الأحد 21 أكتوبر 2018 م - ١٢ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: موضة التدريب .. تساؤلات مطروحة

في العمق: موضة التدريب .. تساؤلات مطروحة

د. رجب بن علي العويسي

لعل الحديث عن بناء منظومة تدريب وطنية عالية الجودة يضعنا أمام جملة من المعطيات التي باتت تشكل صورة المشهد التدريبي، وتستشرف التحولات المفترض أن تسهم بها في سلوك التنمية والوعي الاجتماعي. فمع ما يشهد واقعنا العماني من ازدياد عدد الحاصلين على شهادة إعداد مدرب وما تبعه من انتشار مراكز الاستشارات التدريبية والمدربين المستقلين، وما أثارته نوعية البرامج التدريبية المقدمة وأعداد المتعاطين معها ممن يحملون نسقا فكريا واحدا يدور أغلبه في فلك تنمية الذات والبرمجة اللغوية العصبية والتدريب الوقتي القصير في ظل اتجاه المؤسسات إلى الاهتمام بهذه البرامج وإلحاق كادرها بها، خصوصا مع التوجه نحو تقليل عدد البرامج التدريبية الخارجية، وإيقاف أكثرها كحالة استلطاف وقتية لمواجهة ردود فعل الموظفين حول انحسار البرامج التدريبية وغلبة جانب التدريب الوقتي القصير على معظم خطط الإنماء المهني للمؤسسات في القطاع الحكومي. في وقت تظهر فيه مؤشرات الأداء وجود تراجع في أثر التدريب ونواتجه على منظومة الأداء المؤسسي ذاتها كنتاج لفجوة التباين الحاصلة بين نوعية البرامج المقدمة والاحتياج الفعلي لها من الموظف وقدرتها على صناعة الفارق في الأداء المؤسسي نفسه.
على أن المشهد التدريبي في فتراته الأخيرة يعيش حالة من التشويش وعدم الثبات وضعف تنوع البدائل وسيناريوهات العمل المتاحة نظرا لارتباطها بموازنات مالية وأذونات صرف، فمع القناعة بأن زيادة عدد من يحملون هذه المسميات التدريبية (مدرب معتمد من…) وانتشار مساحة التدريب بين الموظفين وغيره في مجتمعنا ظاهرة صحية، خصوصا مع التأكيد على أهمية التسويق الذاتي للخبرة الوطنية والاستفادة من الكفاءة العمانية في رفد سوق التدريب بالكادر الوطني، إلا أنه في ظل معطيات أخرى ناتجة عن انتفاء وجود معايير واضحة معلنة تعكس الهوية التدريبية العمانية، وتؤسس لها في واقع حياة المواطن والمؤسسات بحيث تضبط مسار التدريب وتؤطره بما يتوافق مع الحالة العمانية وأولوياتها، بالإضافة إلى القصور في قواعد البيانات الوطنية المتكاملة حول المدربين العمانيين واختصاصاتهم والنسق التدريبي الذي يعملون فيه، ومدى توافر المعلومات المساندة للبحث في هذا المجال بشكل يعطي صورة واضحة حول جوانب القوة فيه وحالات الإخفاق التي يعيشها التدريب بما يقرأ واقعه بعمق ويشخّص نواتجه بمهنية ويؤسس برامجه في ظل احتياج، وتبني نظريات تدريب لها فلسفتها المتناغمة مع البيئة التدريبية والفكرية العمانية عبر رصدها لطبيعة السلوك الوطني المؤسسي والشخصي على حد سواء بهدف إحداث التحول فيه، ورصد مستمر للمتغيرات التي باتت تؤثر في التدريب كمنظومة وطنية عالمية إنسانية في الوقت نفسه تستهدف إعادة إنتاج مسارات التفكير الإنساني وربطها بمتطلبات العيش الواعي والآمن للمواطن في عالم متغير، والاستفادة من المنجز البشري الحاصل في تقوية أرصدة نجاحات التدريب وتوظيف المبادرات التدريبية في صناعة مواطنة المواطن كنتاج لاحترافية التدريب ونضوج أدواته.
وبالتالي أنتجت هذه المعطيات عملا مرتجلا ومبادرات فردية غير مكتملة تفتقد للاستدامة والعمق التدريبي والاحتواء والرصانة في المسار التدريبي، بما انعكس على جودة المنتج التدريبي الذي يتصف في أكثر حالاته بالسطحية وانتزاع سلطة التأثير منه وافتقاره لفلسفة الدخول في العمق الإنساني، فأصبح في حلقة مفرغة أعطت مساحة أوسع ومبررات أكبر لظهور موضة التدريب كمسار شخصي أقرب ما يكون إلى تحقيق الكسب المادي منه إلى إعادة إنتاج الثقافة والسلوك الفردي والجمعي أو الشخصي والمهني، ولم تتعدَّ مسألة إعداد المدربين كونها طموحا شخصيا وقناعة ذاتية يفتقد إلى التشجيع والدعم والمساندة بحجة أنه سلوك شخصي لا يعني المؤسسات شيئا، وبالتالي أفقدها عنصر الدعم المؤسسي الفاعل الذي إن تم بشكل مقنن وبصورة مدرسة ووفق انتقاء واختيار وطني واضح أن يصنع الممارسة التدريبية الواعية، ويستكشف القدرات الوطنية الواعدة ويمتلك أدوات الانتقاء والاختيار لها وفق معايير المنافسة.
