الخميس 13 ديسمبر 2018 م - ٥ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / التيار القومي العربي.. ظروف ومنطلقات وأهداف – الحلقة الأخيرة


التيار القومي العربي.. ظروف ومنطلقات وأهداف – الحلقة الأخيرة


علي عقلة عرسان

إن مراجعة الأهداف والمهام والتوجهات والأساليب، التي لكل تنظيم من التنظيمات القومية، مما أشرنا إليه في هذه الورقة، تجعلنا نكتشف حجم المشترك فيما بيننا. ولكن الوقوف على ما نحققه على الأرض، وما نقيمه من تواصل وتنسيق وحوار وتعاون، يبين لنا حجم التقصير الكبير في هذا المجال، وأهمية أن نعيد النظر في هذا الوضع، لمصلحة الأمة العربية وقضاياها، ولمصلحة كل تنظيم قومي على حدة، ولمصلحة الأمة..

.. وهناك قضايا مبدئية جوهرية، وقضايا رئيسة في هذا المجال منها: الموقف من الاعتراف بالعدو الصهيوني وتطبيع العلاقات معه ـ الموقف من المبادرة العربية ـ الموقف من المقاومة ضد العدو الصهيوني وضد الاحتلال، أي احتلال ـ الموقف من المفاوضات مع العدو، وترويج التنازلات العربية بفروسية ـ الموقف من دولة “إسراطين” التي تضمنها الكتاب الأبيض 2003.5.8 وحتى من مجرد عرض أو قبول منطق، التشكيك في وقوع المذابح التي ارتكبها الإرهاب الصهيوني العنصري ضد الشعب الفلسطيني، تلك التي أدت إلى الشتات الفلسطيني عام 1948 كمذبحة دير ياسين.() وتلك حقائق أخذ المؤرخون الصهاينة الجدد، الذين يقومون بمراجعات تاريخية، يعترفون بها وبأهدافها وبوحشيتها، وبكونها جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية.. فكيف نقول ما نقول بشأنها، وكيف نساير منطق المتطرفين الصهاينة في ذلك الأمر؟!
إن حزب البعث، والحركة الناصرية، وما نَسَل منهما من تنظيمات قومية، “فروعا وأحزابا”، لم تعترف بالدولة الصهيونية حتى الآن. وعبدالناصر وحافظ الأسد الزعيمان البارزان في التنظيمين، لم يوقعا على اتفاق يؤدي إلى الاعتراف بـ”إسرائيل”، وإن أقر كل منهما بوصفه “رئيس دولة” بالقرارين 242 و338 اللذين يؤديان إلى الاعتراف بالكيان الصهيوني دولة، ودخل الرئيس حافظ الأسد مفاوضات مع الكيان الصهيوني، على أرضية مؤتمر مدريد 1991. أما القائد معمر القذافي، فقد دعا إلى إقامة دولة “إسراطين” ـ إسرائيل + فلسطين ـ التي تضم الفلسطينيين والإسرائيليين في دولة واحدة، مؤكدا حق العودة للشعب الفلسطيني، ودولة ديمقراطية للشعبين عاصمتها القدس، ولم يوقع على اعتراف بدولة العدو الصهيوني التوسعية.
6 ـ الاشتراكية شعار ثالث لدى كل تنظيم من التنظيمات الثلاثة، وتفريعاتها تأخذ تسميات مختلفة في الأقطار العربية، حسب الظروف الأحوال، ولكن النص على الخيار الاشتراكي قائم.. قد يحتل موقعا متقدما على موقع آخر، في هذا التنظيم العام أو الفرعي أو ذاك، من التنظيمات القومية في الوطن العربي، ولكن الخيار الاشتراكي العربي، والطريق إليه، والتطبيقات الاشتراكية، والتجربة التي مرت بها الأحزاب القومية التي وصلت إلى الحكم، في بعض الأقطار، أو كانت مؤثرة في القرارات السياسية، وطبقت أو ما زالت تناضل من أجل تطبيق الاشتراكية، أو “صيغة اشتراكية”، والوصول إلى مفاهيم تتلاءم مع التطورات والمستجدات العربية والدولية، لا سيما بعد تفكك الاتحاد السوفييتي والمنظومة الشيوعية، ودخول عصر الإمبريالية الأميركية العولمة أو الأمْركة، الخيار الاشتراكي أو الطريق إليه يحتاج إلى مراجعة جذرية وشجاعة، على أسس علمية متصلة بنا تاريخيا وواقعيا وعقائديا.. ويأخذ المتغيرات الجوهرية والجذرية، التي طرأت على التجربة وتطبيقاتها، بالاعتبار. وهذا يستدعي حوارا معمَّقا، واستخلاصا للتجارب بعقل مفتوح، وإعادة صوغ للخيارات والتوجهات في هذا المجال، بمسؤولية علمية وقومية وأخلاقية. ويبدو أن معظم الخيارات والتطبيقات الاشتراكية، كانت محكومة بالرؤية الشيوعية والأفكار الماركسية، وحتى هذا النهج دخله الكثير مما يستحق المناقشة، والاستفادة من تجاربه “نجاحاته وإخفاقاته”، وخلاصاته ومتغيراته. فهل تفعل التنظيمات القومية ذلك، على الصعيدين النظري والعملي، بجرأة ونضج ومسؤولية؟ إن الشعارات المعلَّقة لا تكتسب قوة إقناع، ولا واقعية تطبيق، ومصداقية جماهيرية.. بل تصبح عبئا على التنظيمات ذاتها، وعلى حيوية المناضلين، وتجدد أفقهم المعرفي وقدراتهم، وإمكانياتهم النضالية.
