الأربعاء 15 أغسطس 2018 م - ٤ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن: الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في النفـس (13)

شـذرات مـن هـدي القـرآن: الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في النفـس (13)

ناصر بن محمد الزيدي:
الحـمد لله رب العـالـمين، والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين، وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين، وحجـة الله رب العـالـمين، وعـلى آلـه وأصـاحـبه أجـمعـين، وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الـحـيث مـوصـولاً عـن الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في الـنـفـس: إن صـلة الـرحـم تـوجـد نـوعـا مـن الـتـكافـل الاجـتمـاعي بـين الـبشـر، فإذا حـدث لـشـخـص مـا مـصيبة أسـرع أقـاربه يـقـفـون مـعه في محـنته، ويحـاول كل منهـم أن يخـفـف عـنه، لأنـه كـما يـديـن يـدان.
هــذا الـتـلاحـم بـين الأسـرة يجـعـلها قـوية في مـواجـهة الأحـداث، ولا يحـس واحـد مـنها بالضـياع في هـذا الـكـون، أنه مـتمـاسـك مـع أسـرته، متمـاسـك مـع حـيّـه أو قـريـته مـتـماسـك مـع مجـتـمـعـه، وهـكـذا يخـتـفـي الحـقـد مـن الـمجـتـمـع ويخـتفي الـتـفـكك الـعـائـلي الأسـري، وتــتـلاحـم الأسـر وتـقـوى شـوكـتها.
ولـعـلـنـا إذا نـظـرنا إلى الـمجـتمـعـات الغـربية، التي يعـتريها الـتـفـكـك الأسـري نجــد أن كل واحـد مـنهـم قـد ضـل طـريـقه، وانحـرف عـن جـادة الـطـريـق لأنـه أحـس بالضياع بـعـد فـقــد الـرابـطـة الأسـرية، فانحـرف إلى الـمخـدرات أو إلى الخـمـر أو إلى الـزنا، وغـير ذلك مـن الـرذائـل التي تـراهـا، فــترى الـجـيـل ضـائعـا تائـهـا، ولـكـن مـن الـذي أضاعـه؟، أضاعـه عـدم صـلة الـرحـم، والتـشـتت الـعـائـلي، فـتـرى أفـراد الأسـرة كل في فـلك يـسـبـح، متـخـذاً إلـهـه هـواه.
وإذا تحـدثـنا عـن الانحـرافات التي نـراها بـين شـبابـنـا الـيـوم، فـلا نـلـوم الـشـباب ولـكـن نـلـوم أنـفـسـنا، ونـلـوم الآبـاء والأمـهـات الـذين تـركـوا أولادهـم وبـناتـهـم بـغـير مـراقـبة، وأهـدروا صـلة الـرحـم، فـشـب جـيـل يعـاني مـن عـقـد نـفـسية لا حـدود لهـا، إن الابن الـذي يـفـقـد جـو الأسـرة يـفـقــد مـيزان حـياته، والله تعالى يـريـد الـمـؤمـنين أن يـكـونـوا متحـابـين، ويـكـونـوا مـتـعـاونـين متضـامنين، لا تـتمـلكـهـم الـعـقـد الـنفـسـية، فـتصـرفـهـم عـن الـمهـمة الـمـقـدسة التي أمـروا بالـمحـافـظة عـلـيها، خـاليـة مـن كل الـتـعـقـيـدات التي تحـطـم الحـياة الأسـريـة، إذن: فـعـدم صـلة الـرحـم تضـييع أجـيال بأكـمـلـها.
ونـأتي بـعـد ذلك إلى الـصفة الـثالثـة مـن صـفات الـفـاسـقـين، يـقـول الله تعالى: (ويـفـسـدون في الأرض)، نـقـول: كل مافي الـكـون مخـلـوق عـلى نـظام محـكم، عـلى نـظام:(قــدر فـهــدى)، أي كل شئ له هـدى طـريـق وسـلـوك لا بــد أن يـتـبعـه، ولـكـن الإنسان جـاء في مجـال الاخـتيـار وأفـسـد قـضية الـصلاح في الـكـون، إذ لـما أعـطي الحـريـة في الاخـتيـار، لـم يـحسـن الاخـيـتار، فـجـنى عـلى نـفسـه بـسبب اخـتـياره.
