الأربعاء 24 أكتوبر 2018 م - ١٥ صفر ١٤٤٠ هـ

فضل الحج

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري
عزيزي القارئ .. ما زلنا نواصل الحديث عن شعيرة الحج واليوم مقالنا عن فضل الحج، وللفائدة استقينا بعض المعلومات من عدة مصادر بتصرف.
لقد بدأت قوافل الحجيج تؤم البيت الحرام، حشودًا ووفودًا في رحاب الحرمين الشريفين، والمسجدين العظيمين، والبلدتين المقدستين، خرجوا من ديارهم يرجون ثواب الله وفضله ومغفرته ورحمته، وهو الكريم الوهاب الرحيم الوهاب، لا يرد من دعاه، ولا يخيب من رجاه.
ففي الحج يظهر للناس صورة يوم الحشر الأصغر: فيتذكر الناس موقف الحشر بين يدي خالقهم يوم يقوم الناس لرب العالمين، فترى القلوب وجلة، والأبصار خاشعة، فلا ماء، ولا غذاء، ولا ظل ولا غطاء، ولا ناصر ولا معين، والناس بين ماشين وراكبين في أفواج كثيرة كموج البحر، يقفون جميعاً ويمشون جميعاً، ويلبون جميعاً، فإذا كان الحجاج في أيام الحج يجدون ظلاً يستظلون تحته فيوم الحشر لا ظل إلا ظل الله، وإذا كان الحجاج يجدون الطعام والشراب والدواء والعناية، فيوم الحشر لا شيء من ذلك إلا من أراد الله له النجاة والإكرام.
ويوم الحج يوم يذكر بيوم الحشر، يوم يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، ومن في الأرض جميعاً ثم ينجيه، يوم يعرض الخلائق على رب العالمين لا تخفى منهم خافية، (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم).
والحجاج والعمار وفد الله دعاهم فأجابوا، وسألوه فأعطاهم، والحج يهدم ما قبله، (ومن حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كما ولدته أمه)، والحجة المبرورة ليس لها ثواب إلا الجنة، وما من ملبّ يلبي إلا لبى ما على يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر، حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا، وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد، والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة) (رواه الإمام أحمد)، وللحاج دعوة مستجابة، فعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(الغازي في سبيل الله، والحاج والمعتمر، وفد الله دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم).
إن الحج إلى بيت الله الحرام وأجره وفضله، يحرك الساكن، ويهيج المشاعر والقلوب التي تطمع في مغفرة علام الغيوب.
أخي الحاج: إنَّ لك في كلِّ خطوةٍ تخطوها أجراً عند الله، وحين تنطقُ بنداءِ التوحيد: “لبيك اللهم لبيك” فإنَّ الكونَ كلَّه معك يردِّد توحيدَ الخالق، ويسبِّح بحمده، تلبِّي الأحجار، ويهتف المدر والأشجار، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(ما من مسلمٍ يلبِّي إلاّ لبَّى ما عن يمنيه أو عن شماله من حجر أو شجر أو مدر، حتى تنقطع الأرضُ من ها هنا وها هنا)، فإذا سمع الحاجُّ حديثَ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي أخرجه البخاري ومسلم:(الحجُّ المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)، تشتاق نفسُه لهذا الأجر العظيم، والفضل الجزيل، الحجُّ المبرورُ يتطلَّب إخلاصاً لله، فمن خرج من بيته متطلِّعاً إلى المدح والثناء والسمعةِ والمباهاة حبط عمله وضلَّ سعيُه، قال الله تعالى في الحديث القدسي:(من عمل عملا أشرك فيه معيَ غيري تركتُه وشركَه) (أخرجه مسلم).
