؟ نعم، لكن مسارات التقدم التكنولوجي موجهة بقدر أكبر لإنتاج ألعاب التسلية والعملات الافتراضية وروبوتات الذكاء الصناعي (التي ربما سيمكنها العيش على الأرض بعد زوال البشر!!!) وغيرها عنها لمواجهة عوامل التغير المناخي. ربما لم تفت الفرصة بعد، لكن هل هناك إرادة بشرية جماعية لتوجيه مسار الابتكار التكنولوجي (وما يتطلبه من ميزانيات كبيرة) نحو إنقاذ الكوكب قبل الوصول لتلك “النقطة الحاسمة”؟ لست متأكدا من ذلك.

إلى الأعلى