الأحد 23 سبتمبر 2018 م - ١٣ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / التعايش مع أميركا ترامب

التعايش مع أميركا ترامب

د.احمد مصطفى

” لم يكن كثيرون يتصورون أن رجلا مثل ترامب، بخصاله وطبيعته وعدم خبرته السياسية، يمكن أن يستمر في البيت الأبيض أكثر من عام. وبالفعل شهد عامه الأول أكبر تغييرات في العاملين معه في فترة قصيرة بشكل لم يحدث مع أي رئيس سابق، لكنه في عامه الثاني الذي يوشك على الانتهاء تمكن من تطويع بيروقراطية الدولة لتقبل به وبطريقته في إدارة الأمور.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لم يحدث في تاريخ الولايات المتحدة، وهو قصير بالمناسبة لا يزيد عن بضع قرون قليلة، أن جعل رئيس دخل البيت الأبيض من حكم أميركا مرتبطا بشخصه مثلما يفعل الرئيس الحالي دونالد ترامب. حتى الرؤساء العظام الذين ارتبطت أسماؤهم في التاريخ بانجازات كبرى ظلت اسماؤهم صنو تلك الانجازات، لكن الرئيس الحالي جعل الأميركان والعالم كله يرى أميركا هي ترامب وترامب هو أميركا. وفيما يقترب الرجل من اتمام عامه الثاني في البيت الأبيض، يبدو أن الأميركيين والعالم ليس أمامهم سوى تدبر أمرهم للتعايش مع ست سنوات أخرى من أميركا ترامب. وستكون الإشارة الأهم في نوفمبر مع انتخابات التجديد النصفي للكونجرس والتي يبدو حتى الآن أن حزب الرئيس (الحزب الجمهوري) لن يخسرها لصالح الحزب الديموقراطي الذي يبدو أنه لم يفق بعد من صدمة فوز المنافس الغريب عن عالم السياسة والحكم وخسارة مرشحته هيلاري كلينتون في انتخابات نهاية 2016. وحتى لو جاءت النتائج بكونجرس ليس بأغلبية جمهورية تماما فلن يكون بأغلبية ديموقراطية مهمة أيضا ما يعني امكانية استمرار الرئيس مع كونجرس لا يتفق معه كثيرا ـ وسوابق ذلك كثيرة.
لم يكن كثيرون يتصورون أن رجلا مثل ترامب، بخصاله وطبيعته وعدم خبرته السياسية، يمكن أن يستمر في البيت الأبيض أكثر من عام. وبالفعل شهد عامه الأول أكبر تغييرات في العاملين معه في فترة قصيرة بشكل لم يحدث مع أي رئيس سابق، لكنه في عامه الثاني الذي يوشك على الانتهاء تمكن من تطويع بيروقراطية الدولة لتقبل به وبطريقته في إدارة الأمور. حتى ما يواجهه من مشاكل مثل تحقيق لجنة موللر في تواطئه مع روسيا للنجاح في انتخابات الرئاسة أو قضايا فضائحه الجنسية قبل توليه الرئاسة لا يبدو أنها ستطيح به من الحكم، حتى لو سببت له حرجا شديدا. أما موقف الإعلام الأميركي منه وكشفه لمغالطاته وجهله الذي يتبدى أحيانا بشكل صارخ في تغريداته على تويتر فالمثير أنه يزيد من تأييد قاعدة ناخبيه له ـ إذ يرونه مثلهم تماما، فهو تعبير عن الأميركي في حالته غير المصقولة بصبغ المؤسسة السياسية وتجميل التقاليد الدبلوماسية. وهكذا، فمن انتخبوا ترامب من الأميركيين ما زالوا يؤيدونه حتى الآن وفي الأغلب الأعم إذا ظل الديموقراطيون على حالهم سيصوت هؤلاء لترامب ثانية في نهاية 2020 ليبقوه أربع سنوات أخرى في البيت الأبيض.
في البداية تعامل ترامب مع إدارة البلاد كما يتعامل مع شركاته وبرنامجه التلفزيوني السابق، وعلى أساس أنه مشهور بزنس وإعلام، ومع الوقت ـ وبسرعة فاقت التوقعات ـ أدرك أن كونه رئيس أقوى دولة في العالم يجعله مشهورا من نوع آخر فبدأ التصرف على هذا الأساس. وشيئا فشيئا أدرك أعمدة مؤسسة الحكم وإدارة البلاد أن عليهم التكيف مع طريقة الرجل، ولا شك أن ذلك التكيف والمرونة ستزداد أكثر في العامين المتبقيين من رئاسته الأولى ما قد يجعل رئاسته الثانية أقرب لإحداث تغيير غير مسبوق في الولايات المتحدة وبالتالي في العالم. وننصح بألا يجهد البعض أنفسهم كثيرا في التحليل وتوقع نتائج هذا التغيير وما ستؤول إليه الأمور ذلك لأن الرجل غير تقليدي تماما ولا تنطبق عليه أي نماذج في التفكير والتصرف ـ هو ببساطة “خارج الكتاب” تماما. وربما الأفضل أن يكرس الجهد للعمل على كيفية التعايش مع أميركا ترامب لست سنوات أخرى. ومع قدرة الرجل حتى الآن على أن يفعل ما فعل دون تبعات جسام على حكمه وإدارته، علينا توقع المزيد من هذا النهج والمهم هو ألا نتصلب ونتمكن من التفكير في كيف نحمي مصالحنا ونحافظ على علاقاتنا في ظل تصرفات شبيهة من رئيس القوة العظمى الوحيدة في العالم.
في عامه الأول ألغى نظام التأمين الصحي “أوباما كير” وانسحب من اتفاقية المناخ الدولية وفكك اتفاقيات التجارة بيين بلاده وكتل العالم التجارية وغير قوانين الهجرة ويصر على بناء جدار على حدود بلاده الجنوبية (وفي الأغلب سيبنيه، فهو تاجر مقاولات أصلا) ثم انسحب من اتفاق إيران النووي وفرض رسوما جمركية على صادرات الدول الكبرى إلى أميركا .. ورغم الانتقادات والصراخ من هنا وهناك، استمر ترامب على نهجه ولم يثر الاميركيون ضده في مليونيات تطالب باسقاطه! فلنلاحظ هنا أن أهم ما يعني الأميركي هو وضع اقتصاد بلاده، وربما كان التحسن الاقتصادي أهم عامل دعم لترامب فالاقتصاد ينمو والوظائف تتوفر والأجور تزيد (ولو ببطء). إنما الانجاز الأهم على الاطلاق فكان تخفيض الضرائب غير المسبوق الذي قد يكفي (إذا لم تحدث مفاجآت في أكبر اقتصاد في العالم) لانتخابه مرة ثانية بعد عامين. وبما أنه ليس هناك بعد في العالم ما يغير من حقيقة أن أميركا تقود العالم، وأن اقتصادها هو ركيزة الاقتصاد العالمي، فإن على العالم أن يفكر في الطريقة الأفضل للقبول بما عليه أميركا الآن ـ أو بالأحرى بالرئيس دونالد ترامب ـ حفاظا على توازن المصالح.

إلى الأعلى