الإثنين 19 نوفمبر 2018 م - ١١ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الصداقات وحسن النوايا (2)

الصداقات وحسن النوايا (2)

محمود عدلي الشريف:
(صاحب المصلحة المشكلة والحلول) من منطلق هذه العبارة نتحدث معك اليوم ـ عزيزي القارئ ـ فلاشك أن طبائع الناس تختلف كما تختلف عاداتهم ومعادنهم، ومن بين تلك الطبائع من تجده يحب الناس لمصلحة ويصادقهم لمنفعة، وإذا ما انتهت أيام منفعته ما صادق ولا صاحب ولا تعارف أصلاً، وهذا النوع من الناس يقع في صحبته منا الكثير، والعجيب أن الواحد منا لا يعلم هذا الطبع إلا بعد أن تنتهي المصلحة، ويأخذ صاحب المنفعة ما يريد من وراء صحبته، إننا نناقش هذه المسألة في هذا المقام، فما العمل؟ وما الحل في مثل هذه الحالة؟ أولاً: دعونا إخوة الإيمان: نجتث المشكلة من جذورها، ونقطعها من أساسها، يذكر لي بعض الإخوة أنه ينتبه من مثل هذه الصداقات، ولكنه سرعان ما يقع في شراكها من جديد، قائلاً: خدعني بمظهره، أو غشني ببعض أفعاله، أو لم أكتشف ذلك، أو عاملته بحسن نيه ولم أتوقع منه ذلك، إلى غير ذلك من الأمور التي يطرحها بعض الإخوة كأعذار لما وقع فيه من صحبة المنفعة التي يندم بعدها لا شك، لأنه وضع الثقة في غير محلها، وإليكم الحل لهذه المخادعات: هناك علامات كثيرة يستطيع الإنسان من خلالها أن يتعرف على صاحب المصلحة أو المنفعة بسهولة، وبها يمكن له أن يكتشف من هو أمامه من يكون!! على الرغم من أن هذا يخفى على الكثيرين، ولكن إذا ما دققنا النظر نجد أن هناك سمات وعلامات يمكن للإنسان أن يكتشف بها من يخالطه من الناس، وهاتيكم: 1ـ قوة الإيمان: ينبغي على المؤمن أن يكون من أهل الفراسة وسرعة البديهية، وقوة الملاحظة، وحدة النظر، وذكاء العقل، والعمل بالنقل )كتاب الله تعالى وسنة نبيه ـ صلى الله عليه وسلم) لقد أمرنا الله تعالى بحسن معاملة الناس في الأقوال والأفعال، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ:(المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ) (صحيح البخاري ج1، ص: 11، برقم: 10)، وجاء عند مسلم برقم: 64)، وجاء عند غيرهما واللفظ للبخاري، بل وجاء لهذا الحديث لفظ آخر يفيد العموم لكل من على وجه البسيطة من حسن للمعاملة باليد واللسان عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرِوٍ ـ رضي الله عنهما ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم):(تَدْرُونَ مَنْ الْمُسْلِمُ؟, قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ تَدْرُونَ مَنْ الْمُؤْمِنُ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ, وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَمَا نَهَى اللهُ عَنْهُ وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ عزوجل) (الجامع الصحيح للسنن والمسانيد ج4، ص: 91، باب الِامْتِنَاعُ عَنْ أَذَى النَّاسِ مِنَ الْإيمَان)، وهذه هي قاعد أساسية في معاملة المؤمن مع الناس، ولابد مادام الإنسان حيا أن يختلط مع الناس، وأن يتبادل معهم المعاملات، فلا يستطيع أن يعيش وحده أو يحيا بمفرده، فلابد له من التعايش مع بني جنسه، ومن بينهم الصفي والخليل والصديق والرقيق، والناس يختلفون في أصولهم ومعادنهم كما روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:(قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَتْقَاهُمْ، فَقَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: فيُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ، ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ، ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ، ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ تَسْأَلُونِ؟ خِيَارُهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلاَمِ، إِذَا فَقُهُوا) قَالَ: أَبُو أُسَامَةَ، وَمُعْتَمِرٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) (صحيح البخاري ج4، ص: 140، برقم 3353)، وأخرجه مسلم في الفضائل باب من فضائل يوسف ـ عليه السلام ـ برقم 2378 ج3، ص: 1224 وغيرهما وهو مشهور، ومعنى:(معادن العرب) أصولهم التي ينتسبون إليها ويتفاخرون بها.
