الإثنين 20 أغسطس 2018 م - ٩ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك)

(أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك)

سعود بن علي الحارثي

عرض صاحب (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك) ملخصا دقيقا لأحوال العالم الإسلامي والدول والأنظمة والأسر التي تعاقبت على الحكم ابتداء من مرحلة ازدهار الدولة العباسية، وانتهاء بضعف الدولة العثمانية التي عاش الكاتب ردحا من الزمن تحت حكمها، وقدم تحليلا استند إلى تجاربه الشخصية في تقلد الكثير من المهام والمسؤوليات السياسية والاقتصادية، وتطوافه بين العواصم والمدن الأوروبية مطلعا راصدا بذور نهضتها وأسباب تقدمها..

رغم شهرة الكتاب ومكانته بين الكتب العربية باعتباره من بين أهم و(أفضل ما تم تأليفه في مرحلة النهضة العربية، ومؤلفه خير الدين التونسي يعتبر من أوائل المجددين في نهايات عصر الدولة العثمانية في (تونس))، إلا أنه لم تتح لي الفرصة لقراءته إلا الآن، ويعود الفضل في ذلك بالطبع إلى مجلة الدوحة الثقافية الغراء التي طبعته ووزعته في عددها الشهري الرابع والسبعين، ضمن سلسلة التراث المختارة بعناية لتعزيز الوعي في العالم العربي، وتجديد الفكر وإثراء الثقافة، والتعريف بالمفكرين والعلماء الكبار الذين قدموا خلاصة فكرهم وخبراتهم ومعارفهم، وسخروا كتاباتهم في خدمة النهضة العربية التي لم تتحقق أهدافها حتى اليوم للأسف الشديد… أفكار متقدمة للغاية في السياسة والاقتصاد وإدارة الدول حتى الضرائب والرسوم التي دائما ما تقر باعتبارها العلاج الأسهل والأيسر عندما ينضب بيت المال ـ والأزمة النفطية التي مرت بها دول الخليج خلال السنتين الماضيتين خير مثال ـ ربط خير الدين التونسي تطبيقها ونجاحها في تعزيز الموارد المالية للخزانة العامة بتوفر الرقابة الفاعلة والضبط الدقيق وقيم الشفافية، وضرورة إطلاع المجتمع على كيفية وطرق توجيه موارده ومجالات صرفها. واستند في ذلك إلى جملة من الشواهد والآراء الإسلامية من بينها كلام الإمام ابن العربي الذي قال في المغارم التي تؤخذ على الناس عند فراغ بيت المال: (إنها تؤخذ جهرا لا سرا، وتنفق بالعدل لا بالاستئثار، وبرأي الجماعة لا بالاستبداد)… ومع كل صفحة أنهي قراءتها يقفز إلى ذهني ذات السؤال مكررا بعدد صفحات الكتاب، عن أمتنا العربية التي استعصت على هذه الأفكار النيرة والحلول القيمة والجهود العظيمة التي بذل عشرات المفكرين والعلماء عصارة فكرهم وخبرتهم من أجل انتشالها من معترك التخلف والتراجع، وردم الهوة التي تتسع عاما إثر عام بينها وبين الأمم المتقدمة بالعلم والمعرفة والأبحاث والصناعات وبراءات الاختراع؟ وكما يظهر من الواقع وبعد مضي عقود من الزمن على هذه الجهود الثرية أن (التركة ثقيلة جدا بحيث لم تستطع كل تلك المحاولات الفكرية زحزحتها قيد أنملة…) ولا شك أن (الاستبداد السياسي والرأسمالي والديني قضى على كل محاولات الإصلاح في الوطن العربي بالمال تارة وقوة السلاح تارة والوحدة الوطنية تارة والشعارات البراقة تارة أخرى…). عرض صاحب (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك) ملخصا دقيقا لأحوال العالم الإسلامي والدول والأنظمة والأسر التي تعاقبت على الحكم ابتداء من مرحلة ازدهار الدولة العباسية، وانتهاء بضعف الدولة العثمانية التي عاش الكاتب ردحا من الزمن تحت حكمها، وقدم تحليلا استند إلى تجاربه الشخصية في تقلد الكثير من المهام والمسؤوليات السياسية والاقتصادية، وتطوافه بين العواصم والمدن الأوروبية مطلعا راصدا بذور نهضتها وأسباب تقدمها وازدهارها وصناعاتها المتطورة، ونموها الاقتصادي