الإثنين 12 نوفمبر 2018 م - ٤ ربيع الثاني ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: العقوبات!

باختصار: العقوبات!

زهير ماجد

الدولة العظمى تعرف أن العقوبات التي تفرضها لا تصيب سوى الشعب .. هي تتقصد هذا التوجه، تريده، تسعى إليه، لأن المطلوب الضغط على الناس من أجل تحريكهم ضد دولتهم، فإذا صح هذا الخيار تكون قد وصلت إلى الهدف المرسوم.
في مسألة الحصار على كوبا سادت الظنون الأميركية أنها مسألة وقت ويسقط فيدل كاسترو، المشكلة أننا نعتقد دائما بالقدرة العقلية والسيكولوجية للأميركي، فإذا بها لم تعرف مثلا أن الشعب الكوبي بأكثريته انتظر شخصية كاسترو وأسلوبها في الحكم، وأنه بقدر ما يكره الأميركي يتعلق بزعيمه الجديد الذي يتحول مع الوقت إلى أب بنظر الناس، وإلى ملهم، بل يتحول إلى قصيدة شعر وطنية يحفظها الناس ويتناقلونها فيما بينهم.
تغير رؤساء في الولايات المتحدة الأميركية، فيما بقي كاسترو يخاطب همة شعبه ويدعوه للسهر والعمل، فما مل أحد منه ولا كل ولا تعب، بل حين غادر جيفارا كوبا لإكمال ثورته في العالم، تأسى الكوبيون، مما يدل على أنهم انغمسوا في النظام الكاستروي حتى العظم.
وفي إيران اليوم، عقوبات .. كانت في الماضي وصمدت الدولة الإيرانية، وتكون الآن وفي المستقبل ولسوف تصمد. لا أمل للأميركي بفرض العناوين التي يظن أنها تسقط خصمه .. خصمه مولع بأن يكتشف نفسه إزاء الضيق وكيف يتصرف، ويعالج، ويحمي شعبه وثورته، صحيح أن الناس تمل أحيانا من الشعارات الكبرى التي لا تجلب لهم بعض الإكسسوارات السخيفة التي لا يحتاجون كثيرا إليها، طالما أن الأساسيات متوافرة. فمثلا ليس كل الإيرانيين يخزنون الدولار، قلة منهم بل أقل من هذه القلة من تقوم بهذه المهمة لأسباب تجارية، أما الباقي فمن باب الترف، بل ولأن الإعلام يخلط المفاهيم، تكون ردة الفعل الشعبية الأولى ملتهبة ثم تتداعى تدريجيا وتنسى.
حوصرت قبلها ليبيا إبان حكم القذافي ولم يسقط الرجل إلا بالقوة المسلحة وبالتآمر الدولي عليه، وحوصر صدام حسين ولم يسقط أيضا إلا حين اجتاح الأميركي بقواته العراق، ويحاصر مثلا حزب الله اللبناني في قضاياه المالية وكذلك بعض اللبنانيين، إلا أن المسألة تحولت إلى كوميديا منسية .. ولا شك أنهم يحاصرون بطريقة غير مباشرة فنزويلا مثلا بتكسير وتحطيم عملتها..
الدولة العظمى لن تتعلم من ارتكاب أخطائها، التكرار في الخطأ إما مقصود أو لا خيار غيره. إذا كان مقصودا وهذا تفسيرنا فيه لأنه يطول الشعب ويراد منه التحرك والعصيان، فإنه لم يجرِ أن حصل في أي مكان إلا بالتدخل العسكري وبالعمل العسكري وبالقوة. أما إذا كان هو الخيار الوحيد، فالأجدى أن لا يتم تنفيذه بالطريقة ذاتها، إذ إن كل دولة تعرف سلفا ما ستتعرض له فتبنى ذاتها على كل الاحتمالات وتنجح دائما في الالتفاف على المخاطر التي قد تتعرض لها من أي إجراء من هذا النوع.
بقي الكوبيون تحت الحصار يزرعون ويأكلون وصارت بلادهم الأولى في العالم بالعلوم وبالطبابة، بل ظلوا يرسمون ويلحنون الأغنيات ويرقصون ويحلمون .. ومثلهم الإيرانيون في ماضي الحصار وفي مستقبله. تمل أميركا من حصاراتها ولا يمل خصمها منه، هكذا اضطرت أن تعود إلى كوبا من جديد بعدما دب فيها اليأس من الشعب الكوبي ومن الدولة والنظام، ومع إيران لا بد أنها اكتشفت كم تقدمت تلك الجمهورية تحت ظلال الحصار وكم صارت عملاقة وكم هي قوتها العسكرية وكم تخرج من جامعاتها الأوائل في العالم.

إلى الأعلى