(فقهوا) فهموا وعلموا عملوا)، ولما كان الناس معادن والمعادن لاشك منها النفيس وغير النفيس وهكذا تجد أنواع الناس، لهذا يجد الإنسان من بين أنواع الناس من يصاحب لمصلحة ويرجو من وراء صحبته منفعة، ومنهم من يصاحب لله وغير ذلك من أنواع الصداقات، ويمكن للمؤمن أن يكتشف هؤلاء وذلك بقوة إيمانه، وحسن توكله على الله عزوجل، لأن حركته وسكنته وسعيه وبحثه وتعامله وذهابه وإيابه بنور الله تعالى، فبإيمانه هو في معية الله تعالى، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(اتَّقُوا فِرَاسَةَ المُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأَ:(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) (الحجر ـ 75): هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ:(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) (الحجر ـ 75) قَالَ: لِلْمُتَفَرِّسِينَ) (انظر سنن الترمذي ت شاكر ج5، ص: 298، برقم 3127)، ورواه كثير غيره واللفظ له، وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ـ رضي الله عنهما ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم):(مَثَلُ عَمَلِ أَحَدِكُمْ كَمَثَلِ الْوِعَاءِإِذَا طَابَ أَسْفَلُهُ, طَابَ أَعْلَاهُ, وَإِذَا فَسَدَ أَسْفَلُهُ, فَسَدَ أَعْلَاهُ) (الجامع الصحيح للسنن والمسانيد ج4، ص: 296، ورواه أحمد برقم 16899), وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن، ورواه ابن ماجه برقم 4199, وانظر السلسة الصَّحِيحَة: 1734، والقصد بالتشبيه أن الظاهرَ عُنوانُ الباطِن, ومن طابَتْ سَريرتُه, طابَتْ عَلانِيَتُه, فإذا اقترنَ العملُ بالإخلاصِ القلبيِّ الذي هو شرطُ القبول, أشرقَ ضياءُ الأنوار على الجوارح الظاهرة, وإذا اقترنَ برياءٍ أو نحوه, اكتسب ظُلْمة يُدْرِكُها أهلُ البَصائر وأرْباب السَّرائر، (إن لله عباداً يعرفون الناس بِالتَّوَسُّم, فاتقوا فِراسَة المؤمن، قال الغزالي: للأعمال الظاهرة عَلائِقُ من المساعي الباطنة, تُصْلِحها وتُفْسِدها, كالإخلاصِ والرياء والعجب .. وغيرها, فمن لم يعرف هذه المساعي الباطنة ووجهَ تأثيرِها في العبادات الظاهرة, فقلَّما سَلِمَ له عملٌ ظاهر, فَتَفُوتُه طاعاتُ الظاهر والباطن , فلا يبقى بِيَدِهِ إلا الشَّقاء والكذب ذلك هو الخسران المبين. (انظر فيض القديرج 2 ص 708)، أما (إِذَا دَخَلَ النُّورُ فِي الْقَلْبِ انْشَرَحَ وَانْفَتَحَ، قِيلَ: وَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: التَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ السُّرُورِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ الْمَوْتِ، فَأَخْبَرَ أَنَّ التَّجَافِيَ عَنِ الدُّنْيَا، وَالزُّهْدَ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى نُورِ الْقَلْبِ، وَمَنِ اسْتَنَارَ قَلْبُهُ أَصَابَ فِي مَنْطِقِهِ، وَلَمْ يُخْطِئْ فِي قَوْلِهِ، وَتَكُونُ أَعْمَالُهُ مُتْقَنَةً، وَأَفْعَالُهُ مُحْكَمَةً؛ لِأَنَّهُ يَرَى الْأَشْيَاءَ كَمَا هِيَ، فَلَا تَلْتَبِسُ عَلَيْهِ الْأُمُورُ، وَلَا تَتَشَابَهُ لَهُ الْأَحْوَالُ؛ لِأَنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ، وَمَنْ نَظَرَ بِنُورِ اللَّهِ أَبْصَرَ الشَيْءَ كَمَا هُوَ، فَأَصَابَ فِي مِنْطَقِهِ، وَأَدْرَكَ الرُّشْدَ فِي إِشَارَتِهِ، فَمَنْ قَبِلَ مِنْهُ أَصَابَ رُشْدًا، وَقِلَّةُ الْمَنْطِقِ دَلِيلٌ (ص ـ 259) عَلَى إِصَابَةِ صَاحِبِهِ لِأَنَّ مَنْ تَحَرَّى الصَّوَابَ فِي عَمَلِهِ، وَالصِّدْقَ فِي قَوْلِهِ قَلَّ مَنْطِقُهُ؛ لِذَلِكَ أَمَرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِالْقَبُولِ مِمَّنْ أُعْطِيَ زُهْدًا فِي الدُّنْيَا، وَقِلَّةَ الْمَنْطِقِ لِإِصَابَةِ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ مِمَّنْ هَذَا نَعْتُهُ، وَمَنْ قَبِلَ الْحَقَّ وَالصَّوَابَ رَشَدَ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَالْمُرْشِدُ (بحر الفوائد المسمى بمعاني الأخبار للكلاباذي ص : 258).
*ma.alsharif78@gmail.com

إلى الأعلى