7 ـ لماذا لا توجد قيادة موحدة للحركة الناصرية؟ ولماذا لحزب البعث العربي الاشتراكي أكثر من تنظيم، ذي مرجعية مركزية، تقود إلى الصراع والتضاد، في حين أن الأهداف المعلنة واحدة؟ ولماذا لا توجد مرجعية موحدة للحركة القومية العربية، تقوم بالتنسيق فيما بين أطرافها وقواها على الأقل، فيما يتعلق بالقضايا المركزية والمصيرية، وبمواجهة أشكال التحدي والعدوان؟ هل هناك خلافات جوهرية في المبادئ والأهداف، تحول دون التقدم الإيجابي على طريق التعاون البناء، من حيث الأساليب والوسائل، أم هي خلافات قادة ومسؤولين، تقود إلى تعميق الهوة بين التنظيمات، وتعطيل التقارب، وتصدُر عن أمزجة ومصالح فردية أو فئوية، أو عن نزوع سلطوي؟ هل هناك محاولات محو، أو استيعاب، أو إقصاء، تجعل أطراف التيار القومي الواحد، لا يثق بعضهم ببعض، ولا يبني بعضهم مع بعض، ولا يقيمون مداميك معمارهم القومي على أساس مشترك؟ هل تصلَّبت شرايين البعض منهم، وانعكس ذلك التصلب على القضايا العربية المصيرية، وعلى العمل القومي كله، فشلَّ مرجعية الأمة الواحدة وقدراتها؟ كل التنظيمات القومية مستهدَفة الآن من قوى إمبريالية وعنصرية صهيونية، تعبث بمكونات اجتماعية في هذا القطر أو ذاك. وكان الوضع كذلك تاريخيا، وبُذلت محاولات تقارب، لم تفلح على وجه مناسب.. فهل تستفيد الحركة القومية العربية، بأجنحتها أو أطرافها أو تنظيماتها، من دروس الماضي، وتواجه استحقاقات الحاضر والمستقبل مجتمعة، أم أن الحال سيبقى هو الحال؟
8 ـ تلتقي كل التنظيمات القومية المشار إليها على اعتماد مبدأ الديمقراطية، واحترام ذلك المبدأ، وتأخذ بالديمقراطية الشعبية، وتدعو لها. وعلى الرغم من ذلك، فلكل منها مفهوم، وممارسة خاصة في هذا المجال. فهل يمكن الاتفاق على إطار ومفهوم وسبيل وممارسة واحدة، متفق عليها، للديمقراطية الشعبية المختارة، من التنظيمات القومية؟ إن القول بأن الديمقراطية ديمقراطيات، وكل ينتهج نهجه، ويقدم مفاهيمه واجتهاداته التي تتلاءم مع مجتمعه، صحيح بدرجة ما.. ولكن ما يجمع التنظيمات القومية من مشترك نظري، وتشابه أو تماثل في أوضاع اجتماعية، والتقاء فكري يستند إلى تاريخ، وثقافة مشتركة، وعقيدة واحدة، وتراث عريق، وتكوين اجتماعي متماثل من جهة، وما تسعى إليه من عمل لتحرير الوطن العربي وتوحيده من جهة أخرى، يستدعي منها أن توحد مفاهيمها وممارساتها في هذا المجال، الذي يسهم في تداول الحكم والتربية السياسية للمواطنين، وفي ترسيخ أعراف وتقاليد مفيدة، وترسيخ مُقوِّمي الديمقراطية الرئيسين: الحرية والمساواة.
