الجمعة 16 نوفمبر 2018 م - ٨ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / النقد الثقافي: التدوين الذاكري .. نصوص الفنون الشعبية العمانية

النقد الثقافي: التدوين الذاكري .. نصوص الفنون الشعبية العمانية

عبدالله الشعيبي
مدخل
مألوف مصطلح (التدوين) – وفقا لما هو متداول – يحقق مستوى ماديا ملموسا متوازيا بين الصورة والكتابة، على وجه إيصال المعنى أو إيضاحه أو تثبيته، وهو ما يجعل مصطلحات مثل (المدونات) طافية على سطح الممارسة التعبيرية في وقتنا المعاصر، وهي بمثابة وثيقة قادرة على الاستمرار في الزمن، والاستعانة بها في كثير من المواقف والمساحات التعبيرية عن الذات في نظرتها إلى الأشياء، بما يحقق سمة تواصلية توثيقية، تتحول مع الوقت إلى ذاكرة يمكن أن تكون متكئا ومستندا لمرحلة لاحقة، بل ويمكن حفظها بطرق مختلفة، وصيانتها وفق برمجيات تتجاوز أعمار أصحابها بعقود طويلة.
لكن في البيئة العمانية التقليدية، لم يكن هناك تدوين يمكن الاتكاء عليه عبر المراحل الزمنية نصيا (لفظا وصورة) من دون التدخل فيه، أو من دون التلاعب به، زيادة أو نقصانا، لكنه يتمايز عن التدوينات الحديثة بكونه يحمل روحا خاصة به، روحا لا تكتفي بالنقل، بل بالتمثل، ولا نقصد هنا تمثيلها، بل نقصد التعايش معها، واعتبارها جزءا فرديا من صميم بناء جمعي ثقافي اجتماعي، بحسب طبيعة ذلك التدوين، وهذه السمة سببها أنه (ذاكريّ)، أي أنه يعتمد على (ذاكرة مُرسِلة، ذاكرة مُرسَل عنها، وذاكرة مُتلقّية)، وهذه الذاكرات الثلاث هي مفتاح فهم تلك الروح، من خلال تفاصيل مختلفة، منها : الرتم السردي الصوتي، العاطفة الناقلة، موضع المتلقي أثناء سماع النص الصوتي، الدراما التكوينية للمنقول، وغيرها من التفاصيل المفتاحية المؤمنة بالمنقول في صورته الذاكرية، ولهذا يصبح واقع التدوين ذا ميّزة خاصة، لطالما تمتعت بخصوصيات ملفتة، ولكنها محدودة بصوت الناقل المدوّن، بصفته الصوتية، ذات المرجعية الذاكرية.

مرجعية جمعية
مُرسل النص – موضوع التدوين – لا يرتكز في البيئة العمانية التقليدية، وبخاصة في مجال الفنون الشعبية، والنصوص الشعرية المرتبطة بها، لا يرتكز – في عمومه – على الموثق بحروفية، أي بكتابة أبجدية، بل يرسل الشاعر نصه شفاهة، وتتلقاه المجاميع سماعا، وبين الإرسال والسماع هناك عدة تقنيات تعمل على تجذير الإيقاع الشعري، والتبصر بمبناه ومعناه، والتفاعل مع مغناه، والتماهي مع دلالاته المختلفة، لأنه يقدم ضمنياته وفق مفهوم واضح لفظا وعميق دلالة، ولهذا يُسنِد استمراريته بشفاهياته، من خلال البيئة التي ينتمي إليها.
في الفنون الشعبية، يعمل التكرار اللفظي على تجذير اللفظ والبناء اللغوي والإيقاعي والنغمي، ومن خلال تداوله تتعدد المقاصد الدلالية وفقا لمتلقيها، ولكن يتفق الجميع في البيئة المكانية على النصوص، ويتفقون على قائليها من حيث النسبة، ويكثرون من تبادلها بشغف وفرح، وبخاصة في القيلولات، فضلا عن المناسبات.
البيئة الجمعية، في رصدها كل ما هو حاصل لديها، بل وما سيحصل، تطلق مستوى تدوينيا خاصا بها، ترسله مدمجا مع الطريقة الشعورية التي تلقت بها النص، فالنص الشعري القولي – على سبيل المثال – يتم نقله بالتزامن مع مناسبته، وظروف نشوئه، ومواقف القول التي أنتجته من لسان الشاعر، مع تخمينات لاحقة للأسباب التي دفعته لقول ذلك، سواء كانت عتابا، أو تحديا، أو ذكرى حب، أو رسالة ملغومة لطرف ما، أو رسالة عاطفية لراحل أو مقيم، أو مدحا، أو فخرا، هذه كلها تخضع لتخمينات ذهنية بقصد التوغل في المعنى لنبش ضمنياته التي لا يقولها النص المحفوظ.
المجتمع – بهذه الصيغة البدئية كما نظنها – هو فاتحة الصلة مع النصوص الشعرية، وهو المتلقي الأول، لأنه سيُسْلِم تلقيه هذا إلى ذاكرة جيل لاحق، وهكذا تدور النصوص الشعرية بين الأجيال وفق منظومة ذهنية خاصة، تتحدى التقادم بالتكرار، ويوغل كل نص في بيئته، ليحيا أطول فترة ممكنة من الزمن.

