الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / نتنياهو في تِيهٍ!

نتنياهو في تِيهٍ!

جواد البشيتي

” المقاومة لن تتصرَّف وكأنها اختارت أنْ تلعب اللعبة وفْق القواعد التي حدَّدها نتنياهو؛ فتضحيات أهل غزة هي الآن الرادع الأقوى للوفد الفلسطيني المُوَحَّد (وللقيادة السياسية للمقاومة) عن تقديم أيِّ تنازلٍ سياسي في المفاوضات؛ ولقد بات أمراً مسلَّما به، ومحل إجماع فلسطيني لم يسبق له مثيل على أنَّ المطالب الفلسطينية هي مطالب الحد الأدنى، وغير قابلة، من ثمَّ، للانتقاص أو التجزئة أو التغيير.”
ـــــــــــــــــــــــــــ
حرب نتنياهو على قطاع غزة، ولجهة نتائجها وعواقبها الموضوعية، أيْ التي لم يُرِدْها، ولم يرغب فيها، والتي ذهبت بأهدافه جميعاً، جَعَلَتْه الآن محاصَراً بخيارين أحلاهما مُرُّ، أو بشَرَّيْن؛ فإمَّا أنْ يأمر جيشه بخوض الحرب البرية حتى النهاية، ومهما كانت العواقب، وإمَّا أنْ يستخذي لمطالب المقاوَمة، والتي هي شروطها لاتفاقية هدنة جديدة، قد تكون أطول أَمَداً من ذي قَبْل.
ما كان واضِحاً في ذهنه كل الوضوح هو نَبْذ، وضرورة نَبْذ، خيار المضي قُدُماً في الحرب البرية، أو معاودته الأخذ بهذا الخيار؛ فاختار، من ثمَّ، هدنة (إنسانية) قصيرة، قابلة للتَّمديد، وإعادة جيشه إلى ما وراء الحدود، في جنح الليل، ولو تحت نار المقاومة، والذهاب إلى القاهرة للتفاوض غير المباشِر مع المقاومة؛ لعلَّ جهود ومساعي حلفائه وأصدقائه تُثْمِر اتفاقية جديدة لهدنة طويلة، لا يلبِّي فيها من مطالب (وشروط) المقاومة إلاَّ ما يَضْمَن له تحويل انتصارها الميداني إلى هزيمة سياسية، متوقِّعاً، في الوقت نفسه، أنْ تُثْمِر الجهود والمساعي نفسها تَضْمين الاتفاقية نفسها ما يَضْمَن له تحقيق بعض من الأهداف التي أعلنها عند بدئه الحرب، وفي أثنائها؛ أمَّا إذا جَرَت رياح التفاوض، في القاهرة، بما لا تشتهي سفينته، لاستمساك المقاوَمة بمطالبها حتى النهاية، ولفشل الضغوط في حَمْلِها على التنازل، فلا بد، عندئذٍ، بحسب وجهة نظر نتنياهو، من العمل بالخيار الذي يعمل به الآن، والذي لا يمكن أنْ تتعامَل معه المقاومة إلاَّ بما يفضي إلى إحباطه.
وهذا الخيار هو مزيج من “الانسحاب (انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى ما وراء الحدود)”؛ وهذا ما أُنْجِز من قبل، وعدم التَّوصُّل إلى اتفاقية هدنة جديدة مع المقاومة الآن، مع ترك باب المفاوضات غير المباشِرة مفتوحاً، ولو جزئياً، والإبقاء على “ورقة الحصار” في يد إسرائيل، تلعبها كما تشاء، وجَعْل “الهدوء في مقابل الهدوء” أمراً واقعاً، أو جَعْل المواجهة العسكرية محدودة (من حيث السلاح والنار والميدان) مع خفض كلفتها الإسرائيلية، والضَّرب التدميري الشديد إذا ما ضَرَبَت المقاومة بصواريخها العمق الإسرائيلي، وإذا ما تسبَّب ذلك بخسائر إسرائيلية يَصْعُب السكوت عنها، أو إذا ما قامت المقاومة بعمل عسكري ناجح عبر الأنفاق.