وهناك خلاف في الموقف من الديمقراطية، ومن النهج المؤدي إلى ممارسة سليمة لها.. ومواقف تتصل بالحكم عليها، وعلى نتائجها، وسبل الأداء المجدي شعبيا في ميادينها ومجالاتها.. بين حركة اللجان والتنظيمين البعثي والناصري. وقد مر ذلك في بيان موقف الكتاب الأخضر وحركة اللجان، من الأحزاب، ومن دور التنظيم الذي يتشكل بديمقراطية شعبية وكيفية الوصول إليه، ومن المجالس النيابية، والانتخابات، وما يؤول إليه أمر “ممثلي الشعب”. وهذا يستدعي حوارا، وتوصلا إلى مفهوم مشترك أو موحد، لتنظيمات قومية لها الأهداف الكبرى ذاتها، من توجهات وخيارات مهمة، وأنظمة حكم، وأساليب تداول سلطة، مثل الديمقراطية، والمجالس المنتخَبَة، ومجالس الشورى، والمجالس المحلية والمركزية وغير المركزية بدرجاتها..إلخ. فهل نفعل ذلك؟
وعلى صلة بموضوع الديمقراطية، هناك الشورى. والبعض يأخذ بها مضافة إلى التمثيل النيابي، وهناك من يغض الطرف عن طرح الموضوع، وهناك من يقاربه من دون الوصول إلى نتائج نهائية وقرارات حاسمة.. ومن المفيد مناقشة أمر يتصل بالمجتمع العربي وتكوينه الثقافي والعقائدي من جهة، ويثري الممارسة الديمقراطية ويكملها ويرسخها، من جهة أخرى.
9 ـ تلتقي التنظيمات القومية على احترام الدين، بوصفه مرجعية روحية لا يمكن مجاوزتها. وهي مضطرة للأخذ بما يحرك مجتمعا عربيا معظمه من المسلمين لكي تقوده باتجاه الوحدة.. ولكن لكل من هذه التنظيمات القومية، مواقف وممارسات داخل التنظيم، ومع تيارات المجتمع العربي، لا تتفق مع ما تعلنه من توجهات نظرية في هذا المجال. ومفاهيم العلمانية التي تأخذ بها هذه التنظيمات متفاوتة فيما بينها، ومتصلة إما بالمفهوم الاشتراكي ـ الشيوعي لعلمانية تأخذ بالإلحاد وتشجعه وتشك “بتقدمية” المؤمن، أو تتهمه وتهمّشه إذا لم تلاحقه، وإما بالمفهوم الغربي الرأسمالي للعلمانية، حيث لا يشكل الدين حاكمية، ولكنه لا يُلْغَى ولا يُهَمَّش في الحياة والسياسة، ولا يلاحق المؤمن. إن موقف القوميين ملتبِس من الدين في حالات. وعند التدقيق نجد عند القادة المؤثرين الثلاثة: جمال عبد الناصر وحافظ الأسد ومعمر القذافي، مواقف من الإسلام لا تترك لبسا، وأستعير للتدليل على ذلك، بإيجاز، قول الرئيس حافظ الأسد: “العروبة جسد والإسلام روح”، لتوضيح العلاقة بين العروبة والإسلام، بنظر هذه التيارات.. ولكن الممارسة عندها لا ترسّخ ذلك ولا تجسده.. وهي بحاجة لحوار حول الموقف النظري والتطبيق العملي، والممارسة في هذا المجال، فيما بينها، ليتفاعل حوارها مع التيارات الإسلامية، “تيارات الإسلام السياسي” في ملتقى الحوار العربي الثوري الديمقراطي، التي أخذت تغير مواقفها من القومية العربية ونظرتها إليها، بصورة تدريجية.
إن هذا الموضوع مؤثر، وله صلة مباشرة بالناس، ويحتاج إلى حسم في القناعات الجوّانية، حتى لا نقع في التباس ازدواجية الوجه والقناع. والتيار القومي يخسر شارعه العريض، إذا ما ترك هذا اللبس قائما.