المتنامي وعوامل قوتها وضمن كتابه رؤى وأفكارا تقدمية في حينها في السياسة والاجتماع والاقتصاد، وعرض الكاتب لأهمية العمل على إشاعة الحريات وترسيخ قيم التسامح والعدالة، وتعزيز دور المؤسسات الرقابية والتشريعية وضرورة استقلاليتها، مستندا في عرضه إلى التجربة الأوروبية التي بلغت شأوا كبيرا في نهضتها ورقيها وتقدمها بفضل هذه الأسباب التي عرض لها بالتفصيل، فالكتاب كما عرفه صاحبه (بحث في أسباب التقدم والتأخر للأمة الإسلامية) واستوحى مضمونه من مصادر ثلاثة (تجربته السياسية، ومطالعاته في التاريخ السياسي والاقتصادي وجغرافية العالم، ومشاهداته في أثناء الرحلات التي قام بها إلى أوروبا).
خرج خير الدين من قراءاته بنتيجة مهمة جدا وهي أن العلاقة بين (النهضة التقنية التي شهدتها أوروبا وحركة تغيير الأفكار الفلسفية والسياسية التي رافقتها..) وطيدة وعميقة للغاية، لذلك استشهد بنظام التعليم الحديث في فرنسا مراحله وأنواعه وعن الأكاديميات والمكتبات العمومية… ليؤكد الحقيقة التي توصل إليها. وتحدث خير الدين في كتابه عن دور الإنتاج الزراعي والحيواني والصناعي وقوته الاقتصادية في نمو موارد الدول وازدهار وتقدم الأمم، عندما يستثمر ضمن خطط مدروسة ويدار بشكل سليم، وأكد أهمية أن تعد البلدان الإسلامية برامجها وخططها على تحقيق فوائض في الإنتاج يمكنها من تصديره إلى مختلف دول العالم، وأن تعتمد في صناعاتها وإنتاجها على الانتفاع بما تمتلكه من ثروات زراعية وحيوانية ومواد خام في التصنيع وبيعه بأسعار مضاعفة إلى الدول الأوروبية، بدلا من تصديره مباشرة إليها وبأسعار زهيدة، فتستفيد منه هذه الدول المتقدمة بتصنيعه وتدويره وإعادة بيعه مرة أخرى إلى البلدان الإسلامية بأسعار مضاعفة، (ومصداق ذلك ما نشاهده من أن صاحب الغنم منا ومستولد الحرير وزارع القطن مثلا يقتحم تعب ذلك سنة كاملة ويبيع ما ينتجه عمله لإفرنجي بثمن يسير ثم يشتريه منه بعد اصطناعه في مدة يسيرة بأضعاف ما باعه به وبالجملة، فليس لنا الآن من نتائج أرضنا إلا قيمة موادها المجردة دون التطويرات العملية التي هي منشأ توفر الرغبات منا ومن غيرنا، ثم إذا نظرنا إلى مجموع ما يخرج من المملكة، وقايسناه بما يدخلها، فإن وجدناهما متقاربين خف الضرر، وأما إذا زادت قيمة الداخل على قيمة الخارج فحينئذ يتوقع الخراب لا محالة…). تحذير واضح من مغبة الاعتماد في الاستهلاك وفي تحقيق الأمن الغذائي على ما ينتجه ويصنعه الآخرون مضى عليه أكثر من قرن، فهل استفدنا من تلك التحذيرات ومن الدروس والمحن التي توالت علينا بالاعتماد على ما تنتجه بلداننا العربية والإسلامية؟ وما مقدار اعتمادنا على الآخر في غذائنا ودوائنا ومقومات معيشتنا اليوم مقارنة بعصر خير الدين؟ لا شك أن الأرقام صادمة والواقع مخجل وتحذيرات هذا الكاتب وجهده هو وأقرانه من المفكرين والعلماء، ومحاولاتهم في استنهاض الأمة وتحفيزها لتحقيق أسباب التقدم والنمو ذهبت أدراج الرياح. في مرحلة أخرى قدم الكاتب رؤيته حول أسباب ومحفزات النهضة الأوروبية وما بلغته من تطور ونمو في العلوم والصناعات تمثلت في: (التنظيمات المؤسسة على العدل السياسي، وتسهيل طرق الثروة، واستخراج كنوز الأرض بعلم الزراعة والتجارة، فالعدل وحسن التدبير من أسباب نمو الأموال والأنفس والثمرات، وبضدها يقع النقص في جميع ما ذكر…). وتضمن الكتاب العديد من المواقف والشواهد التاريخية التي ارتبطت بالدولة الإسلامية في تأكيد على أن إشاعة العدل وترسيخه يحفز الناس ويشجعهم على العمل والضرب في الأرض وحرثها، والتركيز على الاستثمار في القطاع الزراعي المؤدي إلى خير العباد وتحقيق متطلبات الموارد