ويتوقَّع نتنياهو (الذي فشلت كل توقُّعاته تقريباً) أنْ يلقى هذا الخيار المعقَّد سنداً قوياً له في المعاناة الإنسانية والاقتصادية المتفاقِمة لسكَّان قطاع غزة؛ فإلى معاناتهم السابقة من ثماني سنوات من الحصار، تُضاف الآن معاناة جديدة سببها الحجم الهائل للدمار الذي أَوْقَعَتْه آلة الحرب الإسرائيلية في البيوت، والمرافق الحيوية، ومنشآت البنية التحتية المدنية، واستمرار إغلاق معبر رفح، أو فتحه؛ لكن بما لا يكفي للتخفيف من هذه المعاناة المُركَّبة المتفاقمة.
المقاومة لن تتصرَّف وكأنها اختارت أنْ تلعب اللعبة وُفْق القواعد التي حدَّدها نتنياهو؛ فتضحيات أهل غزة هي الآن الرادع الأقوى للوفد الفلسطيني المُوَحَّد (وللقيادة السياسية للمقاومة) عن تقديم أيِّ تنازلٍ سياسي في المفاوضات؛ ولقد بات أمراً مسلَّما به، ومحل إجماع فلسطيني لم يسبق له مثيل على أنَّ المطالب الفلسطينية هي مطالب الحد الأدنى، وغير قابلة، من ثمَّ، للانتقاص أو التجزئة أو التغيير.
أمَّا كل هذا الموت والدمار الذي نشرته آلة الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة فَجَعَل أهل القطاع يشعرون الآن أنْ ليس لديهم شيء يخسرونه إذا ما استمرت واشتدت وعَنُفَت الحرب؛ فَهُم إذا لم يكسبوا، فلن يخسروا شيئاً؛ وأستطيع القول إنَّ الشيء الوحيد الذي يمكنهم “خسارته” إذا ما استمروا في الحرب، وتَحَمُّل خسائرها وعواقبها، هو “الحصار”؛ فلا يَنْتَصِر أخيراً إلاَّ مَنْ جَعَل عِقاب عَدُوِّه له فاقِداً معنى العقاب!
وعليه، لا خيار لدى المقاومة إلاَّ أنْ تستمر في ضرب إسرائيل، وأنْ تضر بها بما يَجْعَل هذا الضَّرْب، وعواقبه على الإسرائيليين، دعوة صريحة لنتنياهو إلى أنْ يُجرِّب، مرَّة أخرى، حظه في الحرب البرية؛ ولا خيار موازٍ لذاك الخيار، ومكمل له، إلاَّ زيادة الانتفاضة في الضفة الغربية والقدس الشرقية اشتعالاً؛ وعندئذٍ، فحسب، لن يكون لدى الحكومة الإسرائيلية من خيار إلاَّ أنْ تعطي المقاومة ما تريد عن يدٍ وهي صاغِرة!
“الميناء”، وبصفة كونه ضمانة لإنهاءٍ تام ٍّوفعليٍّ للحصار، ولجعل معاودته أمراً من الاستعصاء بمكان، هو المطلب الفلسطيني الأهم؛ فهذا الميناء البحري، وبصرف النَّظَر عن شكله وخصائصه يجب أنْ يكون مضموناً دولياً بما يجعله أساساً وطيداً لاستقلال قطاع غزة (أناساً وبضائع ومواد مدنية) عن كل معابره البرية، الشمالية والشرقية والجنوبية. وهذا الميناء البحري الدولي (المراقَب، والمُشْرَف عليه، والمحمي، دولياً) لا قَيْد دولياً على حرية الوصول إليه، أو المرور فيه، أو الخروج منه، إلاَّ قَيْد “الأسلحة والمواد العسكرية”.

إلى الأعلى