وعليه فإن طرحنا لموضة التدريب في إطار السياق الوطني، يؤكد أهمية إحداث تحولات جذرية في مسار الاحترافية في صناعة التدريب وإعداد المدربين وإعادة تقييم المنجز التدريبي عبر جملة من الحزم التطويرية من بينها: وجود مؤسسة وطنية عليا ترعى التدريب بكل أنواعه ومجالاته وتنظمه وتضع له أجندته، يكون بين اختصاصاتها: زيادة حجم التنسيق والتكامل والشراكات مع المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص في بناء برامج تدريبية تتوافق واحتياجات الأداء الوطني، بما من شأنه أن يضمن لمسار التدريب القوة والمهنية والرصانة، والقيام بتشخيص عملي لواقع التدريب بالسلطنة عبر توظيف الإحصائيات الوطنية في بناء قواعد بيانات بالمدربين وإعدادهم وتخصصاتهم ونطاق عملهم، وإنشاء أكاديمية وطنية للتدريب تشمل التنمية البشرية والذاتية وصناعة القادة وبناء القدرات في مختلف المجالات الإعلامية والرياضية والاجتماعية والأسرية والتخصصية وغيرها، لما من شأنه ضبط المسار التدريبي وتوجيهه لصالح فارق الأداء، وتعزيز بناء التشريعات والقوانين النافذة بشكل يؤسس لنمو الكفاءة الوطنية وترقية حضورها في المجتمع والمحافظة على إنتاجيتها وأدائها، وتبني معايير وطنية في إعداد المدربين الوطنيين وآليات تقييمهم، وتأسيس الجمعية العمانية للتدريب وتفعيل عملها إن وجدت، وتمكين مؤسسات التعليم المدرسي والعالي من تبني مسارات تعليمية تستكشف مهارات التدريب لدى الطلبة وصقلها ورعايتها في مختلف المراحل، وتوظيف البرامج التعليمية المتوافرة بالمدارس والجامعات في صناعة المدربين الوطنيين وفق منهجيات دقيقة ومسارات عمل واضحة ومواقف محاكات وتجريب مستمرة بالشكل الذي يضمن المحافظة على هوية التدريب واستقلاليته الفكرية في ظل تشريعات وأنظمة تراعي الحصول على رخص تدريب وطنية وفق مسارات عمل وتجارب أداء تضمن للممارسين له فرص الحصول على الاعتراف، وتوفير حقوق امتياز لبراءات اختراع في برامج التدريب ونماذجه التطبيقية، ومنح رخص تدريبية تمارس هذه المهنة عن جدارة واستحقاق وفق معايير واشتراطات تتقاسم المشترك التدريبي الإنساني العالمي، بالإضافة إلى إيجاد صندوق وطني للتدريب يعمل على تقديم الدعم للكفاءة التدريبية الوطنية والاستثمار فيه.
من هنا فإن المراجعة الواعية للسياسات والبرامج والخطط التدريبية، سوف تثمر عن صناعة أنموذج وطني للتدريب يراعي الحالة العمانية، ويعكس متطلبات سلوك التنمية وليس مجرد نقل التدريب ومدارسه لواقعنا العماني بدون أي تنقيح أو إعادة صياغة فكرته، فتصبح البرامج المقدمة ترديد لنماذج مطبقة منقولة معاد تدويرها بين بيئات متعددة بدون تغيير أو إكسابها صفة الخصوصية الوطنية، ويصبح التدريب ظاهرة صوتيه ببغائية تفتقر إلى الاحتواء والمنهجية التأثير ـ يظهر ذلك في نوعية المصطلحات والنماذج التي يتحدث بها المدربون حول مفاهيم التغيير والحريات والحقوق وأنماط القيادة وغيرها ـ، وهو ما يحصل في أغلب الأحوال إذا ما علمنا بأن القائمين على تدريب المؤسسات وإعداد المدربين من غير العمانيين، ومن مدارس فكرية تدريبية متنوعة لها منظورها الفلسفي وأطرها التي قد تختلف بشكل أو بآخر، وبالتالي البحث في استراتيجية عمل وطنية تنقل التدريب من مجرد موضة تكرار موضوعات وصورة ترويجية شكلية تنتهي بوضع المدرب في مستوى المثالية وامتلاك المعرفة المتكاملة؛ إلى التزامه أجندة عمل تتناغم مع الواقع الاجتماعي ويعكسها السلوك الممارس في إعادة إنتاجه بطريقه تتوافق مع الشخصية العمانية، إن الاستثمار في الرأسمال البشري الثقافي والفكري عبر ترقية مسارات التدريب والتوسع فيها وبناء القدرات الوطنية المتخصصة في مختلف المجالات كبيوت خبرة وطنية عالمية للتدريب وامتلاكها قواعده وأسسه؛ الرهان الذي يصنع من التدريب قيمة مضافة وعلامة فارقة في مسار التنمية العمانية. فهل ستتجه جهود الحكومة في ظل نواتج البرنامج الوطني للرؤساء التنفيذيين والبرنامج الوطني لتنمية مهارات الشباب وغيرها إلى إعادة تقييم مسار التدريب الوطني من جديد وبناء معايير تدريبية تعزز من صناعة الاحترافية فيه، وتصحيح المفاهيم المغلوطة التي باتت تشوّه مساره وتنذر بانحرافه في ظل موضة تدريبية تؤمن بالكسب السريع ولا تعترف بالمنافسة الجادة؟

إلى الأعلى