الخميس 15 نوفمبر 2018 م - ٧ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / أسمال الأكياس السياسية

أسمال الأكياس السياسية

عادل سعد

إذا كانت ظاهرة الأكياس السياسية العراقية والليبية والتونسية واللبنانية على خط التشغيل المتواصل، فإن أكياسا سياسية بوجوه سورية تمثل بعض رؤوس وأذرع معارضة هي أيضا ضمن سياق التشغيل، لكن منسوبها انخفض في الوقت الحاضر ولم يخلف سوى الرماد، بينما ظلت على مدى السنوات الخمس الماضية ممتلئة بالهبات والرواتب الشهرية وبالهدايا مقابل تلويح أصحابها بتصريحات (واعدة)..

تتماهى ظاهرة الأكياس هذه الأيام ببعض الاهتمام حين يتعلق الأمر بمدى انتشارها وتأثيرها ونوعيتها، وإن كانت فارغة، أو ممتلئة، أو أنها تتحكم في الأوضاع.
أنا هنا لا أقصد الأكياس البلاستيكية التي باتت وبالا على البيئة عموما، وعلى البيئة البحرية بشكل خاص، وكيف أن رميها على الشواطئ أو على سطح المياه يمثل انتحارا لأطنان الأسماك بعد أن تكون قد التهمتها وسدت عليها خياشم التنفس المائي، كما لا يتعلق الموضوع بالأكياس الرملية التي تمثل جزءا أساسيا من متطلبات الحرب في بناء متاريس لا يخترقها الرصاص والأعتدة الأخرى، ولا أعني أيضا الأكياس الترابية التي ترصف لمنع انجرافات التربة خلال الفيضانات ولحماية السدود، ولست أعني (الأكياس المائية) ذلك المرض الخبيث الذي يصيب البشر نتيجة تربية بعض الحيوانات الأليفة من فصيلتي القطط والكلاب، ولا يتعلق موضوعي أيضا بـ(أكياس الدم) البلازما لتعويض دماء مرضى أو جرحى نتيجة التفجيرات والألغام التي صارت جزءا من المشهد العام في عدد من البلدان العربية بسبب الإرهاب والحلول التي تعتمد العنف وسيلة لها، ولا أشير إلى شواهد وأطلال بحرية هي في مجملها أكياس تحمل خرقا بالية وبقايا طعام مهاجرين ابتلعتهم البحار وجرفت الأمواج هذه الأكياس.
ما أتناوله عن هذا الموضوع معني بالأكياس السياسية تحت طائلة هذه حصتي وتلك حصتك، ضمن اتفاقيات وتقاسم نفوذ ودفع رسوم تتم تحت الطاولات بعيدا عن الأضواء، مع حقيقة أن بعض الذين يغردون في هذا مضمار ليسوا سوى فاسدين بالنية والأسلوب والنتائج لما تحمله أكياسهم من بضائع مصدرها الضغط الطائفي، أو المناطقي أو الاثني أو من جميع هذه الضغوط مجتمعةً.
لقد تصدرت فرص الأكياس السياسية هذه الأيام أكثر من مشهد واحد في العراق، وفي ليبيا وفي لبنان وفي بلدان عربية أخرى وإذا كان البعض يتحاشى استخدام هذه المفردة لمنع الكشف عن أهدافه، فإن الواقع يؤكد معادلة متداولة تقوم على (ما تضع في كيسي قبل أن تطالبني بماذا أحشد في كيسك!), والطريف المر أن مفردة الأكياس هي تطوير إعلامي لمفردة الحصص التي استهلك استخدامها، وخصوصا في لبنان منذ اتفاق الطائف الذي كرس تقاسم النفوذ بين الطوائف السياسية اللبنانية، وعادت هذه المفردة للظهور على ألسنة عدة سياسيين لبنانيين بينهم وزير الخارجية اللبناني الحالي جبران باسيل الذي رد على بعض شخوص المشهد السياسي المناوئين للتيار الوطني الحر، إذ قال من يريد أن يعطي البعض حقائب وزارية، فليعطه من كيسه وليس من كيس التيار الوطني الحر الذي فرضت نتائج الانتخابات أن تكون له حصه وزارية وازنة تتناسب وعدد نوابه الذين فازوا في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وإذا كانت ظاهرة الأكياس السياسية العراقية والليبية والتونسية واللبنانية على خط التشغيل المتواصل، فإن أكياسا سياسية بوجوه سورية تمثل بعض رؤوس وأذرع معارضة هي أيضا ضمن سياق التشغيل، لكن منسوبها انخفض في الوقت الحاضر ولم يخلف سوى الرماد، بينما ظلت على مدى السنوات الخمس الماضية ممتلئة بالهبات والرواتب الشهرية وبالهدايا مقابل تلويح أصحابها بتصريحات (واعدة)، تصريحات على غرار (أن دمشق صارت على مرمى حجر من قواتنا) وذهبوا أبعد في تمنياتهم الواهية بمحاكمة هذا المسؤول الحكومي السوري أو ذاك، وتجريف ما أسس النظام من معالم، بل إن أحد المعارضين الحالمين تحدث برومانسية حمقاء عندما قال (سنحرر الياسمين الدمشقي من قبضة بشار).
لقد تحولت تلك التمنيات إلى أسمال، والدليل على ذلك أننا لم نعد نسمع تصريحات رنانة على شاكلة ما كان يدلي به بين الحين والآخر ميشيل كيلو، وجورج صبرا، ورياض حجاب وأحمد الجربا وآخرون ضمن قائمة الائتلاف السوري الذين اتخذوا من اسطنبول وبيروت وعواصم أوروبية منصات لهم.
لقد فقدوا بريقهم بعد أن كانوا ملء السمع والبصر، وها أن أغلبهم يبحث عن أقبية (جمع قبو) لترتيب مأوى لهم بعد أضواء فنادق خمس نجوم جعلوها مسارح لسهراتهم وصولاتهم الإعلامية، وهناك آخرون وعلى وفق معلومات متداولة يريدون استباق الزمن لإعادة مد الجسور مع دمشق لتأمين عفو عنه، والعودة إلى سوريا مع كل ما يفرض ذلك من ولاء للحكم القائم على إيقاع (الاعتراف بالخطأ فضيلة) متجاهلين أو متناسين أن الخطأ الدموي لا يندرج ضمن قائمة الأخطاء التقليدية التي يمكن غض النظر عنها.
وعودة على بدء، يظل ما تحتويه بعض الأكياس السياسية بالبضاعة المشار إليها مادة للتفسخ والبيع بالجملة والمفرد، وعرض الذمم لمن يدفع أكثر.

إلى الأعلى