10 ـ تأخذ التنظيمات الثلاثة بمبدأ النقد والنقد الذاتي، ولكن هذا المبدأ شبه معطل، وإذا مورس فلا يُمارَس بالموضوعية والجدية والمسؤولية الأخلاقية الواجبة، والنقاء الثوري المطلوب. فهل تكتسب نقطة اللقاء هذه، التي تطبَّق على أعضاء في التنظيمات، أو تطبق داخل التنظيم الواحد، حضورا وفعالية، وتُمارَس بشجاعة بين التنظيمات المعنية في الإطار القومي، وفيما يتصل بمواقفها وممارساتها وعلاقاتها السلبية والإيجابية، فيما بينها؟ إن جلسة حوار مسؤولة عن هذا الأمر، ومن هذا النوع.. مطلوبة، لتجعلنا أكثر قربا من بعضنا بعضا، وأكثر مبدئية ونقاء وصلابة ثورية.
11 ـ الحرية أحد الشعارات الرئيسة لدى التيارات القومية الثلاثة، ولكنها أكثر الشعارات تعطيلا بالممارسة، أو اصطداما بنوع من التفرد والوصاية على التنظيم وعلى الجماهير، إن لم نقل أكثرها التباسا بالمفهوم النظري والتطبيق العملي. وتعطيل الحرية أو ثَلْمُها يتم داخل التنظيمات، وفي المجتمع العربي بصورة عامة. وتُستغَل قضية الحريات وحقوق الإنسان، من الجهات الاستعمارية، لتصبح منافذ تدخّل خارجي، وبوابات اختراق اجتماعي وثقافي وسياسي وإعلامي. ويحتاج هذا الموضوع إلى مناقشة، وإلى تنسيق وتعاون، لبلورة المواقف والممارسات وأساليب الأداء، والخطاب العربي حول قضية من أهم قضايا مجتمعنا، وأكثرها حيوية وقداسة لدى الإنسان في المجتمعات والعصور كلها.
هناك نقاط التقاء كثيرة في الموقف من الحرية والمواطَنة، وهناك أبعاد تأخذها أدبيات التيارات جميعا بالاعتبار، عند تناول موضوع الحرية من جوانبها المتكاملة: السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية.. ولكن الحرية مرتبطة بالوعي المعرفي، والوعي المعرفي يجدد آفاق الحرية وأطرها، ويطور النظرة إليها، وسبل ممارستها. وتأخذ قضايا الثقافة والمعرفة والتثقيف والتربية، وتكوين الوعي وتطويره بالمتابعة المعرفية، وتنمية المحاكمة، والمنطق.. تأخذ مكانة واهتماما متفاوتا لدى كل من التيارات المشار إليها. ولكل منها أسلوبه ورؤيته واجتهاداته وبرامجه في هذا المجال.. فهل نتوجه نحو نظرة استراتيجية في العملية الثقافية والمعرفية والتربوية، متواشجة مع وعي المواطَنة والتزاماتها، ووعي الحرية المسؤولة وممارستها.. ويكون لذلك شأن وفعالية على الصعد الداخلية والخارجية في التنظيمات، عبر برامج نشاط وتكوين متكاملة، تشمل أفراد التنظيم والثقافة القومية؟! إن الفكر القومي يتراجع قياسا لما كان عليه في عقود سابقة، وينعكس ذلك على التنظيمات والقضايا القومية والوطن العربي، الذي تنمو فيه القُطْرية التي أصبحت صيغة اعتراضية على القومية، تعيقها أو تمنعها وتتهمها، وارتفعت في بعض أقطار الوطن العربي شعارات ضارة، بل خطرة، مثل: “أنا أولا”؟!؟ ورافقتها عمليات ترسيم حدود، ترعاها وتفصل فيها المحاكم والمؤسسات والهيئات الدولية.. فإلى أين نمضي، وكيف نعيد للروح القومي، وللمد والفكر القوميين، حيوية وحضورا، يؤكدان أهمية الحرية والمسؤولية، ونعيد للثقافة والوعي دورهما، في صوغ التوجه القومي العربي العام؟
12 ـ تلتقي التنظيمات، في الكثير مما يتصل بالتربية والتعليم بمراحلهما، والقضاء على الأمية والبطالة، والتأمين الصحي، ودور المرأة، وتكوين النقابات والاتحادات والمنظمات، القطرية والقومية، وتطوير دورها وأدائها، والاستفادة من ذلك أو توظيفه قوميا.. كما تلتقي في الاهتمام بخطط التنمية، والتصنيع، والاتصالات، والمواصلات، والخدمات، وتحري حاجة المواطن، وفي تطبيقات من شأنها أن تحقق العدالة الاجتماعية والنهضة الشاملة.. أفلا يستحق ذلك، وضعُ تصور ومنهج مشترك، وخطط للعمل، في مجتمع ذي شجون وشؤون وقضايا مشتركة أو واحدة، لتكوين الرؤية القومية والمعالجة القومية، وتنميتها.. في إطار تطلُّع قومي وحدوي، ذي خطط واحدة؟
إن مراجعة الأهداف والمهام والتوجهات والأساليب، التي لكل تنظيم من التنظيمات القومية، مما أشرنا إليه في هذه الورقة، تجعلنا نكتشف حجم المشترك فيما بيننا. ولكن الوقوف على ما نحققه على الأرض، وما نقيمه من تواصل وتنسيق وحوار وتعاون، يبين لنا حجم التقصير الكبير في هذا المجال، وأهمية أن نعيد النظر في هذا الوضع، لمصلحة الأمة العربية وقضاياها، ولمصلحة كل تنظيم قومي على حدة، ولمصلحة الأمة، ومصلحة التنظيمات القومية مجتمعة، في مواجهتها للتحديات، وعملها على طريق تحقيق الأهداف والتطلعات.