ومـن رحـمة الله بخـلـقـه أن جـعـل في هــذا الـكـون، أن بـعـض خـلـقـه يـعـمل مـقـهـوراً، لـيـضـبـط حـركـة الـكـون الأعـلى، فالـشمس والـنجـوم والأرض وكل مـا في الـكـون مـن الإنـس والجـن يـسيرون وفـق نظـام دقـيـق لـمـاذا؟ لأنـه يـسير بـلا اخـتـيـار له، والله تـبارك وتعالى أخـبرنا بأنه لـكـي يـعـتـدل مـيزان حـياتـنا، فـلا بـد أن نحـكـم أنفـسـنا بـمنـهـج الله، ونـسـير عـلى وفـق نـظـامـه الـبــديـع، وإذا كان الكـون الـمـقـهـور محكـومـاً بمنهـج الله، فـلـيس مـعـنى الاخـتيار الإنـساني أن نـبـتـعـد عـن مـنهـج الله، لأن الله لـه صـفـة الـقـهـر فـهـو يـسـتـطـيـع أن يخـلـقـنا مقـهـورين، ولـكـنه اعـطانا الاخـتيـار، حتى نأتـيه عـن حـب ونـطـيـعـه بحـب اتـبـاع أوامـره، ونـنـتهـي عـن ارتـكاب نـواهـيـه، ولـيس عـن قـهـر وتسـخـير.
فأنـت تحـب الشـهـوات ولـكـنـك تحـب الله أكـثـر، فـتقـيـد نـفـسك بمـنهـج الله، إذن: فالاخـتيار لـم يعـط لـنا لـنـفـسـد في الأرض، ونـنتهـك الحـرمات ونسـفـك الـدمـاء، ولـكـنه أعـطي لـنا لـنأتي الله عـز وجـل طـائـعـين ولـسنا مـقـهـورين، حـتى تـظـهـر محـبـتـنا لله الـواحـد الـقـهـار، ولـذلك فـكل مـنا مخـتـار في أن يـؤمـن أو لايـؤمـن، وهـذا الاخـتيار يـثـبت محـبـوبـية الله عـز وجـل في قـلـوبـنا، ولـكـن الإنـسان بـدلا مـن أن يـأخـذ الاخـتيـار لـيـاتي الله عـن حـب فـيـنال الجـزاء الأعـظـم، أخـذه لـيـفـسـد في الأرض، وأطـلـق لـنفـسـه العـنان يـفـعـل مـا يـشـاء، فـسـوء الاخـتيار هـو الـذي أرداه وأوصـل الى الخـسـران الـمـبين.
والـفـساد أن تـنـقـل مجـال:(افـعـل ولا تفـعـل) فإذا وضـعـت هـذه مـكان تـلك فـسـيـنـقـلـب الـمـيزان أي:إنـك تخـالـف أمـر الله فـيـما أمـرك به فـتجـعـل مـكان (افـعـل، لا تـفـعـل)، ومـكان:(لا تـفـعـل، تفـعـل)، فـتجـعـل بـذلك مـيزان حـيـاتـك مـعـكـوسـاً، فـتسـيربـغــير هـدى مـن الله لـمـاذا؟.
لأنـنا غـير محـكـوميـن بـقـاعـدة كلـية تنـظـم حـياة الـناس ، فـكل واحـد سـيضع قـاعـدة له، وكل واحـد لـن يـفـعـل مـا عـلـيه، فـيحـدث تصـادم في الحـياة، وكل فـساد يـشكل قـبحـاً في الـوجـود، فـهـب أنـك تسـير في الـطـريـق، وتـرى عـمـارة مـبـنية حـديـثـاً وقـد تسـربت الـمـياه مـن مـواسـيرها، عـنـد ما تـرى ذلك تـتـأذى، لأن هـنـك قـبحـا في الـوجـود بـسـبب عــدم أمـانـة إنـسان في عـملـه، إذن: فـحـين يـفـسـد عـامل واحـد، بـعـدم الإخـلاص في عـملـه، يـفـقـد الـكـون نـعـمة يحـبـها الله، في أن تـرى الـشيء الـجـمـيـل فـتـقـول: الله.
فـكل إنـسان غـير أمـين في عـمـله يـفـسـد في الـكـون، وكل إنـسان غـير أمـيـن في خـلـقـه يـفـسـد في الـكـون، ويـعـتـدي عـلى حـرمات الـناس الآخـرين وأمـوالـهـم، وهـذا يجـعـل الـكـون قـبـيـحـا، فـلا يـوجـد إنـسان يأمـن عـلى عـرضه ولا عـلى مالـه ولا عـلى أهـله وأولاده.
لـقـد أراد الـمعــتـدي أن يحـقـق ما ينـفـع به نفـسه عـاجـلا، ولكـنه أحـدث فـسادا في الـكـون، كـذلك عـنـدما يـغـش الـتـاجـر الـناس بتـطـفـيـف الـكـيـل، أو بـبخـس الـمـيزان، أو بـترويـج الـسـلعـة بالحـلـف، وعـنـدما يـكـتسب الإنسان الـمال بالـنهـب والـسـرقـة، فـيـفـتـح الله عـلـيه أسـوأ مصارف الـمال في الـوجـود، فـهـو أخـذ الحـسرة والـنـدامة بالـفـساد في الأرض، والله يـقـول:(ولا تفـسـدوا في الأرض بـعـد اصـلاحـها وادعـوه خـوفاً وطـمـعـاً إن رحـمت الله قـريـب مـن الـمحسـنين) (الأعـراف ـ 56).
.. وللحـديث بـقـية.

إلى الأعلى