الإثنين 20 أغسطس 2018 م - ٩ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / أمة الــ”بــــلا”

أمة الــ”بــــلا”

أ.د. محمد الدعمي

تتشكل هذه البربريات، التي ستهدم بفؤوسها صروح الحضارة الآدمية القائمة من آلاف المهاجرين الجائعين الذين تتقيأهم إفريقيا الفقيرة، من هؤلاء الذين يفضلون أن يكونوا غذاء لأسماك البحر المتوسط، على البقاء في بلدانهم، بلدان الجوع والقحط. هم جزء من أمة كونية من الفقراء الذين أنتجتهم حضارة رأس المال الأعمى…

لا يمكن للحذق من قراءة التاريخ إلا أن يظفر بملاحظة ظهور وتبلور أمة من نوع جديد، أمة أطلق أنا عليها اصطلاح أمة الــ”بلا”. هي أمة لا يرتبط أفرادها بأصل عرقي واحد معين، ولا يتواشجون بتداول مشتركة، فلا أرض معينة الحدود تجمعهم: هم بلا لون ولا رائحة ولا طعم، إلا أنهم يهددون وجود وبقاء الحضارة الآدمية القائمة اليوم.
ربما أنت لم تلاحظ، يا قارئي الكريم، أن تاريخ العالم يجري على نحو دورات، متكونة من مراحل صعود وتقدم، ومراحل هبوط وتراجع متعاقبة، إذ تستجيب جميع الحضارات الكبرى عبر التاريخ لتكرار هذا النمط التاريخي المتشكل من: مراحل الولادة، والذروة، ثم الشيخوخة، فالموت. الحضارة الرومية استجابت لهذه الدورة بعد أن هيمنت على معظم العالم القديم، ولكنها ما لبثت وأن راحت تمرض وتتآكل من الداخل، ثم طفت بثور المرض الداخلي العضال على جلدها، غافلة من أن هناك أقواما بربرية تسكن الشمال المتجمد كانت تراقبها بدقة حتى تصل هذه الحضارة أدنى درجات الضعف والهوان كي تنقض هذه القبائل الجرمانية المتوحشة (حقبة ذاك) عليها كي تحقنها بحقنة “الموت الرحيم”، فتذهب روما العملاقة هباء منثورا مع الريح بينما تتسابق الأقوام المتخلفة والمتوحشة والبربرية لتقتنص وتنهش أجزاء من شتاتها الضائع.
وعلى نفس هذا النمط التاريخي الدوري المتكون من: الولادة، الشياب، الموت: راحت الحضارة العربية الإسلامية على عصرها الذهبي الوسيط تستجيب لأسباب التآكل والتمزق والتفتيت، بعد أن كان رأس الخلافة، هارون الرشيد، يناجي الغيمة المارة بسماء بغداد، بقوله: “اذهبي حيثما شئت، فخراجك راجع لي”، كناية عن اتساع دولته ما بين حدود الصين شرقا والمحيط الأطلسي غربا. الرشيد رحمة الله على روحه، لم يكن يخطر بباله أن خلية سرطانية ومسرطنة كانت تتكامل على الأطراف البعيدة خارج حدود دولته، متشكلة من المغول والتتار في آسيا الوسطى بقيادة فارس متوحش لم يزل العالم يذكر فعلاته الفظيعة ضد الثقافات والحضارات والممالك الإسلامية الممتدة من منغوليا حتى بغداد”، هو جنكيز خان. وعلى الرغم من أن جنكيز خان كان يحلم ببغداد، إلا أن سنين عمره لم تسعفه ليرى احتلالها وحرقها، تاركا هذه المهمة البربرية المتوحشة لحفيده، المدعو: هولاكو خان، ذلك القائد الذي لم تكن تنقصه أي من وحشية وعدم رحمة جده البربري. وإذا به على أسوار بغداد بعد عقود، ومعروف للمؤرخين كيف كان مصير بغداد ومصير خليفتها وحاشيته، ناهيك عن مصير مكتباتها وعلمائها.
لم تفلت حتى الامبراطورية البريطانية من هذا النمط التاريخي المحكم بإرادة إلهية، كما يبدو: فبعدما صارت هذه الامبراطورية أشبه بأخطبوط عالمي لم يترك أرضا إلا وضمها أو فرض الانتداب والهيمنة عليها، راحت الأقوام والأمم المستضعفة تنتفض ضد سلطتها من الهند حتى أميركا الجنوبية: وللمرء أن يعاين اليوم ما الذي تبقى من امبراطورية التاج التي لم تكن الشمس لتغرب عنها عبر القارات.
أما الأمة الجديدة، التي أقصدها، فهي أمة الجماعات المهاجرة عبر قارات العالم: هي بربريات من أنواع جديدة كانت حضارتنا القائمة اليوم قد أنتجتها بسبب ما شابها من أمراض باطنية أعراضها راحت تطفو على بشرتها منبعثة من الداخل: تتشكل هذه البربريات، التي ستهدم بفؤوسها صروح الحضارة الآدمية القائمة من آلاف المهاجرين الجائعين الذين تتقيأهم إفريقيا الفقيرة، من هؤلاء الذين يفضلون أن يكونوا غذاء لأسماك البحر المتوسط، على البقاء في بلدانهم، بلدان الجوع والقحط. هم جزء من أمة كونية من الفقراء الذين أنتجتهم حضارة رأس المال الأعمى، وهي تتكون من الأميركان اللاتينو الذين يموتون وهم يحاولون عبور صحارى المكسيك والولايات المتحدة للإمساك بأية مدينة أميركية: هم مستعدون لغسل الصحون وتنظيف الحمامات، مفضلين ذلك على البقاء في بلدانهم التي يرون فيها أبناءهم يتضورون جوعا.
هؤلاء لا يختلفون كثيرا عن “الروهينجا” هؤلاء المسلمين الذين فضلوا عبور مستنقعات الحدود الموبوءة، حفاة، إلى بنجلاديش، على البقاء على أراضيهم حيث كان ينتظرهم مواطنوهم من البوذيين ليحرقوهم أحياء. وهم لا يختلفون كثيرا عن عشرات الجماعات التي هجرت أوطانها والتي شكلت أمة الــ”بلا!”

إلى الأعلى