13 ـ ما زالت العلاقة بين التنظيم القومي الحاكم في بعض الأقطار العربية، والسلطة التي يمارسها باسم حكومة القطر، تثير إشكالات وتطرح أسئلة، وتتطلب مواقف واضحة مبدئية وجذرية، ترتب أوضاعا ومسؤوليات، تتصل بالموقف القومي من القضايا المصيرية، لا سيما من الصراع العربي ـ الصهيوني. وهذا الموضوع الخلافي، حتى بين التنظيمات القومية، يحتاج إلى حوار وبلورة مواقف، وإلى الاستفادة من التجارب.
يبقى السؤال الموجز الأخير، الذي نطرحه في ختام هذه الورقة: إذا كانت التنظيمات والقوى القومية العربية التي يضمها التيار القومي، تعمل من أجل أهداف واحدة أهمها الوحدة العربية، وهي ذاتها غير موحدة في داخلها، ولا على مستوى المشترك الذي يجمعها ويقارب بينها، في أهدافها وتوجهات نضالها القومي ومهامها.. وإذا كانت لا تلتقي على استراتيجيات وخطط وبرامج وأساليب عمل واقعية على الأرض.. فكيف يمكن أن توحّد الأمة العربية، وهي غير قادرة على التنسيق والتعاون بَلْهَ التوحّد؟! وكيف تواجه أعداءها وأعداء الأمة، والاستحقاقات والتحديات الكبرى المطروحة عليها، ابتداء بتحديات الاحتلال والإمبريالية الجديدة، مرورا بقضايا الهوية والتخلف والأمية والجهل والتنمية والأقليات والتمزق والفتنة الطائفية والمذهبية، ووصولا إلى استحقاقات العصر والتقدم العلمي وثورة المعرفة والعلم والمعلومات والعولمة وتحدياتها، وما يتطلبه التعامل مع صورة المستقبل الذي نريد، من إعداد واستعداد يقوم على رؤى مبلورة واستراتيجيات طموحة؟
هناك الكثير مما يمكن التوقف عنده، بوصفه مشتركا أو متماثلا، إذا ما قمنا بمقارنة دقيقة وشاملة بين المنطلقات والأهداف والهياكل التنظيمية التي لكل من التنظيمات القومية، والمشار إليه في هذه الورقة. وكل ذلك يبين مدى التقارب النظري من جهة، وعمق الفجوات العملية فيما بينها، من جهة أخرى.. فهل إلى رأب هذه الصدوع من سبيل، ونحن نُذبح في مناطق من وطننا العربي، وتُدمر حضارتنا وبنانا التحتية ومصالحنا، وتنتهك أمتنا بصورة فاضحة ومزرية، وتزداد الخروق في جسدها، وأشكال التهديد والحصار والتضييق عليها؟! إن هذا أوجب ما يجب على المناضلين عمله من أجلها.
والله ولي التوفيق.

ـ جاء في الكتاب الأبيض الذي أصدره قائد الثورة الليبية 2003.5.8 وتتبناه حركة اللجان الثورية الآتي: “..إذن اليهود لا يكرهون الفلسطينيين، ولا يريدون إخراجهم من أرضهم فلسطين، ولم يقرروا ذبحهم كما كان يُشاع.. وأنه حتى مذبحـة دير ياسيـن ليست حقيقية، وأن العرب من غير الفلسطينيين، هم الذين هجموا على فلسطين، وأعلنوا الحرب على اليهود”.

إلى الأعلى