الأربعاء 17 أكتوبر 2018 م - ٨ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / تيار (مابعد الصهيونية) و”قانون القومية”

تيار (مابعد الصهيونية) و”قانون القومية”

علي بدوان

نحن الآن أمام حراك داخلي في “إسرائيل” بعد طرح “قانون القومية” وعودة النغمة لمقولة “يهودية الدولة”، حيث يقود الحراك وبشكل أساسي، أبناء فلسطين داخل حدود العام 1948 قبل غيرهم من قطاعات المجتمع “الإسرائيلي”، ويتوقع على ضوء ذلك حدوث المزيد من التخبط والارتباك داخل الكنيست، حيث تدور عملية الصراع بشأن ذلك، في مواجهة قوى اليمين والتطرف، دحضا لأفكار مرفوضة.

في سياق مشروع “قانون القومية” ومقولة “يهودية الدولة” المطروحتين الآن على جدول الأعمال في دولة “الاحتلال الإسرائيلي”، يُلحظ بأن الحراك الفاعل في مواجهة تلك المسألتين تتم على يد المواطنين العرب أصحاب الوطن الأصليين داخل مناطق فلسطين المحتلة عام 1948، وأحزابهم وقواهم السياسية، وبعض القطاعات الإجتماعية وخصوصا منها من طائفة الموحدين الدروز. بينما تتحشرج، وتنطق بصوت خجول المجموعات “الإسرائيلية” من قوى ما يسمى “اليسار الإسرائيلي”، وتكاد تختفي أصوات تيارات ما بعد الصهيونية، التي تعارض مشروع “قانون القومية” و”يهودية الدولة”.
تيار ما بعد الصهيونية، كفكرة، وكحدث، يشكل تيارا مهما داخل المجتمع “الإسرائيلي” على أرض فلسطين التاريخية، رغم أنه ما زال تيارا متواضع الحضور والفعل والتأثير في “إسرائيل” ووسط المجتمع اليهودي على أرض فلسطين التاريخية، ويقوم على يد جماعات صغيرة من المفكرين في صفوف الأنتجلنسيا اليهودية. وقد يكون مشروع ما بعد الصهيونية لم يستقر ضمن مفهوم واضح، فمفهوم “ما بعد الصهيونية” ظهر بين أفراد الطبقات المتوسطة “الإسرائيلية” وفي الوسط الأكاديمي على وجه الخصوص، حيث تجنب رواية الميثولوجيا الصهيونية، ونبذ الأساطير التاريخية، وتحفظ عليها، بل ورفضها، وأبدى التزاما بالحقوق المدنية أكثر من الالتزام العرقي أو الاثني، ونادى بالمساواة والعدالة التامة لكل الناس داخل “إسرائيل”، والمقصود بين اليهود والعرب أصحاب الوطن الأصليين.
وترى بعض الدراسات النقدية النظرية التي قدمها العديد من المفكرين والمتابعين، في “إسرائيل” ومن اليهود تحديدا، خلال السنوات الماضية المنصرمة، أنَّ المكونات الأساسية لفكر “ما بعد الصهيونية” ينطوي على ثلاثة اتجاهات تماما.
الاتجاه الأول يرى أنه بإنشاء الدولة “الإسرائيلية” عام 1948 فإن هدف الصهيونية قد تحقق وأنه آن الأوان لبداية مرحلة جديدة في تاريخ “إسرائيل” يتم فيه تطبيع الآليات الداخلية والخارجية للبنية الصهيونية وللدولة عموما، كي تصبح على طريق دول المنطقة الطبيعية.
والاتجاه الثاني يرى أنه بمعايير ما بعد الحداثة السائدة الآن في الغرب، فإن الصهيونية باعتبارها تقدم نفسها كحركة قومية تعتبر حركة فات أوانها، وانتهى دورها، لأنها عاجزة عن الاستجابة لتحديات الحاضر.
والاتجاه الثالث فهو يركّز على أن الصهيونية منذ نشأتها الأولى كانت في طبيعتها حركة استعمارية، وهي مسؤولة بالقطع عن عديد من المظالم التي أوقعتها الدولة “الإسرائيلية” ذاتها عندما نشأت عام 1948 بحق الشعب العربي الفلسطيني، مما أدى إلى تشويه صورة اليهود في العالم. ومن هنا يرى أصحاب هذا الاتجاه من تيار (ما بعد الصهيونية)، أنه آن الأوان لانتهاج طريق آخر على الدولة “الإسرائيلية” أن تتبعه، إذا أرادت أن ترقى إلى مستوى المفاهيم والمدركات لحركة ما بعد الحداثة الغربية، التي من توجهاتها الأساسية التركيز على الأفراد باعتبارهم مواطنين في الدولة أيّا كانت أصولهم القومية والعرقية، وتجاوز مفاهيم القومية القديمة الكلاسيكية.