والأمن الغذائي، ومن بينها قصة المأمون الذي أقام مع امرأة عجوز في قرى مصر التي (أهدت له حين عزم على الرحيل عشرة أكياس من سكة الذهب كلها ضرب عام واحد فازداد تعجبه، وعندما رد لها مالها شفقة عليها قالت (هذا ـ مشيرة إلى الذهب ـ من هذه؛ أي طينة الأرض ثم من عدلك يا أمير المؤمنين، وعندي من هذا شيء كثير). ويعلق الكاتب على هذه الشواهد بالقول (وبما نقلناه يعلم ما كان للأمة الإسلامية من نمو العمران، وسعة الثروة، والقوة الحربية الناشئة عن العدل، واجتماع الكلمة، وأخوة الممالك واتحادها في السياسة، واعتنائها بالعلوم والصناعات، ونحوها من المآثر العرفانية التي ظهرت في الإسلام، ونسج الأوروبيون على منوالها، وشهد المنصفون منهم بفضل التقدم فيها للأمة الإسلامية). ولو أن العالم العربي استفاد من تاريخه وسير خلفائه وأئمته واستثمر طاقاته وموارده وإمكاناته البشرية وثرواته الزراعية والسمكية والمعدنية والحيوانية والسياحة والصناعة والتجارة وغيرها، ومضى قدما في تحقيق مشاريع السوق المشتركة وتبادل المنافع وإقامة وتنويع المشاريع الاقتصادية… لتبدل حاله ونهض من كبوته واستعاد أمجاده، ونمى اقتصاده وتحول إلى واحد من الاقتصادات الكبرى على مستوى العالم. وتحدث الكاتب في كتابه القيم عن أمجاد العرب وعبقريتهم في مجالات العمران والهندسة والتجارة والفلاحة، فالجامع العظيم الذي بناه عبد الرحمن بقرطبة، كان به ألف وثلاث وتسعون أسطوانة، وأربعة آلاف وسبعمئة قنديل، ثم قصر الزهراء الذي لا يتأخر عن الجمع المذكور في العظم… وأما التجارة فقد كان للعرب (حسن رغبة في سائر الأوقات… وأما الفلاحة فلا يعلم لهم نظير فيها… وأما الصناعات فإن العرب تعلموا جميعها لما دخلوا بلدان الرومانيين العظيمة، حتى صاروا أحذق أربابها…). وقد خصص صاحب “أقوم المسالك..” فصلا خاصا بـ(المكتشفات والمخترعات) الأوروبية ابتداء من سنة 1436 العام الذي شهد اختراع المطبعة في ألمانيا والمرآة التي (تكبر الأشياء)، و(جواذب الصاعقة التي تجذب القوة الكهربائية من السحاب وتدخل بها في الأرض، وتلقيح الجدري، والآلة البخارية)، وعرض للمكتبات العامة والحكومية وما تحتويه من مخطوطات وكتب تصل إلى مئات الآلاف، وفي الختام لخص خير الدين التونسي أسباب نهضة الغرب في الآتي: الحرية فهي (منشأ سعة نطاق العرفان والتمدن بالممالك الأوروباوية)، القوانين التي (تقيد الرعاة كما تقيد الرعية)، الحرية السياسية التي من شأنها تقويم اعوجاج ولاة الأمر والمسؤولين، والتي تمثلت في الغرب في الأنظمة البرلمانية، حرية المطبعة، وهي أن لا (يمنع أحد منهم أن يكتب ما يظهر له من المصالح في الكتب والجرنالات) أي الصحف، الأمن الذي يتجلى في (العدل وحسن نظام الجماعة حتى يكون المحترف آمنا من اغتصاب شيء من نتائج حرفته)، وعن دور الرقابة والمساءلة وتقييم أداء الموظفين والمسؤولين في تحقيق التقدم يقول الكاتب (إن كل متوظف لا يرى الاحتساب عليه في وظيفته، فهو عديم الأمانة والنصيحة لدولته ووطنه، ولو كان معتمدا في ذلك على ما قد يجده في نفسه من حب الإنصاف لأنه تسبب فيما يستعقب الخراب بامتناعه عن المراقبة والاحتساب، حيث إن أكثر الموظفين إنما يباشر خطته على مقتضى شهواته ومصالحه الخصوصية، مؤثرا لها على المصالح الوطنية العمومية).
جهود ومشاريع وأفكار تهدر وتضيع بين أمة لا تزال تقتات على أيام داحس والبسوس لكي تواصل حشد طاقاتها للمزيد من الأيام والمعارك الداخلية المدمرة التي رفعت من معدلات الفقر وعطلت ثروات الأمة وضاعفت من خسائرها وحولتها إلى أمة معتمدة على الآخرين في استهلاك حتى لقمة عيشها في غدوها ورواحها.

إلى الأعلى