ثلاثية التجذير
ثمة ثلاثية في البيئة العمانية القديمة، عملت على تحفيز التدوين الذاكري ليكون أكثر فعالية في مرحلته، وهي : الإيقاع، الشغف، والتجدد، لماذا هذه الثلاثية تحديدا؟
إذا أمعنّا النظر في علاقة الفنون الشعبية العمانية عموما بالإيقاع، سنجد أن ثمة إيقاعان، أحدهما يتحكم في تحقيق مستوى تقطيعي للبيتين الشعريين في الشلة الواحدة/النصوص عموما، بحيث أن تكراره يساعد على حفظه، من خلال دورة الطرب؛ وثانيهما هو الإيقاع الداخلي في النصوص ذاتها، والتي تفيد في الحفاظ على التقطيع الداخلي عندما يتم قوله في موضع غير ذي صلة بـ (غَيّة) أو (رزحَة)؛ وكلا الإيقاعين يضمنان قدرة الذاكرة على النقل والحفظ، بما يعادل التدوين، لكن من زاوية شفهية.
عندما نتعامل مع نص شعري متصل بأحد الفنون الشعبية، مستبعدين منه سمة الشغف، أي الشغف الموجود في النص من جهة، والشغف التفاعلي من جانب المتلقين من جهة أخرى، فإن الاستمرارية لتلك النصوص ستكون محدودة، بحكم كمية التداول، فالسحر الشغوف إن لم يكن ناشئا عن خصوصية لفظية ومخيالية من زاوية الشاعر، لن تحيي موازيها في المتلقي، وستذهب مع الزمن أدراج الرياح، لذلك يظهر في بنية المجتمع العماني القديم شعراء بعينهم، لهم طابع خاص، ونصوصهم تتجاوز مساحة الشغف الفني إلى التمثل المعرفي، يتجلى ذلك لدى عديدين منهم، نذكر على سبيل المثال : المطوع، سويري، حافظ المسكري، وجْميّل بن مبروك، فهؤلاء يضعون الشغف في المبنى الشكلي الإيقاعي لنصوصهم، بالتوازي مع الشغف الدلالي في ما يقولونه من شعر، عبر سياق قاموسي ودلالي ملفت، مستفيدين من موهبة مستكنة، واختلاف واضح في تكوين شخصياتهم، وغزارة في تفاصيل تجاربهم الحياتية، وهو ما يقود إلى وجهة شغفية متصلة بنصوصهم.
التجدد، بصفته حافزا تدوينيا ذاكريا في البيئة العمانية القديمة، يحصل من خلال المنظور الدلالي للنصوص، والمنشأ الفعلي هو الشاعر، كمن يترك بعض غموض أو تورية أو جدلا، يسمح بالتداول الذي يجدد سمة النص، وهذا ينبئ عن قصدية، تلقفتها البيئة الجمعية بشغف، وتداولتها بحرص، وجذّرتْها بقصد دعم استمراريتها.

موت الذاكرات
على الرغم من قولنا إن البيئة صارت في المجتمع العماني القديم كانت بمثابة ذاكرة ضخمة ذات سمة تدوينية، لكننا نعلم يقينا بأن تلك الذاكرات ليست متساوية في قدرتها على حفظ كميات ضخمة من المقول والمنقول، ولهذا ظهرت في مرحلة من عمر المكان العماني، زاوية تدوينية، مستندة إلى منظومة (قال فلان – رد فلان)، وهي وثيقة دفترية، بحيث يقف (المُدوِّن الدفتري) أمام الصف الذي ستبدأ منه (الشٌّلّة)، قولا أو ردا، ويضع الشفاهي على الورقي، ليتم حفظ ذلك الدفتر في بيت (العجيد/العقيد) المسؤول عن شؤون الطرب، حفظا له إلى حين فتحه في مناسبات طربية لاحقة مختلفة، هذا ما كان عليه الوضع في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وربما حصل هذا قبل الفترة التي رأيتها في الطفولة.
هذا السلوك التدويني، هو أيضا معتمِد على الذاكري، فليس كل مقول في المفتتحات والردود جديدا ومبتكرا، باعتبار أن ترداد واستذكار ما علق في الذاكرة الجمعية هو مورد ثَرّ في هكذا تعاط مع الطرب العماني الشعبي.
هذا التحايل على موت الذاكرات، مع تحقق التحول في العلاقة الوجدانية والروحية بالفنون الشعبية بفعل القرائن التغييرية المصاحبة للأجيال ووفائها للأزمنة التي تنتمي إليها، زامنه تسجيلات صوتية، ربما ليست متداولة بكثرة، لكنها تدوينات ذاكرية أيضا، ستعطي مساحة لتأمل بيئة الفنون الشعبية العمانية القديمة.

خاتمة
نظن أن النسق الجمعي العماني القديم، في صلته بفنونه الشعبية، وفي علاقته بالقصيدة المتجاوزة زمنها – آنذاك – ما كان لها أن تصل إلينا لولا تلك المساحة التدوينية الذاكرية المهمة، لذا، حَقَّ لها علينا مقاربتها والإشارة إليها.

إلى الأعلى