إنَّ التيار إياه، تيار (ما بعد الصهيونية) يمثّل في جوهره، انقطاع عن الصهيونية وليس شكلا معاديا تماما لها كما يحاول البعض ترويجه في بلادنا العربية، وهذا التيار يبحث عن مجتمع أكثر مساواة. ويعتقد أصحابه أنَّ على “إسرائيل” أن تطور نوعا من الهوية المدنية يتجه نحو القيم الكونية للديمقراطية الليبرالية. ولا ينبغي أن تتميز فيها أية عرقية وجوديا أو سلوكيا. وهذا الادعاء يرفضه الصهاينة الذين يدعون إلى “دولة يهودية نقية”، وإلى سنّ وإقرار “قانون القومية” بشكل نهائي، بينما الدولة متعددة الأعراق هي القاعدة وليست الاستثناء.
هنا، يعتقد المؤرخ “الإسرائيلي” (ايلان بابه)، صاحب كتاب التطهير العرقي، والذي يعتبر يساريا، ومعاديا للصهيونية، وما بعد صهيونيا بارزا، أنَّ الانتفاضة الفلسطينية الكبرى الأولى نهاية العام 1987، والثانية صيف العام 2000، كشفتا زيف ووهم (المابعد صهيونية). فقد أضّحت (الما بعد صهيونية) عند اندلاع الانتفاضة تيارا وهميا غير فاعل، ويضيف: “لقد عقروا قدرتها على الإخصاب، وقد يأتي يوم يكون فيه متاحا، في ظروف مخبرية ملاءمة، تلقيح نطفتها في عملية إخصاب صناعية”. ويؤكد (إيلان بابه) أحد أبرز المناهضين للصهيونية أنَّ المجتمع الصهيوني قد تخلّص في الوقت الحالي من (المابعد صهيوني) وتراجع دور هذا التيار بشكل كبير رغم تواضع حضوره أصلا في ظل سطوة قوى اليمين وحضورها الكبير في المجتمع “الإسرائيلي”. ويمضي (ايلان بابيه) قائلا: “ابحثوا عنّا بعد ثلاث أو أربع سنوات، عندما تصل الحقارة والشناعة والفظاعة البربرية التي أضحت مرتكزات السياسة الإسرائيلية، إلى درك من شأنه أن يدفع الكثير من الناس داخل البلاد إلى القول: طفح الكيل، لكننا لم نبلغ بعد هذه اللحظة”.
وعليه، إنَّ ما يحدث في “إسرائيل”، استتباعا مع بدايات طرح مشروع قرار “قانون القومية” قبل أحد عشر عاما، والمقدم من (آفي ديختر)، و”يهودية الدولة”، أدّى إلى ظهور دراسات كثيرة مستجدة، تحاول إعادة نقاش فكرة (ما بعد الصهيونية)، مثل الدراسة التي كانت نشرتها كاثلين كريستسون على موقع “زد نت” قبل فترة زمنية معينة، وهي محللة سابقة في (السي آي إيه) وقد تحدثت عن ما أسمته قرب نهاية الصهيونية، كذلك قال الكاتب “الإسرائيلي” يوسف أميناي “إنَّ بعض المؤرخين اليهود يقولون إنَّ إسرائيل سوف تتقلص لتصبح أكثر قليلا من حكم ذاتي وأقل قليلا من دولة، ما دامت عقلية الجيتو موجودة ومسيطرة على مواقع القرار، ما دامت عملية السلام تراوح مكانها”.
وبالنتيجة، نحن الآن أمام حراك داخلي في “إسرائيل” بعد طرح “قانون القومية” وعودة النغمة لمقولة “يهودية الدولة”، حيث يقود الحراك وبشكل أساسي، أبناء فلسطين داخل حدود العام 1948 قبل غيرهم من قطاعات المجتمع “الإسرائيلي”، ويتوقع على ضوء ذلك حدوث المزيد من التخبط والارتباك داخل الكنيست، حيث تدور عملية الصراع بشأن ذلك، في مواجهة قوى اليمين والتطرف، دحضا لأفكار مرفوضة. فــ”الدولة اليهودية النقية” خلف التاريخ، وقانون “القومية” مرفوض ومرذول ويعزل دولة الاحتلال حال تم تحشيد المجتمع الدولي لفضح هذا المشروع وتعريتهم، وإظهار حقيقية “إسرائيل” باعتبارها دولة كولونيالية استعمارية قامت على أنقاض الكيان الوطني والقومي للشعب العربي الفلسطيني.

إلى الأعلى