مال الحجّ المبرور يجبُ أن يكون حلالاً طيباً وليعدَّ النفقة من المال الحلال قبل أن يقال: لا لبيك، ولا سعديك، زادك حرام، وراحلتك حرام، وعملك مردود عليك لأنَّ النفقةَ الحرام من موانع الإجابة، وفي الطبراني مرفوعاً:(إذا خرج الرجلُ حاجاً بنفقة طيبة ووضع رجله في الغرز، فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لبيك وسعديك، زادُك حلال، وراحلتك حلال، وحجُّك مبرور، وإذا خرجَ بالنفقة الخبيثة، ووضع رجله في الغرز، فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا وسعديك، زادُك حرام، ونفقتُك حرام، وحجّك غير مبرور).
والحج غذاء روحي كبير تمتلىء فيه جُنبات المسلم خشية وتقى لله عز وجل، وعزماً صادقاً على طاعته، وندماً وبُعداً عن معصيته، وتنمو وتترعرع فيه عاطفة الحب لله ولرسوله وللمؤمنين الصادقين، وتزداد فيه الخشية لرب العالمين.
إنَّ زكاءَ النفس وزيادةَ الإيمان وحصولَ التقوى يكون حينَ يقبِل المسلم على عبادَتِه بأدبٍ وخشوع، ويتفرّغ لما جاءَ له وما قصَدَه، حافظًا وقتَه مخلِصًا لربه، كما ينبغِي السؤال عن الأحكامِ الشرعيّة قبل الشروعِ في مناسك الحج ، فكم من حاجٍّ يعبد اللهَ على جهل، لا يتعلّم ولا يسأل، ولو سَأَل قبلَ العمل لم يقَع في الحرج. وعلى القائمين على الحجّاج مسؤولية عظيمة، فليتّقوا الله، وكلّ راعٍ مسؤول عن رعيّته عليهم بتصبير الحجاج بمناسك الحج وعلى كل حاج يتزود من كتب أهل العلم، وقد كثرت الوسائل الحديثة التي تبين أداء مناسك الحج.
إن اختيار الرفقة الطيبة تعينك إذا ذكرت، وتذكرك إذا نسيت، وتقويك إذا ضعفت، وتعلِّمك إذا جهلت، وتأمرك بالمعروف، وتنهاك عن المنكر، وأما الفاسدة تعينك على الباطل، وتقودك إلى المعصية، وتزين لك الحرام، وتميت قلبك إذا ذكرت، وصحبة البطالين لا تعود بالنفع لا في الدنيا، ولا في الآخرة، وإذا عزم المسلم، فإنه يوصي أهله بتقوى الله، ويبادر إلى التوبة النصوح، ويستغني عما في أيدي الناس ما استطاع، قال ـ عليه الصلاة والسلام:(ومن يستغنِ يغنه الله)، ويتحرى الإخلاص، ويقصد وجه الله، والدار الآخرة، وينبغي له أن يكثر من الذكر والاستغفار، والتضرع وتلاوة القرآن ، وليقض الديون، وليكتب الوصية، واحتِرام وتوقيرَ الزّمان والمكانِ الذي عظّمه الحقُّ سبحانه. تجنَّبِ المراءَ والجدل والخِصام والتشويش، فالقَبول واحتِرام وتوقيرَ الزّمان والمكانِ الذي عظّمه الحقُّ سبحانه. تجنَّبِ المراءَ والجدل والخِصام والتشويش، فالقَبول والمغفِرة مشروطة بذلك، قالَ الله عزّ وجلّ قال تعالى:(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (البقرة ـ 197).
إن فريضةَ الحج عظمت في مناسكها، وجلّت في مظاهرها، وسمت في ثمارها.الحج عظيمةُ المنافع، جمّة الآثار، من المنافعِ والمصالح ما لا يُحصيه المحصون، ولا يقدر على عدّه العادّون، انتظمت من المقاصد أسماها، ومن الحكم أعلاها، ومن المنافع أعظمَها وأزكاها، وعلى الدعوة لانتظام شملِ المسلمين، ووحدة كلمتهم، وعلى التربية الإصلاحية للفرد والمجتمع، والتزكية السلوكيَّة للنفوس والقلوب والأرواح والأبدان، أيامُ الحجِّ المبرور تُحيَى بذكر الله، وتُضاء بتلاوةِ آياتِ الله، وتطهَّر بالاستغفار وبذل المعروف والدعوة إلى الله عزوجل ملء الأوقاتِ بالطاعات، تحصّنُ الحجَّ من الآفات المهلِكة، ولصوصِ الحسنات، وتزيد الحجَّ برًّاً، فالأيامُ فاضلة، وتلك البقاع مفضَّلة، وفيها تتضاعف الأجور، وقد كان سلفُنا الصالح إذا تلبَّسوا بهذه العبادة عطَّروا أوقاتَها بذكر وتسبيحٍ وتهليل وتحميد.سمة الحاجِّ في هذه البقاع العظيمة السكينةُ والطمأنينة، وسلوكُ أدبِ هذه الشعيرة بخفض الصوت، وعدم الإزعاج، وأذية المسلمين، والهدوء في العبادة والدعاء.

إلى الأعلى